المتاجر و المهزوم



تعرفه ما إن يطالعك متأبطّا شعاراته و أدوات خطابه. يثني على عظمة الشعب التونسي و يعدّد طويلا جهات و قرى الدّاخل ليبرز معرفته العميقة بها و يثقل قلبك بالإحساس بالذّنب إذا كنت من غير أهل تلك المناطق و بالظّلم إذا كنت منها و يتغاضى عن ذكر عدد شهداء المدن الكبرى. ثم يعرّج على معتصمي القصبة فيوليهم كل الإجلال و الإكبار و يكبر حتى وعي التلاميذ ممن لم يتجاوز عمرهم 18 سنة.

بهذه الديباجة يلجم كل حسّ نقديّ و كل رغبة في تمحيص ما سيقول و يحقن ذهنك بأفيون يجعلك لا تعمل عقلا في حديثه. فإذا استحكم على عقلك، يعتلي ركام سخافاته و يبدأ في إرسال الأحكام و الشّعارات جزافا. فيقول كلامه السحري : إنّ هناك التفافا على الثورة و إنّ هناك أياد خفيّة ستسرق الثورة و إنّ هنالك أدلة واضحة أن الردّة في طريقها للانتصار و إنّ الأفعى مازالت تسعى ولو بلا رأس. حتّى لتشعر أنّك محاصر في بيتك و أنّ بن علي سيطلع لك من تحت فراشك. و لكنّه لا يعطي تعريفا لمفرداته و لا يقدّم تحليلا لأفكاره و مخاوفه. فتمضي و أنت تتوجّس من الالتفاف و لكنّ لا تعرف كيف سيكون الالتفاف و تتوقّع جسم الأفعى في كلّ منعطف و ركن و لكنّ لا تعرف شكل الأفعى.


فإذا ثبت إلى رشدك و قلت له كيف يضمر الالتفاف من حارب العصابات عندما كنّا مذعورين محشورين في بيوتنا، ألم يكن الأجدر أن لا يحاربهم و يستغلّهم في التفافه؟ فيقول لك أنّ هذا لسحب البساط و امتصاص الغضب.



فإذا قلت له أينوي الالتفاف من قبل بأمر واقع جديد يستحيل الرجوع فيه كإطلاق آلاف المساجين و التأشير لعشرات الأحزاب و الجمعيات و الصحف و من لا يتعرّض للناس و هم يسلقونه بألسنتهم صباحا مساءا و من صادر ممتلكات بن علي و معاونيه و من أرسل بطاقة جلب للفارّين منهم و من حلّ التجمّع و صادر ممتلكاته؟ قال لك أنّ كلّ هذا ما كان إلاّ لسحب البساط و امتصاص الغضب.

فإذا قلت له كيف يدبّر الردّة من أشرك في حكمه المعارضة الشّرسة في عهد بن علي و الشخصيّات التّي لم تأكل من مطبخه و استبعد المعارضة الخشبيّة و من أصدر قانونا لانتخاب مجلس تأسيسي؟ قال أنّ هذا ما هو إلا لسحب البساط و امتصاص الغضب. حتىّ تخاله سيقول لك أن الثورة ما كانت إلا لسحب البساط و امتصاص الغضب.
فلا تجد بدّا من الإقتناع أن الرجل حانق على سحب البساط و امتصاص الغضب و أنّه يريد البساط و يريد الغضب لأنّه بلا بساط و لا غضب تبور بضاعته و يفرغ دكانه.
و حين تسمع حديثه عن بقايا الديكتاتور، تكاد تجزم أنّه يعتقد أنّه ما دام هناك حركة و عمل و إدارات و مبان و مقاه و مواطنون غادون رائحون و ما دام صيفنا حارّا و شتاؤنا باردا و لون سمائنا أزرق فإنّ هذا برهان اليقين على وجود بقايا الديكتاتور. فهو لا يوقن أن الثورة وقعت و أن العهد البائد طوي إلّا إذا مات العباد و يبس الشّجر و جفّ الماء و استوت البلاد بالأرض.
فإذا أتى الحديث على الأوضاع في ليبيا و كان ذلك قبل الحظر الجوي، انبرى يلعن الغرب الذي يترك شعبا يقتّل من أجل النّفط. فإذا قلت له أو سيذهب النّفط مع القذّافي إذا ذهب؟ يقول لك أنّ الغرب متآمر و أنّه يريد تحويل ليبيا إلى عراق جديد.




فإذا أتى الحديث على الأوضاع في ليبيا و كان ذلك بعد الحظر الجوي انهال على الغرب سبّا و اتّهمه بالسّعي لاستعمار ليبيا و أنه ما تدّخل إلّا للنّفط و يعبّر عن رفضه القاطع للتدخّل الأجنبي مع حرصه على عدم تقتيل الليبيّين. فإذا قلت له ألم تر بوادر المجزرة التي وعدت بها بنغازي و ما جمع لها القذافي من رجال و عتاد، أفكانت دعواتك و مشاعرك الوديّة ستنقذ حياة الناس هناك؟ يقول لك إنّ الغرب متآمر و إنّه يريد تحويل ليبيا إلى عراق جديد.
فتغادره و قد أيقنت أن هذا الرّجل أحد اثنين :

الرّجل الأول
رجل يقتات من أصله التجاري القائم على الرّفض و المعارضة و المزايدة و إطلاق الشّعارات وأنّه لا يريد لا تقدّما و لا إصلاحا و أنّه لا يغادر مواقفه تلك إلا إذا حكّم في الرّقاب و البلاد.

الرّجل الثاني
رجل تجذّرت فيه عقد الانهزام و الكبت و القمع فاستحال حامل ضغينة حانقا محتقنا أبديا، تعجز نفسه أن تراه منتصرا.
وليد الشريف
(نشر بجريدة الصبــاح)



Commentaires


2 de 2 commentaires pour l'article 35055

Riadh  (Tunisia)  |Mercredi 11 Mai 2011 à 09h 17m |           
من يقول هكذا كلام لا يفقه في السياسة شيئا

كل الثورات كان لها ثورات مضادة وقوى ردة
وهذل امر طبيعي لاختلاف المصالح بين المتخاصمين

اقول لكاتب المقال اقرأ التاريخ على الاقل تاريخ الثورات الفرنسية و ستعرف معنى الثورة المضادة

هل معنى ما تقوله اننا في المدينة الفاضلة؟
حي لا يتأمر احد على الثورة
الخوف مشروع ومبرر خاصة اذا كانت هناك تجارب قديمة
و دلائل تنبأ بأن هناك
' شيئا وراء الاكمة '

@auteur  (Tunisia)  |Mercredi 11 Mai 2011 à 08h 54m |           
Juste un eremarque:
l'armée a fait un bon travail lors des premiers jours de lrévolution, mais le peuple n'est pas caché dans les maisons comme tu as dis, mais au contraire tout le monde (ou presque) est sorti dans les rues protéger ses quartiers, et les militaires ont dis que s'ils n'avaient pas le soutient des gens et leur collaboratio durant ces jours, il y aurait eu une catastrophe.