كل دولة عربية مصدر صداع شقيقة للدول الأخرى



أكثر ما يثير عجبي هو أن كثيرين لم ينتبهوا أو يأبهوا لوفاتها، رغم أن معظمنا أحبها لسنوات طويلة، وتعلق بها ووضع ثقته فيها، ولكن هذه سنة الحياة، فكم من زواج قام على الحب، وتحدى الطرفان الأهل حتى حصلا على الموافقة على الزواج ثم انتهى الأمر بالطلاق.. وكان كل بلد عربي يعتبر يوما ما - بصدق- بقية الدول العربية شقيقة، ثم تبدلت المشاعر وصارت كل دولة عربية مصدر صداع "شقيقة" للدول الأخرى! أتحدث هنا عن وفاة إذاعة بي بي سي العربية (هنا لندن) التي ظلت لسنوات طويلة المصدر الموثوق به للمعلومات حول ما يحصل في بلداننا وفي البلدان الأخرى، وأداة تنوير وتثقيف ببرامجها الجادة والرصينة، وكان ما يعجبني في (هنا لندن) نأيها عن اللغو، ولكنها صارت الآن أكبر منتج ومصدِّر للغو، ولولا أن جانبا أساسيا من نشرات أخبارها يأتي من نفس المصدر الذي تستقي منه جميع إذاعات وتلفزيونات بي بي سي موادها الخبرية، لما صار لتلك الإذاعة مستمعين حتى في البلدان ذات الإعلام التعس التي لا يستطيع المواطنون فيها التعامل مع الفضائيات .. أستمع إلى إذاعة بي سي العربية أحيانا وأنا في السيارة تفاديا لمحطات الإف أم التي تظهر كل يوم مثل حب الشباب وتسبب لي ضيقا في التنفس.. ولاحظت أن أهم شروط الخدمة في بي بي سي العربية صارت عدم الإلمام باللغة العربية، فلو تابعت التقارير التي يبثها مراسلو تلك الإذاعة من العواصم العربية والأوربية (ربما باستثناء عاطف عبد الجواد - واشنطن)، لأدركت أن هذه الإذاعة بينها وبين العربية ثأر قديم، ربما يعود إلى تلك الفترة التي تميزت بأن أساطين بي بي سي الذين غيب الموت وعامل السن معظمهم، كانوا يولون اللغة وقواعدها ومخارج حروفها اهتماما كبيرا، فجاء من بعدهم نفر يرى أن الإلمام بالفصحى أمر عسير، وعمدوا من ثم إلى شرشحتها والإفراط في استخدام المفردات العامية، وبعد أن كانت "اللهجات" من المحرمات في بي بي سي صار بإمكانك أن تعرف من أي بقعة في أي بلد عربي أتى هذا المذيع أو ذاك.. ومعظم البرامج عبارة عن مسخرة ولغو وتهريج وهذيان عبر الهواتف والإيميل بل ورسائل الهاتف الجوال.. وكلما أحسوا بأنهم نسفوا تقاليد بي بي سي التي أكسبتها الهيبة والاحترام رجعوا إلى الأرشيف وقدموا دروسا في تعليم الإنجليزية بالراديو وبالفرن وبالبشاميل.. والكارثة هي أن معظمهم يحملون جوازات سفر بريطانية ولكنهم لا يعرفون من الإنجليزية سوى أوكي وسانك يو (ثانك يو) وسي يو.. يعني ليس من الإنصاف أن نقول إنهم يعادون اللغة العربية لأنهم يعادون حتى الإنجليزية ولا يحسنون نطق أسماء وزراء يشغلون حقائب سيادية في لندن.. ورغم أن إذاعة هنا لندن نأت بنفسها عن اللغة العربية إلا أن سياساتها البرامجية عربية 100%.. لا مجال لبرنامج حواري جاد يتناول الأوضاع في أي بلد عربي..بل يخيل إليك أن مراسليهم ومندوبيهم في العواصم العربية ناطقون رسميون باسم تلك العواصم.. وهكذا أصبحت هنا لندن ذات الشنة والرنة مثلها مثل محطات الإف إم التي تسبب الغم.. وقد كتبت هذا المقال من باب "اذكروا محاسن موتاكم".

Al Watan

Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 1937