باتت العولمة شيئا مرئيا ومعاشا، ومع هذا فقد ظلت من المسائل التي يصعب شرحها في إيجاز، فالعولمة تتجلى في أشياء ومظاهر عديدة تأخذ برقاب بعض، وكنت أحسب أنني أعرف عنها معظم ما ينبغي ان يعرف، ثم قرأت كتاب توماس فريدمان المعنون "سيارة اللكزس وشجرة الزيتون" الذي يشرح فيه العولمة وتجلياتها بأسلوب شيق، ولكنني لم أجد شرحا وافيا موجزا لها إلا عندما قرأت ما كتبه الشاعر السعودي مسفر الغامدي عن الرواية في زمن العولمة في صحيفة الوطن يوم الثلاثاء الماضي: العولمة هي انتصار الرأسمالية على ما عداها، ومن ثم فالقيم التي تدعو إليها هي قيم استهلاكية بالدرجة الأولى (قيم سوق)، هدف تلك القيم هو "تسليع" الأشياء بمعنى أن كل ما يمكن تسويقه يمكن تحويله إلى سلعة، وفي هذا المقام (مقام البيع والشراء) لابد لنا ألا نتماهى مع الشعارات الساذجة التي ترفعها العولمة (الحرية، الكرامة، حقوق الإنسان، الخ) لأنها شعارات تسويقية، هي الطُعم الذي يستدرج الفريسة والفريسة في هذه الحالة هي المستهلك حتى لو كان على قدر من الثقافة... انتهى كلام مسفر الغامدي... وبدأ كلام جعفر النوبي: فما قاله الشاعر السعودي على بلاطة هو أن العولمة تعني سيادة قيم الرأسمالية وعمدة تلك القيم هي أمريكا والرأسمالية تعارض كل أشكال القيود والحدود التي تمنع تناميها واتساعها: لا للجمارك.. لا لحماية المنتجات الوطنية.. لا للحدود السياسية.. ويصاحب هذه اللاءات بعض البهار المتعلق بحماية حقوق الإنسان وتوفير الكرامة البطيخ له! ولا مجال للأسماك الصغيرة في بحر ضخم تتسيد فيه أسماك القرش،... ونحن مجرد بيض سمك في ذلك البحر الذي ابتلعت فيه أسماك القرش الألمانية صناعة السيارات في بريطانيا... شركة فورد للسيارات العريقة راحت فيها!! وسأحاول تبسيط الأمور كما فعل مسفر الغامدي: حتى قبل سنوات قليلة كان الإرشاد الديني في العالم العربي وقفا على أسماء معينة كالشعراوي والقرضاوي والطنطاوي، وكنا نعرفهم بنبرات أصواتهم وهيئاتهم العامة، ثم امتلأت الشاشات بشبان شديدي الأناقة يخوضون في أمور الدين والدنيا بمزيج من العامية والفصحى وينالون "الإعجاب"،.. والفئة الأخيرة أتت بها عولمة الاتصالات..!! ومثال آخر أكثر تبسيطا: الأذن السودانية الموسيقية أقرب إلى الموسيقى الإفريقية والهندية والصينية منها إلى العربية وهناك ملايين السودانيين الذين ناهزوا الأربعين الذين لا يحرك فيهم غناء أم كلثوم شعرة، ثم.. وقبل فترة قصيرة احتفلت عائلة سودانية بزواج أحد أفرادها واستقدمت المطربة السورية أصالة.. وكان عدد (غير) المدعوين الذين حضروا الحفل الذي أقامته يناهز العشرة آلاف! ولأننا لا ننتمي إلى ما يسمى بالعصر الحديث إلا بالحضور العضوي الفيزيائي، فقد كان منطقيا أن يجتاح غول العولمة أشياء كثيرة تخصنا فبريتني سبيرز صارت تنافس نوال الزغبي، والبيرغر هزم الكفتة، وماكدونالدز دخلت سوق الفلافل، وبعد سنوات قليلة ستتحول أشياء مثل الكبسة والويكة والهريس والتبولة إلى فولكلور "تحييه" جمعيات صغيرة، وسرعان ما ستختفي تلك الجمعيات لتوقف الدعم الحكومي.. والعولمة وبال علينا لأننا مهمشون ك"دول" في الساحة الدولية، ومهمشون ك"شعوب" داخل دولنا المهمشة، وكلنا دولا وشعوبا معروضون في سوق النخاسة العولمي!





Abdelhalim Hafed - موعود
Commentaires
0 de 0 commentaires pour l'article 1412