دعوةٌ أم دعاية؟...و مُحَالٌ أن يَدُومَ حَالْ



بقلم : محفوظ البلدي


إذا كانت الدّعوة حزمةُ مبادئ وأخلاق وقيم تتجلَّى وَتَتَمَظْهَرُ فِعْلِيًّا في سلوك الناّس في أدقِّ التفاصيل بتأثيراتها على النفس والمجتمع بالتّفاعل ايجابيا مع الثقافات والحضارات وبقية القيم دون تكبر وتجاهل، فان الدعاية - وان كانت تحتوي في كيَانِهَا على قيمة أو مبدأ- تضلُّ مجرّد شعارات غير خاضعة للمحاسبة الدقيقة والمُسَائَلَة، فهي مبنيّة على الضِدِيّةِ والتنافسية المبغضة مُكْتَفِية بالصَّخَبِ ورفع الصوت بالشِّعارات دون مُلاَمَسَةٍ للواقع وغير قابلةٍ للنّقاش.


فهل إخواننا في تونس اليوم هم أصحاب دعوة أم دعاية ؟؟

شَريعتنا بيضاء ناصعة، لَيْلُهَا كَنَهَارِها، تَنْبَني على الحوار والاجتهاد في ابْتِكَارِ الأساليب الطَّاهِرَةِ في التّعامل مع قضايا المجتمع ومَقَاصِدِ الشَّارِعِ بكل اعتزاز وفخر، دون حياء ولا خجل من ممارسة العبادات ممّا هو بالضَّرورة من الدّين و دون الالتجاء للشدّة والتّصادم، وتوصيف الحركات ذات التوجه الإسلامي بالإسلامية يعني بالضرورية تَصْنِيفَهَا مُقَاِبلَ اللّا إسلامية أو ما يعبر عنها بالليبرالية أو الحداثية أو العلمانية، ومن هنا قد بدأنا مسلسل الدّعاية قبل الدّعوة.
استُخْدِمَ هذا المعنى في معركة الانتخابات السابقة التي أفرزت فوز الإسلاميين أو تقريبا، وظلَّ الشارع بلا شريعة والإمارة بلا أمير... والباب بلا قفل!!

علينا أن نحلِّلَ السياسة ونفهمها ثم نفسِّرها للناس ونطبِّقَهَا وفق المنهج الديني باعتبارها سلوك من الدين –أي السياسة- لا أن نفسر الدين سياسيا وفق ما تحمله مصالحنا سواء التقت أم تعارضت مع المبادئ العامة لهذا الدّين.
فالشريعة شاملة للسياسة ولا تحتاج إلى الدّعاية فضلا عن أن لا تكون هذه الدعاية كاذبة، أي مجرد شعارات جوفاء يناقض مَنْضَرَهَا جَوْهَرَهَا.

فعِوَضًا عن أن نُقِيمَ علاقة جدلية بين الدّين والسياسة فَلْنُصْحِحِ العلاقة أولا على أساس تَدْيٍين السياسة عوضا عن تَسْييسٍ الدّين، وعوضا عن اللهث وراء الناس بإقناعهم بان الدين لا ينفصل عن السياسة وان الدّين هو السياسة وهذا ينطبق على الصراع العبثي مع أصحاب الفكر المخالف للدين والتي تتعمّد نَفْيَ علاقة الدين بالدولة وهذا مبحث أخر، علينا أن نقنع أنفسنا بان ديننا له سياسة شرعية مُنْضَبِطَةٌ تقوم على أساس المُوَازَنَةِ بين المصلحة والمفسدة ومُرَاعَاةِ الأولويات في التّعامُلِ مع قضايا المجتمع المُعَقَدَةِ والمتطوّرة.

الدّين منهج حياة والسياسة - أو السلطة بالمعنى السياسي- أداة حكم، وعلينا عدم الخلط ومقاربة الدين بالسياسة لنجعلهم في مستوى يسمح للنّاس بوضعهم في مستوى التنافُسِ والتَفَاضُلِ والاستغلال، فَيُسْتَغَلُّ الدّين للدِّعَاَيةِ، لاسِيَمَا السياسية منها قصد الوصول للسلطة – بمعنى الحكم- وبعد ذلك تُمَارَسُ هذه السلطة وفقا لأفكار مستوردة لا علاقة لها بالإسلام، فأين نحن من أُسْوَتِنَا الخلفاء الذين مارسوا السلطة بمنطقٍ آخر يَمْتَزِجُ فيه اللين والشدّة، لين بلا وهن وشدّة لا جبرية فيها كما قال الفاروق عمر رضي الله عنه إن هذا الأمر –أي الحكم أو السلطة بالمفهوم الحديث -لا يصلح إلا بالشدة التي لا جبرية فيها وباللين الذي لا وهن فيه
فهؤلاء أُولي أمْرٍ، لم يأخذٌ الأمْرَ كما أخَذْنَاهُ، ورغم الفتن التي عاشوها لم يَتْرُكُ الدِّينَ على هوى للنّاس وتعاملوا مع السُّنَنِ الكونية بِتَجَرُّدٍ وَزُهْدٍ ومسؤولية ولم تُغْرِهِمُ المواقع والتّأمُّرُ، فَهُمْ أعلمَ الناس بتعَاقُبِهَا وتَقَلُّبِ الأحوال فيها وزوال المال والسلطان. هؤلاء على يقين من أن الأيام دول، فكم تعاقبت الأجيال وَشُيِّدَةِ الأسوار و القصور وجمعت الكنوز والمعادن وتطاول المتكبرون وبسطوا القهر على الخلق في ربوع كثيرة وعاشت الناس مظالم بالجملة، وَكَمْ أُمَمٌ اسْتُضْعِفَتْ وَسُلِبَتْ أرزاقها ثم أورثها الله الأرض و مجامع الفاسدين وأجلسهم مجالس المتكبرين.

فأين عاد وثمود وأين فرعون وقارون ونمرود....بل أين صاحب السَّبْعَة 7 ؟؟ صار من تونس ...مفقود!!!

فالكفر بنعم الله يزيل النعم ويمحق أقوام ويأتي بغيرها، والظلم مفسدة للحياة، يشيع الخراب ويورث العذاب ومن كان في غنا عن موعظتي فَلْيَنْعَمْ بِظُلْمِهِ يَوْمٌ ...سَيَكْتَوِي مِنْ نَارِهِ أيَّام.




Commentaires


1 de 1 commentaires pour l'article 64270

Justmuslim  (Tunisia)  |Samedi 27 Avril 2013 à 10h 23m |           
مقال رائع ورسالة واضحة إلى تجار الدين أن ارجعوا لدينكم