بقلم الأستاذ بولبابة سالم
لعلّ المتابع للإطار المكاني الذي دارت فيه المواجهات بين قوّات الأمن و عناصر تيار أنصار الشريعة خلال نهاية الأسبوع الفارط قد لاحظ تنامي العمق الشعبي للتيار السلفي , فالأحياء الشعبية و الفقيرة و المهمّشة صارت حاضنة لهذا التيار . يُعدّ حي التضامن بضاحية العاصمة أحد أكبر الأحياء الشعبية في تونس { 500 ألف ساكن } إضافة إلى حي الإنطلاقة و دوار هيشر و حي الرياض بسوسة أيضا دون التغافل عن تونس العميقة في الشمال الغربي و الجنوب . لطالما تبنّى اليسار التونسي هموم الفقراء و المهمّشين و العاطلين عن العمل و كانت أغلب أطروحاته ردّا على القهر و التمييز الذي تمارسه الدولة باعتبارها أداة في أيدي القوى الرأسمالية المتنفّذة . لذلك كانت المطالبة بإعادة توزيع الثروة و القضاء على الإستغلال الذي تمارسه هذه الطبقة مطلبا غير قابل للمساومة . لكن لماذا نجح السلفيون في التغلغل في الأحياء الشعبية في الوقت الذي فشل فيه الرفاق اليساريون في ذلك باعتبارها أرضيتهم الخصبة و الطبيعية ؟

إنّ الدور السياسي و خلفياته لا تغيب عن تنامي المدّ السلفي لكن الحقيقة أنّ السلفيين يملكون القدرة و الصبر على ممارسة ذلك الدور الإجتماعي باعتبارهم أصلا من تلك المناطق المحرومة فضلا عن عمليات الإغاثة التي يقومون بها عند حصول الكوارث الطبيعية { الفيضانات مثلا } و أيضا توزيع المساعدات العينيّة { قفّة يوم في فترة غلاء الأسعار } و لو كانت رمزية لكن لها تأثيرها على المحتاجين , زد على ذلك حملات النظافة عند إضراب أعوان البلديات و حراسة تلك الأحياء في حالات الإنفلات الأمني و قد شهدنا كذلك حملات للتبرّع بالدم للمستشفيات ...هذه الأعمال الإجتماعية جعلتهم يمتدّون إلى المناطق التي شكّلت حزام الثورة , فالتونسي البسيط لا يتفاعل إلا مع من يقدم له خدمة اجتماعية و لا يلتفت للشعرات الجوفاء و الرنانة التي لا تطفي ظمأه و جوعه .طبعا لا يمكن نسيان العامل الديني , فهذه الخدمات لمّا تلبس ثوبا دينيا يصبح لها مفعول سحري .

أمّا الرفاق الذين أتاحت لهم الثورة الحرية ككل التونسيين للفعل الميداني من أجل تحويل نظرياتهم من الوجود بالقوّة إلى الوجود بالفعل, و رغم تاريخهم النضالي ضدّ الدكتاتورية{ خاصة اليسار المناضل لا اليسار الفرنكفوني و الإنتهازي الذي تحالف مع بن علي } فقد بقوا عند التحليلات النظرية في الصالونات التحليل الملموس للواقع الملموس كما يقول ماركس .

إنّ التونسي لا يريد الثرثرة بل يؤمن بمن يساعده عند الحاجة ليخفف عنه متاعب الحياة اليومية , إضافة إلى ذلك فهناك نوع من الإستعلاء تمارسه النخبة في مخاطبة الشعب حيث بقيت القوى اليسارية تناقش قضايا مكانها هو مدرجات الجامعات لا المنابر الإعلامية و اللقاءات الشعبية , إنّها قضايا الأنتلجنسيا العربية التي لن تنتهي كالحداثة و المساواة و الحرية و العلاقة بين الدين و الدولة , و أهملت مشاغل المواطن الحقيقية و معاناته اليومية . و بدل القراءة المدروسة لنتائج الإنتخابات لإعادة قراءة الواقع التونسي وفق قراءة موضوعية و نسيان هاجس السلطة الذي يسيطر على جميع الأحزاب للتوجّه نحو الفئات الشعبية لمشاركتها همومها , قطعت تلك الأحزاب صلتها بالشعب بل هناك من اتّهمته بالجهل بعد انتهاء الحملة الإنتخابية ليكتشف التونسيون انتهازية القوى السياسية التي لا تراهم إلا عند الموعد الإنتخابي . لقد اكتشف التونسيون من يتاجر بهمومهم و هم يعيشون حياة الملوك حيث يجلسون في أرقى الأماكن و يركبون أفخم السيارات التي تنتجها الرأسمالية المتوحّشة , و لعلّ الخطأ التاريخي الذي ارتكبه اليسار يتمثّل في علاقته بالدين , حيث مازال بعض الرفاق يعتبروه أفيون الشعوب . وهذه القراءة تحتاج إلى مراجعة لكن يسارنا يصرّ على الإنسياق وراء أطروحات اليسار الفرنسي و لم يفعل مثلما فعل اليساريون في أمريكا اللاتينية الذين لم يصطدموا بعقائد شعوبهم و التحموا بقضاياهم الرئيسية حتى استطاعوا كسب الطبقات الشعبية ففازوا في الإنتخابات و حققوا التنمية و قاوموا الفقر { استطاعت البرازيل مع اليساري لورا داسيلفا في ظرف 8 سنوات أن تكون القوّة الثامنة اقتصاديا في العالم , إضافة إلى ما حققه شافيز في فنزويلا و موراليس في البيرو ....}.

الفعل السياسي اليومي يتطلّب نفسا طويلا , و الطبقة السياسية التونسية لا تعرف شعبها إلا عند الإنتخابات , و لو تحوّل السلفيون إلى حزب سياسي { إذا قاموا بمراجعات لفكرهم المليء بالسطحية في فهم الدين } فسيكونوا المنافس الأوّل لحركة النهضة في الإنتخابات القادمة و سيتكرر المشهد المصري { الإخوان و حزب النور } . و على التيارات الديمقراطية و العلمانية أن تدرك أن السياسة تُدار في الأحياء الشعبية لا في النزل و الصالونات الفخمة .
كاتب و محلل سياسي
لعلّ المتابع للإطار المكاني الذي دارت فيه المواجهات بين قوّات الأمن و عناصر تيار أنصار الشريعة خلال نهاية الأسبوع الفارط قد لاحظ تنامي العمق الشعبي للتيار السلفي , فالأحياء الشعبية و الفقيرة و المهمّشة صارت حاضنة لهذا التيار . يُعدّ حي التضامن بضاحية العاصمة أحد أكبر الأحياء الشعبية في تونس { 500 ألف ساكن } إضافة إلى حي الإنطلاقة و دوار هيشر و حي الرياض بسوسة أيضا دون التغافل عن تونس العميقة في الشمال الغربي و الجنوب . لطالما تبنّى اليسار التونسي هموم الفقراء و المهمّشين و العاطلين عن العمل و كانت أغلب أطروحاته ردّا على القهر و التمييز الذي تمارسه الدولة باعتبارها أداة في أيدي القوى الرأسمالية المتنفّذة . لذلك كانت المطالبة بإعادة توزيع الثروة و القضاء على الإستغلال الذي تمارسه هذه الطبقة مطلبا غير قابل للمساومة . لكن لماذا نجح السلفيون في التغلغل في الأحياء الشعبية في الوقت الذي فشل فيه الرفاق اليساريون في ذلك باعتبارها أرضيتهم الخصبة و الطبيعية ؟

إنّ الدور السياسي و خلفياته لا تغيب عن تنامي المدّ السلفي لكن الحقيقة أنّ السلفيين يملكون القدرة و الصبر على ممارسة ذلك الدور الإجتماعي باعتبارهم أصلا من تلك المناطق المحرومة فضلا عن عمليات الإغاثة التي يقومون بها عند حصول الكوارث الطبيعية { الفيضانات مثلا } و أيضا توزيع المساعدات العينيّة { قفّة يوم في فترة غلاء الأسعار } و لو كانت رمزية لكن لها تأثيرها على المحتاجين , زد على ذلك حملات النظافة عند إضراب أعوان البلديات و حراسة تلك الأحياء في حالات الإنفلات الأمني و قد شهدنا كذلك حملات للتبرّع بالدم للمستشفيات ...هذه الأعمال الإجتماعية جعلتهم يمتدّون إلى المناطق التي شكّلت حزام الثورة , فالتونسي البسيط لا يتفاعل إلا مع من يقدم له خدمة اجتماعية و لا يلتفت للشعرات الجوفاء و الرنانة التي لا تطفي ظمأه و جوعه .طبعا لا يمكن نسيان العامل الديني , فهذه الخدمات لمّا تلبس ثوبا دينيا يصبح لها مفعول سحري .

أمّا الرفاق الذين أتاحت لهم الثورة الحرية ككل التونسيين للفعل الميداني من أجل تحويل نظرياتهم من الوجود بالقوّة إلى الوجود بالفعل, و رغم تاريخهم النضالي ضدّ الدكتاتورية{ خاصة اليسار المناضل لا اليسار الفرنكفوني و الإنتهازي الذي تحالف مع بن علي } فقد بقوا عند التحليلات النظرية في الصالونات التحليل الملموس للواقع الملموس كما يقول ماركس .

إنّ التونسي لا يريد الثرثرة بل يؤمن بمن يساعده عند الحاجة ليخفف عنه متاعب الحياة اليومية , إضافة إلى ذلك فهناك نوع من الإستعلاء تمارسه النخبة في مخاطبة الشعب حيث بقيت القوى اليسارية تناقش قضايا مكانها هو مدرجات الجامعات لا المنابر الإعلامية و اللقاءات الشعبية , إنّها قضايا الأنتلجنسيا العربية التي لن تنتهي كالحداثة و المساواة و الحرية و العلاقة بين الدين و الدولة , و أهملت مشاغل المواطن الحقيقية و معاناته اليومية . و بدل القراءة المدروسة لنتائج الإنتخابات لإعادة قراءة الواقع التونسي وفق قراءة موضوعية و نسيان هاجس السلطة الذي يسيطر على جميع الأحزاب للتوجّه نحو الفئات الشعبية لمشاركتها همومها , قطعت تلك الأحزاب صلتها بالشعب بل هناك من اتّهمته بالجهل بعد انتهاء الحملة الإنتخابية ليكتشف التونسيون انتهازية القوى السياسية التي لا تراهم إلا عند الموعد الإنتخابي . لقد اكتشف التونسيون من يتاجر بهمومهم و هم يعيشون حياة الملوك حيث يجلسون في أرقى الأماكن و يركبون أفخم السيارات التي تنتجها الرأسمالية المتوحّشة , و لعلّ الخطأ التاريخي الذي ارتكبه اليسار يتمثّل في علاقته بالدين , حيث مازال بعض الرفاق يعتبروه أفيون الشعوب . وهذه القراءة تحتاج إلى مراجعة لكن يسارنا يصرّ على الإنسياق وراء أطروحات اليسار الفرنسي و لم يفعل مثلما فعل اليساريون في أمريكا اللاتينية الذين لم يصطدموا بعقائد شعوبهم و التحموا بقضاياهم الرئيسية حتى استطاعوا كسب الطبقات الشعبية ففازوا في الإنتخابات و حققوا التنمية و قاوموا الفقر { استطاعت البرازيل مع اليساري لورا داسيلفا في ظرف 8 سنوات أن تكون القوّة الثامنة اقتصاديا في العالم , إضافة إلى ما حققه شافيز في فنزويلا و موراليس في البيرو ....}.

الفعل السياسي اليومي يتطلّب نفسا طويلا , و الطبقة السياسية التونسية لا تعرف شعبها إلا عند الإنتخابات , و لو تحوّل السلفيون إلى حزب سياسي { إذا قاموا بمراجعات لفكرهم المليء بالسطحية في فهم الدين } فسيكونوا المنافس الأوّل لحركة النهضة في الإنتخابات القادمة و سيتكرر المشهد المصري { الإخوان و حزب النور } . و على التيارات الديمقراطية و العلمانية أن تدرك أن السياسة تُدار في الأحياء الشعبية لا في النزل و الصالونات الفخمة .
كاتب و محلل سياسي




Om Kalthoum - الأهات
Commentaires
25 de 25 commentaires pour l'article 65794