جاء صديقي العراقي لزيارتي من أجل ان يروي لي أطرف حكاية عن الغزو الامريكي للعراق. كنت اجلس امام التلفزيون، واتابع بهلع مشاهد نهب المتحف والمكتبات في بغداد، حين فاجأني الرجل بحكايته: اسمع ماذا جري في مدينة العمارة ، قال: وهل هناك متحف في العمارة ؟ سألته، لا اجابني، هناك الجنون . وروي كيف فوجئ رجل كهل في العمارة، وهو يقف حاملا وعاء بلاستيكيا كي يملأه ماء من شاحنة امريكية، حين قال له الجندي الامريكي انه لن يعطيه ماء الا اذا وافق علي ان يتعمد. يبدو ان العراقي الكهل وقع علي أحد تلامذة القسيس الانجيلي فرانكلين غراهام، وان الجندي الامريكي استغل الظرف القاتل الذي يعيشه العراقيون، من أجل ان يبدأ حملته التبشيرية، بالطبع لا يعلم الجندي او معلمه او حثالة المستشرقين المحيطين بالبنتاغون، ان في العمارة اقلية من الصابئة. والصابئة هي فرقة دينية تتبع القديس يوحنا المعمدان، الذي عمّد يسوع الناصري في نهر الاردن منذ الفي عام. جميع طقوس هذه الفرقة الدينية تقوم علي العلاقة بالمعمودية. عندما يولد الطفل يعمد في المياه الجارية، وفي الزواج يلبس العروسان ثيابا بيضاء ويقفان وسط الماء، والي آخره.
يبدو ان الجندي الامريكي وقع علي رجل صابئي كهل، تشققت شفتاه من العطش، والتهب رأسه من القذائف الحارقة التي اسقطها المحررون علي مدينته. عندما سمع الرجل كلام الجندي ـ المبشر انفجر ضاحكا: انت تريد ان تعمدني، لماذا ؟ هنا طبعا، انطلق لسان المبشر بالحديث عن يوم الدينونة مرددا خزعبلات الانجيليين الذين ولدوا مجددا، لكن الرجل العراقي الكهل، ادار ظهره وحمل وعاءه البلاستيكي وهمّ بالعودة الي بيته، عندما لحق به الجندي الامريكي حاملا خرطوم الماء.
اتركني صرخ العراقي، جئتم من بلادكم البعيدة من أجل تعميدنا، الا تعرفون اننا نحن من اخترع المعمودية . العراقي يشتم ويرفع اصبعه مهدداً والأمريكي لا يفهم.
الجندي ـ المبشر، وبحركة مصالحة، مدَّ خرطوم الماء وبدأ بتعبئة الوعاء البلاستيكي. انتظر الرجل حتي امتلأ وعاؤه، ثم حمله ودلق الماء علي الارض، وقال للجندي: عودوا من حيث اتيتم ، ومشي.
صديقي العراقي ضحك من حكايته، اما انا فأصابني الحزن والذهول، هل يعقل ان يعيد التاريخ نفسه بهذه الطريقة المضحكة. ماذا يظن القسيس فرانكلين غراهام انه يفعل، حين يتجمع مبشروه من جماعة السامريين في الاردن، استعدادا للذهاب الي العراق؟ هل هذه اللعبة ممكنة اليوم مثلما كانت ممكنة في افريقيا منذ قرون ماضية؟
حصاد المبشرين في العالم العربي كان ضئيلاً جدا، فعلي الرغم من قيام المبشرين الانجيليين ببناء مؤسسات كبري، مثل الجامعة الامريكية في بيروت، فانهم لم ينجحوا في المشرق وفي مصر سوي في هداية المهتدين. اذ ان عملهم التبشيري لم ينجح سوي في بناء طوائف صغيرة، كانت في معظمها من ابناء الطوائف المسيحية الشرقية، الذين دفعهم الفقر الي الاستماع الي دعوات المبشرين، والاستفادة من مدارسهم في الآن نفسه. اما ما عدا ذلك فكان مضيعة للوقت، ووقاحة كولونيالية.
اليوم، دعي القس فرانكلين غراهام لترؤس الصلاة في البنتاغون، بمناسبة الجمعة العظيمة عند المسيحيين الغربيين. وهذا القس الغريب الاطوار، سبق له ان شن حملة عنصرية ـ طائفية ضد الاسلام، غداة احداث الحادي عشر من ايلول. فالفرق بين المسيحية والاسلام بالنسبة اليه هو كالفرق بين النور والظلام ! والاله الحقيقي، مثلما يعتقد، هو إله الكتاب المقدس وليس إله القرآن ! كما صرح لجريدة الصانداي تايمز في لندن.
دعوة هذا العنصري الأرعن الي البنتاغون ليست مجرد مصادفة. فعلاقة هذا النمط من المهووسين الدينيين بادارة السيد جورج دبليو بوش، صارت معروفة. اذ ان ابنه، وهو قسيس ايضاً، ويدعي بيللي غراهام، لعب دورا اساسيا في حياة بوش الصغير. اذ قال الرئيس الامريكي عنه انه زرع بذرة في قلبه، مما ساعده علي التوقف عن شرب الخمر وقبول يسوع المسيح .
رونالد رامسفيلد، والمحيطون به من المسيحيين الصهاينة او اليهود الصهاينة، ومعهم تلامذة برنار لويس من سفهاء العرب، يعيدون التاريخ قرونا الي الوراء، مستعيدين الخطاب الديني العنصري، الذي أسس للحملات الافرنجية المعروفة باسم الحروب الصليبية في القرون الوسطي، وهم يعلمون أو لا يعلمون، ان تلك الحروب، ومعها الغزوة المغولية علي بغداد، لعبت دورا كبيرا في تدمير المسيحية الشرقية، وفي اشاعة جو الظلمات المملوكي علي بلادنا، بعد طرد الغزاة منها.
اللعبة إياها تتكرر اليوم، فتلامذة القسيس فرانكلين غراهام ينتظرون في الاردن السماح لهم بالعبور الي العراق من أجل البدء بحملة تبشيرية تواكب قوات الاحتلال، والبداية كانت في العمارة، ولا يعلم إلا الله، كيف ستتطور الأمور.
لكن من المؤكد ان العراقيين سوف ينظرون بازدراء الي هذا الخليط العجيب من المبشرين والجنود، لأنهم يعلمون ان وراء الأكمة الشركات الامريكية العملاقة، التي بدأت في توقيع عقود نهب العراق، من بكتيل الي ماليبورتون الي آخره.
فالجيش الامريكي الذي لم يحمِ في بغداد سوي وزارة النفط، ومنشآت الذهب الأسود، وترك التراث العراقي للنهب والسلب (هذا اذا افترضنا ان النهب لم يكن منظما، واننا سنكتشف الآثار العراقية بعد اعوام طويلة في نيويورك أو تل ابيب)، جاء بقبعة المبشرين، وبدبابات القمع، من أجل ان يحمي النهب المنظم لثروات العراق.
لكن يبدو ان المستعمرين لم يتعلموا من دروس التاريخ، ولم يتعلموا أولا ان التعصب الديني الذي يقودهم الي استئصال نبوخذ نصر (لأنه سبي اليهود في القرن السادس قبل الميلاد مثلما تقول الاسطورة)، والي البحث تحت تراب أور عن حكاية الانبياء، وعن الجد الأول ابراهيم، الذي سبق لعميد الأدب العربي طه حسين ان أوضح في كتابه في الشعر الجاهلي ، طبيعته الاسطورية ـ الحكائية. هذا التعصب سوف يجعل من الغزو الامريكي بابا لانتشار الدعوات الاسلامية الأصولية. فأمريكا منذ تحالفها مع الوهابية، في سبيل تأمين النفط، في ثلاثينات القرن الماضي، اثبتت انها القوة الأساسية المولدة للتيارات الاسلامية الاصولية (من المؤتمر الاسلامي الي المجاهدين الافغان، الي اسامة بن لادن الي بابل اليوم).
أمام هذا العته الاصولي، وهذا الجنون الانجيلي الذي يبشر بالعودة القريبة للمسيح، ويجعل من حرب احتلال العراق، مؤشرا علي ذلك، لا نملك سوي الابتسام أمام هذه العقول الصغيرة التي تقود أكبر آلة عسكرية في التاريخ، والرثاء أمام الهول الذي ينتظرنا وينتظرهم في وادي الرافدين.
0





Abdelhalim Hafed - موعود
Commentaires
0 de 0 commentaires pour l'article 1366