الجدل الذي ثار على امتداد الايام الفائتة حول انعقاد القمة العربية او تأجيلها




الجدل الذي ثار على امتداد الايام الفائتة حول انعقاد القمة العربية او تأجيلها، يمكن ان يملأ مجلدات. الا ان إثارته في هذه الفترة العصيبة بالذات، وبالحدة التي رأينا، تجعل من الحكمة اختصاره بـ«ورقة نعي» لأمة عربية طال احتضارها، وعندما حانت وفاتها لم تجد من يرثيها.

القمم العربية من حيث المبدأ مناسبة لمناقشة التهديدات او التحديات المصيرية. وأحسب ان مسألة التحضير لغزو، ومن ثم احتلال، دولة من اكبر الدول العربية وأغناها تستحق إدراجها تحت هذا البند. الا ان المناقشة تكون ضرورة بقدر كونها جدّيّة. فإذا ما انعدمت الجدّيّة وتحوّلت القمّة الى «سوق عكاظ» خطابية او تبادل مشاعر زائفة او رشق بمواقف كيدية... صار من الانسب إلغاؤها وتناسيها.

«بعض» كبار القادة العرب «بشّرونا» منذ فترة بأن منع الحرب بات ضرباً من المستحيلات لأن اميركا اتخذت قرار إسقاط النظام العراقي، ولن تغير موقفها مهما كانت الظروف. ولكن مع هذا واصلوا مسلسل مطالبة صدام حسين بـ«التعاون» مع المفتشين الدوليين!


طبعاً هؤلاء القادة لم يخبرونا عما سيفعلونه إذا سُجلت سابقة غزو دولة اجنبية بلداً عربياً بغرض إسقاط حكمه وتصفية حكامه واحتلال أرضه. ولم يخبرونا عما إذا كان النظام الإقليمي سيحتفظ بشرعيته في مثل هذا الوضع. وعن أي مستقبل سياسي سينتظر الحكومات العربية الأخرى التي ستصبح في أعين قطاع من مواطنيها على الأقل أشبه بأحفاد «ملوك الطوائف» الاندلسيين في القرن الميلادي الخامس عشر.

اما «البعض» الآخر، فغاضب من «البعض» الثالث على مطالبته إياه بمنع القوات الاميركية والبريطانية من استخدام اراضيه منطلقاً لشن الحرب، وهذا الغضب أشبه ما يكون بحالة «المضحك المبكي»، فما جدوى مناقشة الوضع العراقي إذا كان قرار الاحتلال قد اتخذ فعلاً، ولن يكون بوسع ممثلي 200 مليون عربي ان يفعلوا ازاءه جزءاً من مئة مما فعله رئيس حكومة 9 ملايين بلجيكي؟!! اللهم إلا اذا كان المطلوب إسباغ الشرعية القومية، ومن ثم الدولية -مع وجود كوفي أنان ـ بشهود عرب، على الغزو والاحتلال.

طبعاً نفهم ونتفهم ان الدول التي ستنطلق منها قوات غزو العراق عاجزة عن «إقناع» واشنطن بجدوى التسوية التفاوضية للأزمة العراقية، وعاجزة ايضاً عن إقناع واشنطن بفوائد تجنيبها الإحراج الناجم عن تحرك عسكري بمثل هذه الضخامة له مثل هذا «السيناريو» لتحقيق مثل ذلك الهدف.

غير انه في حين يصمت عقلاء هذه الدول المغلوب على أمرها، بمرارة، لأنهم يدركون مدى خطر «صبيحة اليوم التالي»، نرى آخرين يتطوعون تطوعاً لفتح المعارك وتسجيل النقاط والتشفّي المسبق من دون تبصر في النتائج الجيوبوليتيكية لما سيحصل، وبخاصة المواقع الخاصة المعدة لدولهم في ترتيبات حقبة الاحتلال العسكري للعراق.

مخططو الاحتلال كدونالد رامسفيلد وبول وولفويتز وريتشارد بيرل يتحدثون، هذه الايام، بصراحة عن خططهم في كل المؤتمرات الصحافية والمقابلات التي يجرونها مع وسائل الاعلام الاجنبية والعربية. وإذا كان هؤلاء يعنون فقط نصف ما يقولونه ـ بانتقائيتهم المألوفة في موضوعي الديمقراطية وحقوق الانسان- أعتقد ان على معظم الحكومات العربية الشعور بشيء من القلق.

فقلة اكتراث واشنطن بمصير ما يسمى «تهذباً» بالنظام السياسي العربي لم تصل في تاريخها الى الدرجة المتدنية التي هي عليه اليوم. وانعدام «احترامها» لمصالح حلفاء الماضي ومخاوفهم وهواجسهم دليل قاطع على استعدادها للتخلي عنهم اليوم قبل الغد. وهذا مؤشر ينبغي قراءته بالجدية اللازمة قبل تراكم اخطاء المتفائلين بجدوى «التوبة» المجانية المتأخرة. ان إعراب واشنطن، مثلاً، عن ضيقها بقرار الحكومة المصرية الأخير تمديد العمل بقانون الطوارئ ثلاث سنوات أخرى، رسالة واضحة... جزء منها ابتزازي واضح، أما الجزء الآخر فيعبّر عن توجه حقيقي عند عدد من كتل الضغط الاميركية لتغيير أكثر من نظام عربي واحد. ومع ان «صقور» واشنطن كانوا مرتاحين حتماً لمنع رجال الأمن المصري سير تظاهرات مناوئة للحرب في شوارع القاهرة والاسكندرية، سُمح لمثيلاتها بالسير حتى في نيويورك ولندن وتل ابيب، فإن «الصقور» انفسهم سجّلوا ولا شك هذا التصرف لصالح الحكومة المصرية.. وسجلوه عليها ايضاً. ولن يكون مستبعداً ابداً ان تُستغل هذه الخطوة لتبرير تشديد الانتقادات والضغوط والابتزاز مستقبلاً... حين وحيث تدعو الحاجة.

فليس سراً ان جهات معينة في واشنطن لا تثق كثيراً بانتخابات الـ90 ـ 99%، وهذه نقطة ضد عدد من الدول العربية. وليس سراً ايضاً ان جزءاً من إعلاميي واشنطن سواء من المحسوبين على أجهزتها او على «اللوبي» الاسرائيلي يطبّلون ويزمّرون لشعار «ترويج الديمقراطية» في العالم انطلاقاً من «تجربة» احتلال العراق. لكن في واشنطن ايضاً ثمة من يذكّرون هؤلاء المتحمسين بأن رفع شعار الديمقراطية بصورة استنسابية سيف ذو حدين... فمن بإمكانه أن يضمن سلفاً فوز انصار واشنطن في اي انتخابات تجري اليوم في اي بلد عربي؟ وهل واشنطن حقاً تعني ما تقوله حول نشر الديمقراطية في العالم العربي؟ بل أي من الدول العربية المستهدفة بالتغيير الديمقراطي بعيدة اصلاً عن فلك واشنطن؟ ثم أليس تحمس نفر من المهللين «للفتح» الديمقراطي العلماني الاميركي في المنطقة ضد ما يدعونه بـ«خطر الأسلمة» ...بداية الطريق نحو استقطاب محفوف بالمجازفة؟
ولندع الإعلام ـ الذي تآمر منذ مدة على صدقيته ـ جانباً.

إن العديد من مراكز الابحاث الجادة في العواصم الغربية الكبرى، تحذّر اليوم من لعب ورقة «المجابهة الدينية» مع الإسلام. وكثرة من الشخصيات السياسية المخضرمة والمستقلة، منها في بريطانيا وحدها رئيس الحكومة المحافظة السابق جون ميجر، واللورد (جيفري) هاو واللورد (دوغلاس) هيرد وكينيث كلارك وكلهم وزراء محافظون سابقون، وكذلك اللورد (باتريك) رايت الوكيل السابق لوزارة الخارجية، حذرت علانية وتحذر حتى هذه اللحظة من حرب ستفسّر في العالمين العربي والاسلامي على انها حرب عدوانية ضد العرب وضد المسلمين.

وفي اميركا ذاتها، رغم حملة التضليل والتعتيم الاعلامية الشرسة، نرى بعض ألمع الشخصيات المدنية والعسكرية الاميركية، كالجنرال ويزلي كلارك (القائد السابق في «ناتو») والجنرال نورمان شوارتزكوف بطل «حرب تحرير الكويت» عام 1991، تنتقد حرباً سيكون خطرها على المدى البعيد ـ ولا سيما على الصعيدين الأمني والديني ـ أكبر بكثير من منافعها. ويزيد هذه المشاعر قلقاً التدابير التضييقية المستمرة داخل الولايات المتحدة ضد مسلميها والمقيمين فيها من العرب والمسلمين.

أحد منتقدي الحرب البريطانيين قال قبل أيام ان حرباً تشن على العراق، بينما تسرح ماكينة آرييل شارون العسكرية وتمرح في الاراضي الفلسطينية المحتلة هي أفضل خطوة يمكن ان تقدم عليها اميركا وبريطانيا لتجنيد الشباب المسلم في الجماعات المتشددة كتنظيم «القاعدة». ولم يبتعد رئيس وزراء ماليزيا الدكتور محضير محمد كثيراً في كلمته الافتتاحية لمؤتمر دول حركة عدم الانحياز عن هذا المغزى.

ومع مواصلة محور فرنسا ـ المانيا ـ روسيا ـ الصين «الدفاع عن نفسه» في وجه الهجمة الاميركية ضد مصالحه ابتداء من العراق، وإجراء تركيا حسابات دقيقة لما سيفيدها وما سينفعها من دعم الحملة الاميركية او النكوص عنها، نجد الغياب العربي شبه الكامل عن حسابات الربح والخسارة.. وهذا ربما لأن الجميع أسقط كل احتمالات الربح.
...وحياتكم الباقية.



AA


Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 1344