Par Thomas Friedman



مع اقتراب موعد اتخاذ القرار بشأن العراق، فقد توجب على الكاتب، كغيره من العديد من الأميركيين، أن يوجه لنفسه السؤال التالي: كيف تنظر الى هذه المسألة؟
يمكنني اليوم أن أوضح سبب اعتقادي بأن المعتدلين أساءوا تقدير أهمية الاطاحة بصدام حسين. وفي المقال التالي سأشرح سبب سوء تقدير المتشددين لمخاطر القيام بذلك ـ وكيف يمكن أن نحقق التوازن بين التيارين.

ما لم يدركه المعتدلون ان تغيير النظام في العراق ليس ابتعادا عن الحرب ضد تنظيم القاعدة، لأن هذا الطرح لا يبدو موفقا، كما ان تعرض النفط العراقي لمشكلة لا يجعل من تغيير النظام أمرا غير مشروع أيضا. فالقيام ببعض الأشياء يكون ضروريا أحيانا، حتى لو كان ذلك لمصلحة كبريات شركات النفط.

وبالرغم من تصوير الرئيس بوش للحرب في العراق على انها تتعلق بنزع الأسلحة ـ وهذا عمل مشروع ـ فان نزع الأسلحة ليس أبرز الأهداف هنا. فتغيير النظام هو الفائدة الكبرى. واحداث تحول في النظام العراقي قد يساهم بشكل أساسي في الحرب ضد الارهاب، سواء تمت الاطاحة بصدام أو اقناعه بالمنفى.


لماذا؟ لأن ما يهدد المجتمعات الغربية المفتوحة في يومنا هذا بالفعل ليس صدام وأسلحته في حد ذاتها. فهو مستبد متقلب يمكن ردعه بأساليب تقليدية، على اعتبار انه يعشق الحياة اكثر من كرهه لنا. ما يتهدد المجتمعات الغربية اليوم ليس أولئك الذين يمكن ردعهم، كصدام، بل أولئك الذين لا يمكن ردعهم ـ الفتيان الذين نفذوا ما حدث يوم 11 سبتمبر (أيلول)، ممن يكرهوننا أكثر من عشقهم للحياة. انهم الصواريخ البشرية ذات الدمار الشامل والتي يمكن أن تلحق أذى بمجتمعنا المفتوح.

وهكذا فالسؤال هو : ما هو المزيج الثابت الذي يتمخض عنه هؤلاء الذين لا يمكن ردعهم.. هؤلاء الغاضبون الذين يشعرون بالاهانة ومعظمهم عاطلون عن العمل، من الشباب المسلم؟ هذا المزيج الثابت هو تشكيلة من الأنظمة العربية المترنحة، والتي كما ورد في تقرير الأمم المتحدة الخاص بالتنمية البشرية في العالم العربي، لم تتمكن من المضي خلف العالم، الى درجة ان مجموع انتاجها المحلي لا يساوي انتاج اسبانيا وحدها. ويمكن التعرف على سبب هذا التخلف من خلال افتقادها لثلاثة أشياء: الحرية والتعليم الحديث وتعزيز دور المرأة.
واذا لم نتمكن من مساعدة هذه الدول العربية ـ التي تعاني ايضا من زيادة معدلات السكان فيها ـ في تحسين أساليب ادارتها للشؤون العامة، وفي بناء اقتصادات أكثر انفتاحا وانتاجية، وفي تعزيز دور المرأة فيها، وفي تمكين وسائل الاعلام من تحمل مسؤولياتها بحيث تتوقف عن تحميل الآخرين مسؤولية الأمراض التي تعاني منها، فاننا لن نتمكن من رؤية التحولات السياسية والتعليمية والدينية التي تحتاجها للتقليل من أعداد أولئك الذين لا يمكن ردعهم.

لقد بات لدينا شركاء. ولكم أن تصدقوني عندما أطرح بأنه في داخل كل شاب عربي اليوم هناك شعور بالقلق من فكرة الغزو الأميركي للعراق، نظرا لتبعاتها الاستعمارية. لكن هناك البعض في أوساط العديد من شباب العرب ممن يتمنون ألا تطيح الولايات المتحدة فقط بصدام بل بمعظم القادة العرب أيضا.

ليس من غير المقبول الاعتقاد بأنه اذا ما تمكنت الولايات المتحدة من الاطاحة بصدام وساعدت العراقيين على بناء نظام ديمقراطي، ليس بين عشية وضحاها، بل نظام متطور يمضي نحو الديمقراطية ويمكن مساءلته بشكل أفضل، فان ذلك سيكون له أثر في احداث تحولات تشمل العالم العربي بأسره ـ هذا العالم الذي يبدو انه في أمس الحاجة لنموذج متقدم قابل للتطبيق.

ويتوجب على المعتدلين أن يتأملوا الأمر جيدا. فالولايات المتحدة وبمجرد حشدها للجهود من أجل الحرب ضد العراق، وجهت رسالة قوية لتلك المنطقة، مفادها: لن نترككم وشأنكم بعد اليوم لكي تلعبوا بأعواد الكبريت، لأن آخر مرة فعلتم ذلك، أدت الى احتراقنا.
اسمحوا لي أن ألخص طرحي بقولين مما أفضل استخدامه متى اقتضت الحاجة: الأول لرئيس جامعة هارفرد لورانس سومرز، الذي يقول: «في تاريخ العالم لم يقم أحد على الاطلاق بغسيل عربة استأجرها». وهذا القول ينطبق على الدول أيضا. وما لم يتسن للشعوب العربية أن تتملك بالفعل حصة في بلدانها ـ أن يكون صوتها مسموعاً في كيفية ادارة شؤونها ـ فانها لن تتولى العناية بها على الاطلاق، ولن تتولى تطويرها كما يجب.

أما القول الثاني فهو مثل أميركي هندي مفاده: «اذا لم نغير اتجاهنا الآن، فاننا قد نمضي في طريقنا فقط». فالعالم العربي ظل يلقي بنفسه في حفرة عميقة لوقت طويل. ولو أمكن لجيلنا ببساطة المساهمة في وقف الحفر، فقد يتسنى ربما لأحفادنا وما يليهم أن يجنوا الثمار. اما اذا لم نساعد العرب في تغيير اتجاهاتهم الآن، فقد ينتهي بهم المطاف وهم في مكانهم ـ طريق مغلق سيجعلهم ينتجون المزيد والمزيد ممن لا يمكن ردعهم.

هذه مسألة لا بد أن يتأملها المعتدلون ـ لأن تحرير الشعوب الأسيرة في منطقة الشرق الأوسط يعد قيمة في حد ذاته، ولأنه في عالم اليوم الكوني، اذا لم تزاور جارك السئ فانه سيأتي لزيارتك.



Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 1309