الجندي المخطوف والهاتف المسلوب



تحرّكات ديبلوماسية مكثفة ودول مستنفرة وعسكر متأهب على وقع التهديد بحرق غزّة على رؤوس سكانها من اجل انقاذ الجندي الإسرائيلي الشاب الذي أسرته المقاومة خلال عمليّة رفح.
قضية هذا الجندي تحولت الى اشكال سياسي وميداني يهدد بتفجير الوضع في صياغة تضافرت فيها كل أشكال المزايدة والمغالطة حولت فعل المقاومة الى جريمة وقدمت اعوان الاحتلال كضحايا.
ما يجلب الانتباه في الحدث هو حجم النفاق العالمي المتصاعد الذي يؤكد سطوة التأثير الصهيوني وتمسح ديبلوماسيات المنطقة والدول الكبرى على أعتاب الإدارة الصهيونية لاسترضائها وتقديم المساندة الدائمة لها.


أسرة هذا الجندي تلقت اتصالات من كل ممثلي الدول الغربيّة تعبيرا عن تعاطف حكومات هذه الدول مع مأساة هذه العائلة التي يوجد ابنها منذ يوم واحد طويل في قبضة «مجموعة من الأشرار البرابرة».
السفير الفرنسي بتل أبيب كان بدون منازع صاحب أكثر الكلمات حزنا وتعاطفا ومواساة وتأثرا تجاه العائلة المسكينة فقد نقلت عنه وسائل الاعلام وهو يتحدث مباشرة لأفراد عائلة الجندي المنكوب «ان حكومة وشعب فرنسا تشعران بالحزن العميق والتعاطف الشديد مع الجندي وعائلته في مواجهة حدث جلل هو بمثابة مأساة انسانية حقيقية».
بدا السفير الفرنسي بتل ابيب مقطّب الوجه حزين الملامح تكاد الدموع تترقرق في عينيه شديد التأثر أكثر من اب الجندي نفسه الذي لم تبدو على وجهه أية علامات حيرة او ارتباك ربما لثقته بقدرة جيش الدفاع على استرجاع ابنه او لثقته في جهود الخير العربية المندفعة بكل حرارة وحماس وانسانية لاقناع الخاطفين بارجاع الفتى الى اهله وهي جهود تعبّر فعلا عن سمو قيم التضامن والتسامح في ثقافتنا العربية تعكسها دوما جهود ووساطات العواصم العربية من اجل السلام والحب في المنطقة!!
الحدث تحوّل فعلا الى كاريكاتور حزين في دلالته على مستوى النفاق وازدواجيّة المعايير في تعامل العالم والحكومات تحديدا مع مأساة الشعب الفلسطيني الذي يقتل أبناؤه وتهدم بيوته وتجرّف أراضيه ويعتقل شبابه ويغتال أطفاله دون ان يحرّك احد ساكنا في حين تقوم الدنيا ولا تقعد بعد أسر جندي احتلال فوق ميدان مواجهة عسكرية مفتوحة فيصحو حينها فقط الضمير وتتحرّك معه الوساطات وتطلق من اجله النداءات.
المخطوف كان مدججا بالسلاح محاطا بالدبّابات والتحصينات والألغام ولكن هدى ووراءها قائمة أطفال فلسطين من الشهداء الأحياء او الأموات كانوا أبرياء عزل في الطريق الى المدرسة او على شاطىء البحر للنزهة، هؤلاء لا يمثلون شيئا في ميزان الضمير الدولي.
في غمرة هذا المهرجان الدولي للنّفاق استحضرت ما صدر منذ أسبوعين عن برلمان اوروبا الحساس لقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان من استنكار لما سمّوه تجاوزات في بلدي تونس بلغت مداها الأقصى الذي لا يمكن السكوت عنه مع الحدث التراجيدي الذي قطع امكانية الصّبر والصمت، يقول البيان: «تصوروا لقد بلغ حجم التجاوزات في تونس ان قام بعض أعوان الشرطة بمصادرة الهاتف الجوّال للنائبة الأوروبية هلان فلوتر ولم يرجعوه ـ اي الهاتف ـ لها الا بعد ساعة من الزمن في تصعيد خطير لم تشهد له تونس مثيلا في السّابق».
قلبي وكل تعاطفي مع الجندي المخطوف والهاتف الجوّال المسلوب وان شاء الله يكون مصير الجندي كمصير الهاتف، تحرير ونصر مبين في انتظار ان يعود العالم للمشي على قدميه!!



برهان بسيسّ




Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 8372