بقلم الأستاذ بولبابة سالم
لا أحد يستطيع التشكيك في مدنيّة الدولة في الإسلام حيث يعتبر دستور " الصحيفة " في دولة المدينة الذي وضعه الرسول الأكرم صلى الله عليه و سلّم بداية التأسيس لطفرة حضارية تتجاوز العلاقة الدينية بين أتباع الدين الواحد لتشمل المسلمين و غير المسلمين لشعب المدينة . فالإسلام الذي تطوّرت فيه القبائل إلى شعب و تعايشت فيه الأديان و سوّى بين الناس على أساس ما ارتضوه من دستور المدينة يرفض الفوضى و يدعم احترام المواثيق . لم يأمر النبي عليه السلام المهاجرين إلى الحبشة بعصيان ملك الحبشة " النجاشي " و تهديد سلطانه بدعوى أنه يخالف شرع الله بل قال لهم :" إن بها ملك لا يُظلم عنده أحد " فالقيمة الأساسية هي العدل .
و لنتبيّن مدنية الدولة في الإسلام نذكر ما قاله أبو بكر الصديق رضي الله عنه لمّا ولي الخلافة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و سلّم – و نذكر هذا المثال باعتباره الأقرب إلى زمن الوحي و من أقرب الناس إلى النبي { ثاني اثنين إذ هما في الغار } – حيث قال على المنبر " أيها الناس , لقد وُليت عليكم و لست بخيركم , فإن أحسنت فأعينوني , و إن أسأت فقوّموني " فالسلطة هنا بيد الشعب و الحاكم يستمدّ شرعيته من الناس . هذا هو الإسلام المعياري الذي يكرس الدولة المدنية و يرفض الحكم التيوقراطي الذي يدّعي الحاكم أنه يحكم بتفويض إلهي لتتحوّل السلطة إلى دكتاتورية دينية باسم الحقّ الإلهي .
و في الحقيقة فإنّ الإسلام لم يحدّد نمط نظام الحكم بل تركه اجتهادا بشريا لما يناسب كل عصر و وضع قيما عليا ثابتة تعتبر أساس الحكم الرشيد وهي : الحرية / العدل / المساواة / الشورى.
هذه المقدّمة أردتها ضرورية لنفهم طبيعة الأحداث التي حصلت مؤخّرا إثر المواجهات التي حصلت بين بعض المجموعات السلفية و قوّات الأمن الوطني بسبب إصرار بعض السلفيين من – أنصار الشريعة – على إقامة خيمات دعوية دون ترخيص قانوني .
هذه الأحداث المؤسفة واكبها إعلام يريد صبّ الزيت على النار و إيقاد نار الفتنة بين التونسيين , طبعا يجب أن تفهم بعض المجموعات السلفية أن الحصول على التراخيص ضروري لإقامة أنشطتها فلابد من احترام القانون , و يجب أن تعلم أن أهم قيمة وهبتها الثورة لبلادنا هي الحرّية , و الحريّة دون قانون تصبح فوضى ولا أحد من التونسيين يريد أن تنزلق بلاده نحو العنف و الفوضى .

إنّ تحدّي سلطة الدولة هو استهداف لما يجمع بين أبناء الوطن الواحد و دوس على قوانينها . لن أنزل لمستوى بعض الأقلام التي تجاوزت مسألة الترخيص إلى رفض إقامة الخيمات الدعوية أصلا و حوّلت الصراع من القانوني إلى السياسي , فمن يؤمن بالحرية كقيمة دينية و انسانية و أخلاقية لا يجب أن يبيح لنفسه ما ينكره على غيره- رغم أنّي لست مؤيّدا للخيمات الدعوية - و أدرك جيّدا أنّ هناك من لا يريد الحرية إلا لنفسه أو لمن يشاركه أفكاره لذلك نحتاج إلى الصبر لنهضم مبدأ حقّ الإختلاف . لماذا يصرّ السلفيون على رفض طلب الترخيص لأنشطتهم ؟ قلت – بعض السلفيين – لأنّ أغلب الخيمات الدعوية تقام بعد الحصول على تراخيص من السلطات المختصّة .
كانت إجابة أحد منتسبي هذا التيار صادمة : "لنا ترخيص إلهي و لا نحتاج إلى ترخيص منكم ". هذا تحدّ لسلطة الدولة و لقوانينها . إذا كانت السلطة الحالية منتخبة من الشعب باختياره الحرّ , و ذكرنا بأن الإسلام نفسه يؤكّد سيادة الشعب و إليه ترجع مشروعية السلطة , كما وضع الرسول دستور الصحيفة الذي يحدّد طبيعة العلاقات و المعاملات بين سكان المدينة من مختلف الأديان , هل ذكر الرسول الأعظم { وهو قدوتنا } بأنّه يملك تفويضا إلهيا ؟ هل تجاوز ما اتّفق عليه أهل المدينة – وهو نبي الله – ليفرض شريعته بالإكراه ؟ الدولة الديمقراطية هي دولة القانون , لا تحاسب الناس على أفكارهم و لكنها ملتزمة بتطبيق القانون ضدّ المتجاوزين وهي تحمي كل من يلتزم بالقانون . لست سلفيا و لا نهضويا ولا تحريريا و أختلف معهم في الكثير من الأفكار و المواقف إلى حدّ التناقض لكن تابعت بعض المواقف و الأقلام التي هلّلت و باركت ما حصل في السيجومي و حي التضامن عشية السبت الفارط و هي نفسها التي وصفت أمننا الوطني بأبشع النعوت في مواضع أخرى ضدّ الخارجين عن القانون , المسألة ليست حبا في تطبيق القانون بل نكاية في من يرفضون شكله و فكره و يتمنّون إعادة محرقة التسعينيات الرهيبة فدعاة الإستئصال لا يعترفون بدولة القانون إلا لضرب خصم سياسي و صدق الصديق إلياس القرقوري عندما قال " عندنا مخلوقات في هذا الوطن , يغار الليل الدامس من سواد قلوبهم و يغار الحقد من قسوة مشاعرهم و يغار الظّلم من جبروتهم ..اللهم اجعل كيدهم في نحرهم " .
لكن على السلفيين أن يفهموا أن احترام القانون سلوك مدني , و من احترم القانون يحترمه الناس .
و عاشت تونس الحرّة التي نريدها مدنيّة و ديمقراطية حاضنة لجميع أبنائها .
كاتب و محلل سياسي
لا أحد يستطيع التشكيك في مدنيّة الدولة في الإسلام حيث يعتبر دستور " الصحيفة " في دولة المدينة الذي وضعه الرسول الأكرم صلى الله عليه و سلّم بداية التأسيس لطفرة حضارية تتجاوز العلاقة الدينية بين أتباع الدين الواحد لتشمل المسلمين و غير المسلمين لشعب المدينة . فالإسلام الذي تطوّرت فيه القبائل إلى شعب و تعايشت فيه الأديان و سوّى بين الناس على أساس ما ارتضوه من دستور المدينة يرفض الفوضى و يدعم احترام المواثيق . لم يأمر النبي عليه السلام المهاجرين إلى الحبشة بعصيان ملك الحبشة " النجاشي " و تهديد سلطانه بدعوى أنه يخالف شرع الله بل قال لهم :" إن بها ملك لا يُظلم عنده أحد " فالقيمة الأساسية هي العدل .
و لنتبيّن مدنية الدولة في الإسلام نذكر ما قاله أبو بكر الصديق رضي الله عنه لمّا ولي الخلافة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و سلّم – و نذكر هذا المثال باعتباره الأقرب إلى زمن الوحي و من أقرب الناس إلى النبي { ثاني اثنين إذ هما في الغار } – حيث قال على المنبر " أيها الناس , لقد وُليت عليكم و لست بخيركم , فإن أحسنت فأعينوني , و إن أسأت فقوّموني " فالسلطة هنا بيد الشعب و الحاكم يستمدّ شرعيته من الناس . هذا هو الإسلام المعياري الذي يكرس الدولة المدنية و يرفض الحكم التيوقراطي الذي يدّعي الحاكم أنه يحكم بتفويض إلهي لتتحوّل السلطة إلى دكتاتورية دينية باسم الحقّ الإلهي .
و في الحقيقة فإنّ الإسلام لم يحدّد نمط نظام الحكم بل تركه اجتهادا بشريا لما يناسب كل عصر و وضع قيما عليا ثابتة تعتبر أساس الحكم الرشيد وهي : الحرية / العدل / المساواة / الشورى.
هذه المقدّمة أردتها ضرورية لنفهم طبيعة الأحداث التي حصلت مؤخّرا إثر المواجهات التي حصلت بين بعض المجموعات السلفية و قوّات الأمن الوطني بسبب إصرار بعض السلفيين من – أنصار الشريعة – على إقامة خيمات دعوية دون ترخيص قانوني .
هذه الأحداث المؤسفة واكبها إعلام يريد صبّ الزيت على النار و إيقاد نار الفتنة بين التونسيين , طبعا يجب أن تفهم بعض المجموعات السلفية أن الحصول على التراخيص ضروري لإقامة أنشطتها فلابد من احترام القانون , و يجب أن تعلم أن أهم قيمة وهبتها الثورة لبلادنا هي الحرّية , و الحريّة دون قانون تصبح فوضى ولا أحد من التونسيين يريد أن تنزلق بلاده نحو العنف و الفوضى .

إنّ تحدّي سلطة الدولة هو استهداف لما يجمع بين أبناء الوطن الواحد و دوس على قوانينها . لن أنزل لمستوى بعض الأقلام التي تجاوزت مسألة الترخيص إلى رفض إقامة الخيمات الدعوية أصلا و حوّلت الصراع من القانوني إلى السياسي , فمن يؤمن بالحرية كقيمة دينية و انسانية و أخلاقية لا يجب أن يبيح لنفسه ما ينكره على غيره- رغم أنّي لست مؤيّدا للخيمات الدعوية - و أدرك جيّدا أنّ هناك من لا يريد الحرية إلا لنفسه أو لمن يشاركه أفكاره لذلك نحتاج إلى الصبر لنهضم مبدأ حقّ الإختلاف . لماذا يصرّ السلفيون على رفض طلب الترخيص لأنشطتهم ؟ قلت – بعض السلفيين – لأنّ أغلب الخيمات الدعوية تقام بعد الحصول على تراخيص من السلطات المختصّة .
كانت إجابة أحد منتسبي هذا التيار صادمة : "لنا ترخيص إلهي و لا نحتاج إلى ترخيص منكم ". هذا تحدّ لسلطة الدولة و لقوانينها . إذا كانت السلطة الحالية منتخبة من الشعب باختياره الحرّ , و ذكرنا بأن الإسلام نفسه يؤكّد سيادة الشعب و إليه ترجع مشروعية السلطة , كما وضع الرسول دستور الصحيفة الذي يحدّد طبيعة العلاقات و المعاملات بين سكان المدينة من مختلف الأديان , هل ذكر الرسول الأعظم { وهو قدوتنا } بأنّه يملك تفويضا إلهيا ؟ هل تجاوز ما اتّفق عليه أهل المدينة – وهو نبي الله – ليفرض شريعته بالإكراه ؟ الدولة الديمقراطية هي دولة القانون , لا تحاسب الناس على أفكارهم و لكنها ملتزمة بتطبيق القانون ضدّ المتجاوزين وهي تحمي كل من يلتزم بالقانون . لست سلفيا و لا نهضويا ولا تحريريا و أختلف معهم في الكثير من الأفكار و المواقف إلى حدّ التناقض لكن تابعت بعض المواقف و الأقلام التي هلّلت و باركت ما حصل في السيجومي و حي التضامن عشية السبت الفارط و هي نفسها التي وصفت أمننا الوطني بأبشع النعوت في مواضع أخرى ضدّ الخارجين عن القانون , المسألة ليست حبا في تطبيق القانون بل نكاية في من يرفضون شكله و فكره و يتمنّون إعادة محرقة التسعينيات الرهيبة فدعاة الإستئصال لا يعترفون بدولة القانون إلا لضرب خصم سياسي و صدق الصديق إلياس القرقوري عندما قال " عندنا مخلوقات في هذا الوطن , يغار الليل الدامس من سواد قلوبهم و يغار الحقد من قسوة مشاعرهم و يغار الظّلم من جبروتهم ..اللهم اجعل كيدهم في نحرهم " .
لكن على السلفيين أن يفهموا أن احترام القانون سلوك مدني , و من احترم القانون يحترمه الناس .
و عاشت تونس الحرّة التي نريدها مدنيّة و ديمقراطية حاضنة لجميع أبنائها .
كاتب و محلل سياسي




Om Kalthoum - الأهات
Commentaires
30 de 30 commentaires pour l'article 65150