Chronique d'avant guerre



في موضوع الردح السياسي والتلاسن وعلى المستويات العليا، فإن الصيت هو لدول العالم الثالث وبالذات للحكومات العربية، أما الفعل بمعنى أن تكون مفردات جولات الردح والتلاسن بقوة القذائف فللأوروبيين وآخرين.


وقبل الصراع الأمريكي - الأوروبي المتواصل حول موضوع العراق لم يصل الردح إلى ما وصل إليه وبقي "معجم التخاطب" بين الطرفين ومن يقف إلى جانب كل منهما خالياً من مفردات، يستغرب المرء صدورها عن أطراف تعُدُّ نفسها حضارية وتتهكم على دول العالم الثالث وسياسييها وحكامها بحجة أنهم غير حضاريين في خلافاتهم بين بعضهم بعضاً.
وعند قراءة ما تنشره بعض الصحف وتبثه شاشات التلفزيون في أمريكا وبريطانيا وفرنسا وفي بقية الدول التي تسير في ركب هذا الطرف أو ذاك تستوقف المرء مفردات من الصعب التصديق أنها صادرة عن جهات حضارية. ولكن يبدو أن السباب لا ساتر له وأن الجميع في هذا الشأن موحَّدون. ونحن عندما نقول ذلك نتذكر كيف أن صحيفة "ذي صن" الأكثر انتشارا في بريطانيا، إنما دون أن تعتمد الرصانة والرقي في التناول، أصدرت في عز اشتعال ضيق رئيس الحكومة البريطانية طوني بلير الحليف المغامر للرئيس جورج بوش الابن عدداً خاصاً لشتم الرئيس شيراك، ووزعته مجاناً في بريطانيا وفرنسا، واستعملت في شتائمها مفردات غير لائقة واضعة على صفحتها الأولى عناوين عريضة من نوع "شيراك دودة" واصفة موقف فرنسا من العراق بأنه "موقف منافق" وأن شيراك هو"قوَّاد باريسي".



وإذا كان الرئيس شيراك قد حاول الظهور بأنه لم ينزعج من ذلك فإن الحملة البريطانية عليه أقلقت بعض وزراء حكومته الذين اعتبروا أن المتهجمين على الرئيس الفرنسي ينطقون بلسان أمريكي وأن هؤلاء "مرضى ومقرفون استخدموا ألفاظاً تعبِّر عنهم أكثر مما هي موجهة إلى الرئيس شيراك...".


الردح الذي نشير إليه لا يتوقف. وفي كل يوم هناك مزيد من المفردات والألفاظ التي تؤذي المعنويات وتجرح المشاعر. لكن موقف الرئيس شيراك يبقى أقوى لأن له داخل "حزب العمال" في بريطانيا من يرون أنه على صواب وأن رئيسهم طوني بلير كان على درجة من التهور، عندما قرر أن يكون بمثابة رصاصة في البندقية الأمريكية بدل أن يكون الطرف الذي يمطر الرئيس بوش الابن بالنصيحة تلو الأخرى كي يصرف النظر عن الخيار الحربي ويعتمد أسلوب الضغط... إنما دون تعبئة الناس والجيش باتجاه الحرب. ونقول ذلك على أساس أن البريطاني يبقى أكثر إحاطة بخصوصية المنطقة العربية ويعرف مدى فداحة الكارثة التي يمكن أن تنشأ عن الحرب. ومن المؤكد أنه لو اعتمد بلير أسلوب تزيين محاسن الضغط السياسي بوجود هذه الآلاف المؤلفة من القوات والآليات لكان أنقذ نفسه من الوضع الذي آل إليه ولكان نجا من سقوط بات قريباً حدوثه... إلاَّ إذا كان بلير يمارس لعبة مزدوجة الغرض منها توريط أمريكا التي لم يسبق لها التورط في المنطقة العربية وعند التورط تتقدم بريطانيا لانتشالها من الرمال التي غاصت فيها والحلول محلها كدولة أساسية يمكن للعرب الركون إليها على أساس أنها أنقذت المنطقة من شرور العم سام. وكل شيء بات وارداً كاحتمال في زمننا الراهن الذي هو زمن صدِّق ولا تصدِّق... بما في ذلك احتمال أن يكون بلير داهية وليس ضالاً طريقه وهو احتمال ضعيف.

فؤاد مطر



Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 1352