بقلم: محمد يوسف
ناشط ومحلل سياسي
1 ما بالعهد من قدم
شاهدت مؤخرا تقريرا اخباريا أبطاله عصابة مسلحة اقتحمت كازينو بفرنسا واستعملت اسلحة كلاشنكوف وطلقا ناريا مكنها في ظرف ثلاث دقائق من نهب اموال طائلة وخرجوا سالمين غانمين...
وما اثار انتباهي ان الخبر كان « كلبا عضّ رجلا» بحسب تصنيف جماعة علوم الإخبار. لم يكن الخبر مهما فلم يرد في عناوين النشرات ولا ضمن «مانشرت» اولى صفحات الجرائد , بل ان عديد النشرات الإخبارية الفرنسية لم تعره اهتماما...ولم يعقد وزير الداخلية ندوة صحفية ولم تقيّم الأحزاب أداءه الفاشل ...كل ما في الامر ان الناس تعوّدوا على تكرار حدوث استعمال السلاح من قبل العصابات وربما من قبل الإرهابيين... نذكر « الإرهابي المتطرف « الذي اغتال ثلاثة ضباط أمام ثكنتهم قبيل انطلاق الانتخابات الرئاسية ومع ذلك لم تقحمه المعارضة ضمن أجندة صراعها مع ساركوزي ولم تتهم الحكومة بالتقصير , ونذكر أحداث مترو باريس ,وحرب أحياء الأحواز الساخنة , وحرب الشوارع بغرونوبل التي طال أمدها ولم يتوقف تبادل الرصاص الحي عدّة ايام.. ونذكر قصص الأنفاق الممتدة عبر الشوارع لنهب البنوك. ومنذ مدة قصيرة قتلت إجدى الفروع الصغيرة للمافيا بايطاليا ضمن نشاطها الروتيني اكثر من خمسين شخصا في حيّ شعبي. ولا تمضي ايام حتى نسمع بحكاية تلميذ يطلق النار على اترابه بالفصل...
امّا قصص الإرهاب والتشدد الديني المسلح عبر القارات فلا تكاد تختفي عن اخبار العواصم الغربية والشرقية وكل اصقاع الدنيا...
هذا الامر قادني الى سؤال :
-هل نحن محصنون ضد هذه الآفة ؟
الجواب نعم , ما دمنا عبر تاريخنا القديم والمعاصر وحتى بالامس القريب لم نعرف سلاحا يخرج عن ايدي القوات المسلحة ورجال الامن , ولهم في ذلك نظام صارم دقيق لا يبقي ولا يذر. اننا لا نفهم معنى الاغتيالات والتفجيرات والسيارات المفخخة والقنابل الموقوتة... فهذا امر لا يعنينا ونكتفي بمشاهدته في عناوين الاخبار وافلام الحركة لقد ظل أمر العنف والسلاح غريبا عجيبا لا يمت لهذه الارض الطيبة المصانة المنيعة بصلة....
2 - دوام الحال من المحال
في الحقيقة , ذاك زمان ولّى وفات . اما اليوم فنحن امام واقع جديد يباع فيه السلاح لمن يريد.وهذا الانتقال المفاجئ والسريع يبرّر الصدمة الحاصلة الرافضة بشدة واستنكار للوضعية الجديدة غير المرغوب فيها . ان فهم امكانية انتشار السلاح في تونس عند عدد من الأفراد او الجماعات او العصابات على خلاف العادة والمعقول والممكن , يحتاج الى مراجعة فيها من الجرأة والواقعية والحكمة ما يمكّن من تقليص الهوة بين الرغبات والعادات والاعراف , وحقيقة الواقع التي لن تكون بالضرورة على نحو ما نتمسّك به وما نريده . وفي ما يلي بعض الملاحظات الاساسية :
-لن يتواصل الاستثناء التونسي :
ان حيازة السلاح بطريقة غير قانونية كان امرا شائعا في أصقاع الارض . لقد كنا استثناء نادرا. حدثت تفجيرات بالمغرب وطالت المعارك المسلحة بالجزائر, وعهدت مصر الارهاب وكان الامر شائعا شيوع الماء والهواء باليمن ...ومن اللافت للانتباه انه طيلة تاريخ تونس المعاصر قبل الثورة لم نسجل سوى أحداث قفصة وأحداث سليمان لكن لا احد يستطيع ان يثبت غيابا كليا لبعض حالات عبور او تجارة السلاح خاصة ضمن محيط الطرابلسية في جوار اوروبا التي تعوّدت على شيوع هذه التجارة .
- معارضة سلمية رغم عنف الديكتاتورية :
معلوم ان معارضتنا يسارا ويمينا اضطهدت وسجنت وعذبت وشرّدت وطال الضرر والاضطهاد الملايين . ومس التنكيل في السنوات الاخيرة ما يزيد عن خمسين الف سجين سياسي هلك الكثير منهم تحت التعذيب . وعموما , فان تاريخنا السياسي حافل بمعارضة عريقة قوية وممتدّة ومنظمة , تلونت بعمق اطروحات اليسار وتبلور إصرارها وشعبيتها عبر تطور الاسلام السياسي كما لم يغب عنها المدّ القومي العروبي ان المعارضة التونسية المضطهدة لم تنتهج العنف ولم يكن الصراع المسلح ضمن خياراتها ,وهذا الامر في غاية الاهمية يتطلب استيعابا مستمرا وتثبيتا لهذه القيمة الثابتة اصلا وعدم استسهال السقوط في محاولة دحضها ضمن واقع الاحتقان السياسي الحالي ولو تعلق الامر ببعض التيارات الموصوفة بالعنف والتشدد لان الاولوية لتغليب شدّها الى تونسيتها وانصهارها ضمن الخط السلمي السائد لدى المعارضة التونسية . ولن يتسنى ذلك الا بتجنب شيطنتها وبتكثيف الحوار وجرّها الى الحراك العلني والتسليم بتكفل القانون بأي تجاوز غير سلمي يصدر عنها.
- تسرب السلاح شرّ لا بدّ منه
اننا تجاه ضرورة الاعتراف بحقيقة الواقع الجديد المتضمن - أبينا ام كرهنا – تواجدا غير قانوني للسلاح الذي ينبغي مقاومته بفاعلية واستمرارية وبكل قوة . ومع ذلك فان استقراء الواقع اليوم يفضي الى الاقرار بـحيازة البعض لهذا السلاح المشؤوم لان الخريطة الجيوسياسية تغيرت , وليببا اختفت فيها ملايين القطع وحدودنا الصحراوية مفتوحة على مسرح فتحت فيه فصول جديدة للسلاح المرهب عنوة دورا رئيسيا واريد له التمهيد لقلاقل تشرع العرق الكبير النائم على ثروات النفط واليورنيوم واحواض المياه العميقة ومناجم اليورانيوم وشعاع الشمس البديل المتجدد. لقد دخلنا عهدا جديدا مع انطلاق الثورة العربية فلم تعد آلة الدولة الامنية والرقابية كما كانت عليه من قبل وتدهور مفهوم السيطرة والخوف الذي كانت تستحوذ عليه الدولة ونمت امكانيات الافلات من العقاب زمن الجيل الرابع من الحروب عبر استراتيجية الدولة الفاشلة المجردة من النفوذ ...
ان مجرد وجود السلاح خارج حوزة الدولة لدى الدول المجاورة يجعل امكانية تسريبه عبر الحدود امرا ممكنا وطبيعيا وضروريا وحتميا. اليس الامر لا يزيد ولا ينقص عن تهريب بقية البضائع التي تعبر الحدود خلسة ,تماما كما تعبر سلع حاجياتنا اليوم من جنوب شرق آسيا التي ترحمنا وتعذبنا بها السوق الموازية . اذن كلما كان تمرير مواد عادية عبر التهريب ممكنا كان امر السلاح كذلك , بضمان بسيط لا يزيد عن عدم تفطن الرقابة الى امره. وليس مستعصيا ان نعثر على من هو حاميها حراميها. اليس المال الحرام قوام هذه الاعمال...
3- لكل مشكلة حل والسلاح لا يضر ما لم يستعمل في معارك: تجنبوا المعارك ,تتجنبوا شرور السلاح والوقاية خير من العلاج
-أ - منظومة أمنية جديدة
على الدولة ان تبذل قصارى جهدها في تشديد الرقابة وذلك بتنمية الموارد البشرية المخصصة لذلك وتدريبها وتحفيزها. / توفير معدات مراقبة فعالة واستعمال التجهيزات العصرية والاتصالية والتكنولوجية وهذا له تكلفة باهضة لا قبل لنا بها ./ توظيف جدي ومنظم وشامل للمواطنين القاطنين والمتنقلين في مجال المناطق الحدودية، مثل الرعاة الرّحل بالصحراء وهؤلاء الشرائح ينبغي ان يتم تنظيم التعامل معهم وتقديم مساعدات لوجستيكية تخص حاجياتهم، ومدهم بمنح فهم اولى من عملة الحضائر الذين لا يؤدون عملا يذكر ./ تطوير اداء جهاز الاستخبارات وتأهيله طبقا للحاجيات المتجددة / تشديد العقوبات لمن يتورط في حيازة السلاح او في التهريب./ تحقيق نجاعة اكبر في مقاومة الجريمة...

-ب - السلاح خارج المزايدة السياسية
لا بد من التأكيد على ان تسرب السلاح لا يمكن أن تقضي عليه تماما اية حكومة مهما علا شأنها ومهما زادت خبرتها وتدعمت امكانياتها وينبغي ان يخرج هذا الملف من المزايدة السياسية ويثبّت كأمر جامع تقتضيه سلامة الوطن ومناعته.
-ج - الحوار ثمّ الحوار ثمّ الحوار...
لا مفرّ من مداومة الحوار دون كلل وملل مع التيارات الفكرية المتطرفة، واستدراجها الى منطقة التعايش السلمي وعدم شيطنتها وعزلها والاقتصار على معاقبة من ثبت تورطه. لا بد من ادراك ان شبابنا وابنائنا سيكونون معرضين اكثر للاستقطاب ضمن دائرة التطرف كلما زاد عزل هذه التيارات وعدم محاوراتها ودفعها الى دائرة الظلام. ان افكارا عديدة تجتاح الساحة العربية ومختلف ارجاء العالم ومنها من يتبنى العنف بدرجات وتقديرات متفاوتة، فلا غرابة ان نتأثر بمحيطنا بعد زوال الحدود وانهيار سدّ المعلومات ... ان الحوار والتربية والمرونة اهم رادع للتطرف.وهذا الامر ينبغي ان يجتاز عتبة الشعارات والمقولات ليتبلور في مضامين التربية الثقافة الاسلامية في برامج التعليم والتدريب في مختلف مستوياته، وعلى الاعلام ان يتحمل مسؤوليته في ترويج خطاب ديني مغاير لما عهده زمن الاستبداد وعهد تجفيف المنابع . ولا خيار يعوض فسح المجال للعلماء والشيوخ والمفكرين والشباب عبر منظومة متنوعة وجادة ومنفتحة على مختلف الاتجاهات . ومن جهة اخرى فلا مفر للاحزاب وهيئات المجتمع المدني من ان تدرج التثقيف الديني ضمن برامجها وتعيد النظر في ما يتعلق بذمتها من واجب نشر القيم الاخلاقية الاسلامية ومقاومة الانحراف ومحاربة الآفات الاجتماعية التي تهدد شبابنا.
وبالموازاة مع عمق واتساع نشر قيم الدين السمحة وتعاليمه عبر المؤسسات التربوية والمدنية والاعلامية والثقافية،على الاحزاب ان تعمل بتناسق ودون مزايدة او صراع على نشر قيم المواطنة والتحضر والتصرف الراقي في الاختلاف ونبذ العنف والتفرقة. وتحويل مجال حملاتها الانتخابية الى البدائل الاقتصادية ومنوال التنمية والانظمة الجبائية وحلول البطالة وطرق خلق الثورة وتأمين الاقتصاد من المخاطر وانعاش المنظومة الادارية والاصلاح التربوي والزراعي وتحويل منظومة الكسل وهدر المال العام الى قوة عمل وانتاج...وتكريس الحوكمة المحلية وحفظ الصحة وانظمة الطغطية الاجتماعية...
-د - الاحزاب عنوان الاصلاح او عنوان الخراب
ان الاحزاب السياسية على وجه التخصيص مدعوة الى مراجعة عقدها ومزالقها نحو التجاذب الفج الذي انبنى على انعدام الثقة في الخصوم السياسيين. وقد تحول هذا الواقع الى عدم ثقة في الديمقراطية نفسها مما دفعها الى استسهال العنف اللفظي والتخوين والاقصاء والمناورات غير الاخلاقية والالتجاء الى اعداء الثورة قصد اضعاف الخصوم والرضى بفشل المسار هربا مما تقدره فشلا لها في معركة صندوق الاقتراع. لقد ادى هذا الاحتقان الى تمييع لشعارات الثورة وابتذالها، والى المزايدة المستترة بعنف الشارع وركوب موجة المطالب الشعبية المشروعة والاستفادة من مظاهر الفقر والتهميش لترويج الفشل واستسهال هدم قواعد المسار بفوضوية وعشوائية التمرد وخلط الاوراق . لقد تعمقت الحيرة وسيطرة ثقافة الخوف وتراجع الامل وعمت النقمة على الجميع.
هـ - المزايدة تقود الى النار
ان ما تزرعه الطبقة السياسية بعجزها عن التصرف في تناقضاتها يقود بالضرورة الى اليأس والاحباط ويفتح الطريق للشباب الى الانخراط في تيارات عنيفة قد لا تستبعد في يوم من الايام استخدام العنف والسلاح. ولن يستطيع احد منعها من امتلاكه وسيكون الوضع مشرعا لعودة الديكتاتورية باستحقاق. وليس خافيا على احد كون الثورة التونسية مرمى مفترضا لاعداء الداخل والخارج وان صفقوا وطبّلوا لانجاز الشعب التونسي وتصدروا ركح المدافعين عن مطالب ثورته المجيدة.
ناشط ومحلل سياسي
1 ما بالعهد من قدم
شاهدت مؤخرا تقريرا اخباريا أبطاله عصابة مسلحة اقتحمت كازينو بفرنسا واستعملت اسلحة كلاشنكوف وطلقا ناريا مكنها في ظرف ثلاث دقائق من نهب اموال طائلة وخرجوا سالمين غانمين...
وما اثار انتباهي ان الخبر كان « كلبا عضّ رجلا» بحسب تصنيف جماعة علوم الإخبار. لم يكن الخبر مهما فلم يرد في عناوين النشرات ولا ضمن «مانشرت» اولى صفحات الجرائد , بل ان عديد النشرات الإخبارية الفرنسية لم تعره اهتماما...ولم يعقد وزير الداخلية ندوة صحفية ولم تقيّم الأحزاب أداءه الفاشل ...كل ما في الامر ان الناس تعوّدوا على تكرار حدوث استعمال السلاح من قبل العصابات وربما من قبل الإرهابيين... نذكر « الإرهابي المتطرف « الذي اغتال ثلاثة ضباط أمام ثكنتهم قبيل انطلاق الانتخابات الرئاسية ومع ذلك لم تقحمه المعارضة ضمن أجندة صراعها مع ساركوزي ولم تتهم الحكومة بالتقصير , ونذكر أحداث مترو باريس ,وحرب أحياء الأحواز الساخنة , وحرب الشوارع بغرونوبل التي طال أمدها ولم يتوقف تبادل الرصاص الحي عدّة ايام.. ونذكر قصص الأنفاق الممتدة عبر الشوارع لنهب البنوك. ومنذ مدة قصيرة قتلت إجدى الفروع الصغيرة للمافيا بايطاليا ضمن نشاطها الروتيني اكثر من خمسين شخصا في حيّ شعبي. ولا تمضي ايام حتى نسمع بحكاية تلميذ يطلق النار على اترابه بالفصل...
امّا قصص الإرهاب والتشدد الديني المسلح عبر القارات فلا تكاد تختفي عن اخبار العواصم الغربية والشرقية وكل اصقاع الدنيا...
هذا الامر قادني الى سؤال :
-هل نحن محصنون ضد هذه الآفة ؟
الجواب نعم , ما دمنا عبر تاريخنا القديم والمعاصر وحتى بالامس القريب لم نعرف سلاحا يخرج عن ايدي القوات المسلحة ورجال الامن , ولهم في ذلك نظام صارم دقيق لا يبقي ولا يذر. اننا لا نفهم معنى الاغتيالات والتفجيرات والسيارات المفخخة والقنابل الموقوتة... فهذا امر لا يعنينا ونكتفي بمشاهدته في عناوين الاخبار وافلام الحركة لقد ظل أمر العنف والسلاح غريبا عجيبا لا يمت لهذه الارض الطيبة المصانة المنيعة بصلة....
2 - دوام الحال من المحال
في الحقيقة , ذاك زمان ولّى وفات . اما اليوم فنحن امام واقع جديد يباع فيه السلاح لمن يريد.وهذا الانتقال المفاجئ والسريع يبرّر الصدمة الحاصلة الرافضة بشدة واستنكار للوضعية الجديدة غير المرغوب فيها . ان فهم امكانية انتشار السلاح في تونس عند عدد من الأفراد او الجماعات او العصابات على خلاف العادة والمعقول والممكن , يحتاج الى مراجعة فيها من الجرأة والواقعية والحكمة ما يمكّن من تقليص الهوة بين الرغبات والعادات والاعراف , وحقيقة الواقع التي لن تكون بالضرورة على نحو ما نتمسّك به وما نريده . وفي ما يلي بعض الملاحظات الاساسية :
-لن يتواصل الاستثناء التونسي :
ان حيازة السلاح بطريقة غير قانونية كان امرا شائعا في أصقاع الارض . لقد كنا استثناء نادرا. حدثت تفجيرات بالمغرب وطالت المعارك المسلحة بالجزائر, وعهدت مصر الارهاب وكان الامر شائعا شيوع الماء والهواء باليمن ...ومن اللافت للانتباه انه طيلة تاريخ تونس المعاصر قبل الثورة لم نسجل سوى أحداث قفصة وأحداث سليمان لكن لا احد يستطيع ان يثبت غيابا كليا لبعض حالات عبور او تجارة السلاح خاصة ضمن محيط الطرابلسية في جوار اوروبا التي تعوّدت على شيوع هذه التجارة .
- معارضة سلمية رغم عنف الديكتاتورية :
معلوم ان معارضتنا يسارا ويمينا اضطهدت وسجنت وعذبت وشرّدت وطال الضرر والاضطهاد الملايين . ومس التنكيل في السنوات الاخيرة ما يزيد عن خمسين الف سجين سياسي هلك الكثير منهم تحت التعذيب . وعموما , فان تاريخنا السياسي حافل بمعارضة عريقة قوية وممتدّة ومنظمة , تلونت بعمق اطروحات اليسار وتبلور إصرارها وشعبيتها عبر تطور الاسلام السياسي كما لم يغب عنها المدّ القومي العروبي ان المعارضة التونسية المضطهدة لم تنتهج العنف ولم يكن الصراع المسلح ضمن خياراتها ,وهذا الامر في غاية الاهمية يتطلب استيعابا مستمرا وتثبيتا لهذه القيمة الثابتة اصلا وعدم استسهال السقوط في محاولة دحضها ضمن واقع الاحتقان السياسي الحالي ولو تعلق الامر ببعض التيارات الموصوفة بالعنف والتشدد لان الاولوية لتغليب شدّها الى تونسيتها وانصهارها ضمن الخط السلمي السائد لدى المعارضة التونسية . ولن يتسنى ذلك الا بتجنب شيطنتها وبتكثيف الحوار وجرّها الى الحراك العلني والتسليم بتكفل القانون بأي تجاوز غير سلمي يصدر عنها.
- تسرب السلاح شرّ لا بدّ منه
اننا تجاه ضرورة الاعتراف بحقيقة الواقع الجديد المتضمن - أبينا ام كرهنا – تواجدا غير قانوني للسلاح الذي ينبغي مقاومته بفاعلية واستمرارية وبكل قوة . ومع ذلك فان استقراء الواقع اليوم يفضي الى الاقرار بـحيازة البعض لهذا السلاح المشؤوم لان الخريطة الجيوسياسية تغيرت , وليببا اختفت فيها ملايين القطع وحدودنا الصحراوية مفتوحة على مسرح فتحت فيه فصول جديدة للسلاح المرهب عنوة دورا رئيسيا واريد له التمهيد لقلاقل تشرع العرق الكبير النائم على ثروات النفط واليورنيوم واحواض المياه العميقة ومناجم اليورانيوم وشعاع الشمس البديل المتجدد. لقد دخلنا عهدا جديدا مع انطلاق الثورة العربية فلم تعد آلة الدولة الامنية والرقابية كما كانت عليه من قبل وتدهور مفهوم السيطرة والخوف الذي كانت تستحوذ عليه الدولة ونمت امكانيات الافلات من العقاب زمن الجيل الرابع من الحروب عبر استراتيجية الدولة الفاشلة المجردة من النفوذ ...
ان مجرد وجود السلاح خارج حوزة الدولة لدى الدول المجاورة يجعل امكانية تسريبه عبر الحدود امرا ممكنا وطبيعيا وضروريا وحتميا. اليس الامر لا يزيد ولا ينقص عن تهريب بقية البضائع التي تعبر الحدود خلسة ,تماما كما تعبر سلع حاجياتنا اليوم من جنوب شرق آسيا التي ترحمنا وتعذبنا بها السوق الموازية . اذن كلما كان تمرير مواد عادية عبر التهريب ممكنا كان امر السلاح كذلك , بضمان بسيط لا يزيد عن عدم تفطن الرقابة الى امره. وليس مستعصيا ان نعثر على من هو حاميها حراميها. اليس المال الحرام قوام هذه الاعمال...
3- لكل مشكلة حل والسلاح لا يضر ما لم يستعمل في معارك: تجنبوا المعارك ,تتجنبوا شرور السلاح والوقاية خير من العلاج
-أ - منظومة أمنية جديدة
على الدولة ان تبذل قصارى جهدها في تشديد الرقابة وذلك بتنمية الموارد البشرية المخصصة لذلك وتدريبها وتحفيزها. / توفير معدات مراقبة فعالة واستعمال التجهيزات العصرية والاتصالية والتكنولوجية وهذا له تكلفة باهضة لا قبل لنا بها ./ توظيف جدي ومنظم وشامل للمواطنين القاطنين والمتنقلين في مجال المناطق الحدودية، مثل الرعاة الرّحل بالصحراء وهؤلاء الشرائح ينبغي ان يتم تنظيم التعامل معهم وتقديم مساعدات لوجستيكية تخص حاجياتهم، ومدهم بمنح فهم اولى من عملة الحضائر الذين لا يؤدون عملا يذكر ./ تطوير اداء جهاز الاستخبارات وتأهيله طبقا للحاجيات المتجددة / تشديد العقوبات لمن يتورط في حيازة السلاح او في التهريب./ تحقيق نجاعة اكبر في مقاومة الجريمة...

-ب - السلاح خارج المزايدة السياسية
لا بد من التأكيد على ان تسرب السلاح لا يمكن أن تقضي عليه تماما اية حكومة مهما علا شأنها ومهما زادت خبرتها وتدعمت امكانياتها وينبغي ان يخرج هذا الملف من المزايدة السياسية ويثبّت كأمر جامع تقتضيه سلامة الوطن ومناعته.
-ج - الحوار ثمّ الحوار ثمّ الحوار...
لا مفرّ من مداومة الحوار دون كلل وملل مع التيارات الفكرية المتطرفة، واستدراجها الى منطقة التعايش السلمي وعدم شيطنتها وعزلها والاقتصار على معاقبة من ثبت تورطه. لا بد من ادراك ان شبابنا وابنائنا سيكونون معرضين اكثر للاستقطاب ضمن دائرة التطرف كلما زاد عزل هذه التيارات وعدم محاوراتها ودفعها الى دائرة الظلام. ان افكارا عديدة تجتاح الساحة العربية ومختلف ارجاء العالم ومنها من يتبنى العنف بدرجات وتقديرات متفاوتة، فلا غرابة ان نتأثر بمحيطنا بعد زوال الحدود وانهيار سدّ المعلومات ... ان الحوار والتربية والمرونة اهم رادع للتطرف.وهذا الامر ينبغي ان يجتاز عتبة الشعارات والمقولات ليتبلور في مضامين التربية الثقافة الاسلامية في برامج التعليم والتدريب في مختلف مستوياته، وعلى الاعلام ان يتحمل مسؤوليته في ترويج خطاب ديني مغاير لما عهده زمن الاستبداد وعهد تجفيف المنابع . ولا خيار يعوض فسح المجال للعلماء والشيوخ والمفكرين والشباب عبر منظومة متنوعة وجادة ومنفتحة على مختلف الاتجاهات . ومن جهة اخرى فلا مفر للاحزاب وهيئات المجتمع المدني من ان تدرج التثقيف الديني ضمن برامجها وتعيد النظر في ما يتعلق بذمتها من واجب نشر القيم الاخلاقية الاسلامية ومقاومة الانحراف ومحاربة الآفات الاجتماعية التي تهدد شبابنا.
وبالموازاة مع عمق واتساع نشر قيم الدين السمحة وتعاليمه عبر المؤسسات التربوية والمدنية والاعلامية والثقافية،على الاحزاب ان تعمل بتناسق ودون مزايدة او صراع على نشر قيم المواطنة والتحضر والتصرف الراقي في الاختلاف ونبذ العنف والتفرقة. وتحويل مجال حملاتها الانتخابية الى البدائل الاقتصادية ومنوال التنمية والانظمة الجبائية وحلول البطالة وطرق خلق الثورة وتأمين الاقتصاد من المخاطر وانعاش المنظومة الادارية والاصلاح التربوي والزراعي وتحويل منظومة الكسل وهدر المال العام الى قوة عمل وانتاج...وتكريس الحوكمة المحلية وحفظ الصحة وانظمة الطغطية الاجتماعية...
-د - الاحزاب عنوان الاصلاح او عنوان الخراب
ان الاحزاب السياسية على وجه التخصيص مدعوة الى مراجعة عقدها ومزالقها نحو التجاذب الفج الذي انبنى على انعدام الثقة في الخصوم السياسيين. وقد تحول هذا الواقع الى عدم ثقة في الديمقراطية نفسها مما دفعها الى استسهال العنف اللفظي والتخوين والاقصاء والمناورات غير الاخلاقية والالتجاء الى اعداء الثورة قصد اضعاف الخصوم والرضى بفشل المسار هربا مما تقدره فشلا لها في معركة صندوق الاقتراع. لقد ادى هذا الاحتقان الى تمييع لشعارات الثورة وابتذالها، والى المزايدة المستترة بعنف الشارع وركوب موجة المطالب الشعبية المشروعة والاستفادة من مظاهر الفقر والتهميش لترويج الفشل واستسهال هدم قواعد المسار بفوضوية وعشوائية التمرد وخلط الاوراق . لقد تعمقت الحيرة وسيطرة ثقافة الخوف وتراجع الامل وعمت النقمة على الجميع.
هـ - المزايدة تقود الى النار
ان ما تزرعه الطبقة السياسية بعجزها عن التصرف في تناقضاتها يقود بالضرورة الى اليأس والاحباط ويفتح الطريق للشباب الى الانخراط في تيارات عنيفة قد لا تستبعد في يوم من الايام استخدام العنف والسلاح. ولن يستطيع احد منعها من امتلاكه وسيكون الوضع مشرعا لعودة الديكتاتورية باستحقاق. وليس خافيا على احد كون الثورة التونسية مرمى مفترضا لاعداء الداخل والخارج وان صفقوا وطبّلوا لانجاز الشعب التونسي وتصدروا ركح المدافعين عن مطالب ثورته المجيدة.




Om Kalthoum - ألف ليلة وليلة
Commentaires
1 de 1 commentaires pour l'article 62555