السيدة منوبية



قال أحمد: (أسعار العقارات هنا ارتفعت في شكل جنوني. وحلّقت بدلات الإيجار. اختلط الحابل بالنابل. وبدأت رياح البركة تغادر هذه المدينة). فمدينة منوبية أصبحت قبل بضعة أشهر المحافظة الـ24 في الجمهورية التونسية. وكانت تعرف مدينة عيال الله والمستضعفين في الأرض. هنا مستشفى الرئيس أبو بكر الرازي, المستشفى الوحيد في تونس للأمراض العقلية, تقدّم بضع خطوات لتقرأ (لوحة) ضوئية ترشدك الى مأوى العجزة والمسنين. والى اليسار المركز الوطني لحماية الطفولة, بحسب ما جاء في التسمية الرسمية أو الحضن الدانئ للأطفال غير الشرعيين. في أقصى الزاوية يساراً مركز رعاية الأحداث وسجن الفتيان الذين لم يتجاوزوا عامهم الثامن عشر. والى أقصى اليمين سجن النساء أسواره العالية.

وعلى مشارف المدينة وقبل ان تلفت انتباهك مزارع الاجاص والتفاح تتلقفك أفواج الطلاب في كلية الآداب. وفي زاوية أخرى كلية العلوم الانسانية ومعهد الصحافة وعلوم الاخبار ومعهد التوثيق ومركز الذاكرة الوطنية المحدث أخيراً...

وبين الجامع الكبير والجامعة على مفترق الطرق في كل ما تقدم, يلوح فضاء واسع على استحياء ولا يسعى للاعلان عن نفسه: القبة الخضراء, الجدران البيض, والشبابيك في صنعة أندلسية عريقة... أضواء الشموع, وهمسات الزائرات ورهبة المكان وحرمة القبور... انها زاوية السيدة المنوبية, رمز التقوى والصلاح لنساء تونس, واحدى مريدات أبي الحسن الشاذلي قطب التصوف في المغرب العربي, حيث يستظلها ويحتمي برحابها المهمشون في الأرض قبل زحف التمدن وضبط الحكومة.

مع إطلالة الشهر الكريم, يستعيد الجامع الأعظم جامع الزيتونة المعمور مركز الصدارة في حياة التوانسة. تشرق الأنوار, ويفرش السجاد ويرتفع صوت مقرئ القرآن في آذان الليل والنهار... وفي ظل سلطان المدينة, جامع سيدي حرز بن خلف بقبابه السبع المختلفة أحجامها, يحلو للتوانسة السمر الى ساعات الفجر الأولى ومع دقات المسحراتي وآذان الصبح وإعلان الامساك.


هنا ذاكرة الأيام الجميلة حيث كانت الساحة وكوكتيل المقاهي, مقهى (العباسية) للمطربين والفنانين والممثلين ومقهى (خالي) للشعراء والصحافيين ومقهى (البلار) يجمع التجار والمزارعين ومقهى (الزاهرة) للشباب واليافعين... في مقهى الجزائر كانت المطربة شافية رشدي تنشف اسماع المستمعين وفي الجهة المقابلة صالة (الفتح) ومنافستها على عرش الأغنية فتحية خيري وفرقة شباب الفن ثم فرقة المنار, المدرسة الأولى لتخريج الفنانين والفنانات في تونس...

هنا وفي ليالي رمضان اكتشف التوانسة الرقصات التقليدية للثنائي زينة وعزيزة ودبكات عادي اللغبابي وروحوا على أنفسهم بألعاب (خفة اليدين) والسحرة المبتدئين - وما بين اللوحة والفرجة تعرف مرطبات (الخارق) والذلابية طريقها الى أفواه الساهرين في انتظار يوم جديد من الشهر المبارك... عندما تعود الى أوراق التاريخ, يرشدك الى ان السيدة المنوبية ذاع صيتها في القرن الثامن عشر للميلاد كمريدة لقطب التصوف ابي الحسن الشاذلي. وطوال القرن الـ19 والنصف الأول من القرن الماضي كانت زاوية السيدة في محلة منوبة أو في مرتفعات العاصمة الجنوبية قبلة نساء العائلات (البلدية) الغنية وفضاءهن لتنقية الروح من ادران المادة. ولم يكن يغيب عن بايات تونس وقصرهم الشتوي في محلة منوبة, تفقد زاوية السيدة في ليلة القدر أو ما بعد صلاة العيد... ومع بداية الاستقلال وعصر الحداثة أمر رئيس الجمهورية الاول الحبيب بورقيبة بازالة الأقفال وتحويل الزوايا مرافق اجتماعية تنموية.

(الزواية الكحلة) في مرتفعات محلة مونغلوري حولت الى مقر وناد للحزب الدستوري وألحق به مستشفى محلي صغير, اما زاوية منوبة فقد أصبحت مركزاً لتعليم الخياطة ثم مدرسة لتعليم الرقص...

فهم الاغنياء و(البلدية) رسالة دولة الاستقلال والحداثة, فانسحبوا بعوائدهم وصلواتهم الى محلاتهم الفاخرة في أحياء المنازه والنصر والمنار - وأسس الفقراء والمهمشون والمستضعفون عاصمتهم في رحاب السيدة المنوبية.

هنا تمر الأيام والشهور بروتينية قاتلة ووحدة موحشة لا يقطعها سوى اخضرار المشهد وصبر الأمل المنشد لزواية الولية الصالحة. هنا مستشفى الامراض النفسية بعنابره الثمانية وعياداته اليومية التي لا تقل عن 500 عيادة حيث تعبت الروح التونسية المعلقة ما بين السماء والارض والمحلية والعولمة الشرسة واحتل مرض العصر الاكتئاب الصدارة ودفعت النساء الثمن غالياً في تمزقهن اليومي ما بين الوظائف التقليدية ومستلزمات الحداثة. هنا طالبات, حالمات, سابحات في عالم الأنوار والمعرفة, مكتشفات للأسرار الأولى لعالم الرجال ومحبطات بين ضغط اليومي وعالم الغد المجهول مع ارتفاع معدلات بطالة الخريجين والخريجات.

هنا أمهات صابرات محتسبات يحملن قفافاً بلاستيكية فيها ما تشتهي أنفسهن لأبنائهن وراء القضبان في مركز الاحداث, وأخريات معذبات ما بين قيم المجتمع وفلذات اكبادهن الذين جاؤوا الى الحياة الدنيا في لحظة ضعف. هنا مركز رعاية الطفولة المنسببة حيث قدرت جمعية أمل للعائلة والطفل ان 88 طفلاً غير شرعياً يولدون يومياً في تونس. هناك وحشة القبور للأحياء وعالم السجن المغلق, لا يمكنك الاقتراب اكثر في غياب أرقام رسمية عن عدد السجينات ولكن قصاصات الصحف وروايات الناس تؤشر الى ارتفاع ملحوظ في الاجرام والجريمة لدى النساء.

هنا تونس الأخرى, تونس الناس والنساء الى تحت حيث يحمل معه شهر رمضان أبواب الخير وفضائل المكرمات. دار العجز والمسنات تحفل بالزائرين وموائد الافطار يشارك فيها نجوم المجتمع والفن. أسيرة مستشفى الرازي تخفف الى درجاتها الدنيا ويبتعث المرض الى عائلاتهم. السجانات يصبحن اكثر ليونة في تيقظ. تتسع مساحة الفسحة اليومية وتشهد أكلة السجن تحسناً استثنائياً فيحضر السمك واللحم والدواجن والحليب و(المسفوف) أو الكسكسي الأبيض للسحور...

يأمر قاضي الاحداث باطلاق سراح بعض الشبيبة الذين عبّروا بسلوكهم عن رغبة في التوبة ويضفي العفو الرئاسي في بداية رمضان والعيد أجواء الفرحة لمئات العائلات تنتظر عودة ابنها الضال...

هنا منوبة محلة المستضعفين... ومن أعلى قبة الزاوية الخضراء للسيدة يؤذن المؤذن لصلاة المغرب ويطلق مدفع الافطار... (ولا شيء يدوم شعبان البارحة ورمضان اليوم)...

Chronique de Maher A Jelil

AH



Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 1237