سلام أيها الشهداء... اعذرونا



بقلم : محمد يوســف
ناشط ومحلل سياسسي

اعتراف : اعذرونا ايها الشهداء الابرار ,

حلّت عندنا ثورة بعد هم وغمّ. زال عنّا ما باللسان من حرج فلعنّا الخوف ... ولم نفوت الفرصة في تعطيل الانتاج فخسرنا من عائدات الفسفاط , مثلا , اكثر من 5000 مليار . والآن ننتظر رحمة صناديق النقد الدولي ونستعدّ لاسقاط الحكومة باستحضار صنم بورقيبة.

قاربت الخمسين من العمر وذاكرتي خالية من خبر الشهداء , وأحسب ان حديث الشهادة والشهداء أرادوا له ان يمضي بعيدا عن دائرة الاهتمام, وبعيدا عن مضامين التربية والثقافة والاعلام... رغم اقرار عيد الشهداء ورغم تواتر رفع شعارات من قبيل اوفياء, اوفياء لدماء الشهداء ضمن الاجتماعات الحامية لحزب الدستور وللتجمع الديمقراطي ولسائر تجمعات ما بعد الرابع عشر من جانفي تاريخ انطلاق المسار الثوري المتعثر. يرفع هذا الشعار في مناسبات عديدة للمزايدة السياسية الحزبية في اطار الصراع مع بني الوطن.
لا نحتاج الى حجة وبيان للدلالة على ان المجاهد الاكبر سعى الى طرد مصطلح الشهادة والشهداء من قاموس المصطح السياسي التونسي ومن القيم التربوية ومن مخيال الثقافة الشعبية والدينية , بل ان هذا النهج نجح في حصر مسألة الشهداء في يوم معلوم مرتبط بحدث محدد يختزل في واقعة 1938 وهي , بلا ريب , عنوان للشرف والبطولة...

ستقول لي : هذا اجحاف ومجانبة للصواب وللواقع فمقابر الشهداء وروضاتهم منتشرة في كل مدن البلاد والمقررات المدرسية التي طالما تحدثت عن بطولاتهم وشهامتهم وتضحياتهم. والاغاني الوطنية تمجد مآثرهم...
علينا ان نقر اولا ان قيمة الشهادة متجذرة راسخة عند العرب والمسلمين وعند سائر الشعوب التي تقاوم الظلم والطغيان , فلا احد يستطيع ان يمحو هذه القيمة النبيلة المقترنة برفض الانسان للظلم والقهر... ولكن الفعل المتعمد يسعى الى التقليل من منسوبها ومكانتها ضمن الثقافة اليومية... حتى ان مصطلحات بديلة تم تسريبها على شاكلة المقاومين او قدماء المحاربين . فلعلك تتحصل على صفة ابن مقاوم وليس مجاهد او شهيد . ويرخص لرابطات المقاومين وجمعياتهم بدلا عن رابطات المجاهدين أو الشهداء...
لقد نحتوا في أذهاننا ان الاستقلال لم يأت نتيجة جحافل الشهداء ولا عبر ارتواء الارض بالدماء الزكية, لقد تحقق الاستقلال نتيجة عبقرية بورقيبة وقدرته على التعبئة والتضحية والمناورة والتفاوض واعتماد سياسة المراحل . لقد سارت سياسة الدولة العصرية بعد الاستقلال في توافق وتعاون وتكامل وتعويل على الدولة المستعمرة ثقافة وتربية ومالا ومزاجا وفنا ونمط عيش ... وهذا السياق لا ينسجم مع استحضار عمق رمزية الشهادة والوفاء للشهداء وكأن ما حصل لنا مع المستعمر مجرد سوء تفاهم وقع حله بالاتفاق... بل ان المستعمر يمد لنا يد المساعدة وهو رمز القوة والتقدم والرقي ورمز الفخر ... انه ببساطة قدوتنا . بل ان وكلاء الحركة الوطنية احتفلوا بالذكرى الاخيرة للاستقلال بفرنسا التي اقامت نصبا بساحة عامة للمجاهد الاكبر الذي ليس بعده ولا قبله شهيد ثم أدانوا الحكومة التي لم تولي احتفالات ذكرى الاستقلال ما تستحقه من بهرج... وتلتجأ الثورة المجيدة اليوم للبورقيبية من اجل انقاذ الوطن خاصة ان بورقيبة كان رائعا في كل شيء في فرنكونيته ودكتاتوريته وانانيته وتسلطه وانتاجه لبن علي ...كيف لا وهو من نشر التعليم والمشافي وحرّر المرأة واقام السدود والطرقات والجامعات , فهل رأيتم بلادا في هذه الدنيا بها تعليم ومستشفيات وتعمل نساؤها في شتى المهن ؟... ألا يكون بورقيبة جديرا بصفة الشهيد الوحيد . خاصة وان فئة معروفة عمدت الى استحضار بورقيبة في ذكرى الاستقلال وذكرى وفاته وذكرى الشهداء وعند بزوغ شمس كل يوم جديد من اجل طرد شياطين الثورة وغلق باب المكاشفة وتجاوز لحظة الصراحة . والعجيب ان في هؤلاء جنود لبن علي , وفيهم من اضطهدهم بورقيبة ونكل بهم , وجميعهم لم يتذكروا بورقيبة طيلة ثلاث وعشرين سنة وهو يتجرع الذل والمهانة في حضرة اتباعه ومريديه الذين حولوا وجهتم الى صانع التغيير...
لقد غيب بورقيبة عن ذاكرتنا العدد الاكبر من الشهداء
واليوم , بما ان الحكومة قد عزّروها لانها لم تحتفل كما ينبغي بذكرى الاستقلال ,كان لزاما عليها ان تعترف بخطيئتها وتكفّر عن ذنبها في عيد الشهداء :
اليوم تطالعك سرابيح الأعلام والأشرطة البلاستيكية في الشوارع والممرات وخاصة على واجهات وساحات مباني الادارات العمومية . كيف لا وقد عمت المناشير والتعليمات المكاتب والإدارات . ولما كان الجماعة المأمورين قد تعودوا على اقامة فنون الزينة ووكتابة اللافتات المعلومة , لم يقصروا حتى انك ترى الشارع في زينته المصطنعة لا ينقصه الا بنعلي .
بابتذال رمزية العلم باشرطة معلقة بعشوائية في كل مكان , وحجب اشارات المرور بلافتات كرهنا ان نعود اليها...الا يكون ذلك نذيرا لاستباحة ما هو اشد قسوة ...
ان الشهداء الابرار لا نعرفهم ولم يعلمونا بطولاتهم ولم يقصوا علينا امجادهم لنرويها لاطفالنا ... لم نقرأ وصيتهم و لم نتعلّم من دروسهم ... فأولى واحرى ان نعرفهم على كثرتهم.ولعل ايام السنة كلها لا تكفي لهذا العيد.





Commentaires


5 de 5 commentaires pour l'article 63221

Elahrardjerba  (France)  |Mercredi 10 Avril 2013 à 10h 58m |           
اعذرونا عن عدم وحدتنا،اعذرونا عن كذبنا،اعذرونا عن تكالبنا علي السلطة،اعذر ونا عن كسلنا في العمل ،اعذرونا عن تحويل بيوت الله الي بيوت لدعاية السياسية ونشر الفتنه بين المجتمع،اعذرونا عن بيع بلادنا من اجل بعض الدولات ،اعذرونا ...حتي في ذكراكم كانت الفرقة شعارنا ،اعذرونا ان هدمنا مابنيتم ،،،،،؟؟؟؟

Biladi  (Tunisia)  |Mardi 09 Avril 2013 à 19h 35m |           
براس والديك سيبو بورقيبة مات وشبع موت ، يا أولادي خلينا في الحاضر الزاهر والمستقبل الباهر إلي باش نعيشوه ، خلينا في الحاضر المتالق وسيبنا من الماضي المتعثر يا أخي الحلبة ملكك وملك نضرياتكم التي ستبدل وجه البلاد

Langdevip  (France)  |Mardi 09 Avril 2013 à 18h 17m |           
Excellent

Wildelbled  (United States)  |Mardi 09 Avril 2013 à 16h 28m |           
رحمة من الواحد الأحد على شهدائا الأبرار، وشكرا للكاتب على مقالته المعبره

MOUSALIM  (Tunisia)  |Mardi 09 Avril 2013 à 14h 55m |           
تحية للكاتب ومقاله الممتاز بعقلانيته الساخرة ....