دعوة ملحة لتزويد المواطن التونسي بمرآة عاكسة



د. ياسين عزيز الرقيق
[الكاتب العام لحركة اللّقاء]




عندما أنظر إلى الشأن التونسي وأستحضر المواقف والتعليقات والرّدود من كلّ أطياف المجتمع : كبيره و صغيره، مثقّفه و عاديّه، قيره و غنيّه، محافظه و حداثيّه، أصل في كلّ مرة الى نفس النتيجة و نفس الخلاصة : لا مخرج لنا من وضعنا الحالي إلا بتزويد كل مواطن تونسي بمرآة عاكسة ينظر اليها في كل يوم 70 مرّة !!! ليست هذه الدعوة هزلا أو تهريجا بل هي دعوة جادة و طريقة مثْلا لكي يشفى مجتمعنا من عقدة كبرى و معضلة عظمى وهي كثرة نقد الآخرين و قلّة اصلاح النفس.
بعيدا عن التعميم و الشمول، سأحاول أن أضرب بعض الأمثلة المعبّرة، في صورة يوم عاديّ لمواطن عاديّ. يذهب هذا المواطن لقضاء شأن ما لدى إدارتنا التونسية. يجد أمامه شبابيك فارغة و مكاتب مقفرة و أعوانا يتجاذبون أطراف الحديث في غرفة داخلية. يسترق السمع فيجدهم ينتقدون ما ساد في البلاد من فساد وغلاء. أحدهم يروي أنّ بائع الخضر في حيّهم لا يتورّع على الزيادة عند كل حسبة يقوم بها.
يغادر الإدارة (من دون قضاء حاجته) و يتّجه الى بائع الخضر المنتصب على قارعة الطريق، و يطلب منه بعض المشتريات. ثم يسأله عن السعر فيجيبه في ثلاث ثوان عن سعر يستوجب حسابه بالحاسوب أضعاف ذلك الوقت. وبينما هو يعدّ نقوده للدفع يسمعه يروي زيارته البارحة للطبيب و تذمره من دفع أجرة 3 أيام من العمل مقابل كشف دام 15 دقائق.
يدفع له ما طلب منه بدون أن يتجرّأ على التثبت أو السؤال و يتّجه نحو شارع مجاور حيث طبيبه المعتاد. بعد انتظار ساعتين و مرور العشرات من المرضى قبله، يأتي دوره أخيرا. يصافحه الطبيب و في خلال الفحص يعرب له المواطن عن قلقه و تأزمه، فيجيبه بأنّ الجميع سواء و أنّ هذا ناتج عن حكومتنا و سياسيّينا الذين لا يفكرون إلا في الامتيازات و الكراسي. و بعد دقيقتين ينتهي من الفحص و يطلب منه الطبيب أن يدفع 50 دينارا استحقها بعد عناء و شقاء.
يخرج و قد أزّمه دفع الأجرة أكثر ممّا نفعه الفحص و يشير الى أوّل سيّارة أجرى. يقف السائق و قبل أن تلمس يد المواطن الباب يبادره بالسؤال عن وجهته. والحمد لله أنّه قاصد منزله في حي راق لا حفر و لا غدران فيه. يركب و يستمع الى الراديو يسرد آخر الأخبار الوطنية، و السائق يردد بين الحين و الآخر لا حول ولا قوة إلا بالله، الناس لم تعد تحترم القانون و البلاد سائرة نحو المجهول . في نفس الوقت يرى ذلك السائق قد خالف 12 مرة قانون المرور في ربع ساعة مع التكرار في كل مرة المرور اصبح لا يطاق في تونس .
يصل إلى حيّه بعد أن ستره الله من ثلاث اصطدامات، و يقرر الاستراحة قليلا في مقهى الحيّ قبل الرجوع الى المنزل. وهو يرتشف قهوته، سيستمع الى شباب الحي ينتقد مردود الفريق الوطني وانسحابه من بطولة افريقيا. ليسوا رجالا، لا يهتمون إلا بالمنح، ليسوا محترفين، لا يعملون، .... و الكل يحلّل و ينتقد و يتهكّم. ثم يهدأ الحوار و يسترق السمع فيعلم أنّ اغلبهم معطّلين، لم يغادر أحدهم المقهى منذ الصباح و أنّ آخر ما طالعوا في الخمس سنوات الأخيرة هي التكهّنات الرياضيّة في جرائدنا المرموقة.
بعد ساعة و نصف، يقرّر القيام و العودة الى المنزل. و في طريقه يعترضه جاره فيسأله عن الأحوال. سيجيبه فورا أن شأن التونسيين غريب. الكلّ ينقد و الكلّ يحلل و لا أحد يرى حاله وعوجه. ثم يروي له يومه الزاخر بالأحداث. و أخيرا يختم بقوله الحمد لله أن رئيس المصلحة متغيب منذ يومين، لذلك استطعت أن أتغيب اليوم دون طلب يوم عطلة !!!!!!
هذا هو الحال عموما مع التشديد على أن الأمثلة رغم واقعيتها لا تعني التخصيص لمجال دون آخر كما أنها لا تعني التعميم لكل أفراد المجال الواحد. إنها فقط ومضات من مجتمعنا حتى نضع أيدينا على الداء. داء النقد المستمر للآخر و الإصلاح المفقود للذات. داء النهي عن المنكر والإتيان بمثله.
نحن شعب نريد الكثير من الآخرين و لا نؤدي القليل مما يطلب منا. نريد من حكومتنا أن تكون مثالية، عاملة، جادة، و أخلاقية : فمن أين نأتي بها ؟ نستوردها ؟ نريد من فريقنا الوطني أن يكون بطلا، وطنيا، متألقا : فمن أين نأتي به ؟ نستأجره ؟ نريد من إدارتنا أن تكون فاعلة، محايدة، نزيهة و شفافة : فمن أين نأتي بها ؟ نعتمد المناولة في أوروبا ؟ نريد من طرقاتنا أن تكون منظمة و آمنة : فمن سيستعملها ؟ هل نجعلها حكرا على السياح ؟ نريد من تعليمنا أن يكون راقيا، متألقا، خلاقا : فمن يؤمنه لنا ؟ الدروس الخصوصية ؟ ....
لقد حان الوقت إذا لكي نقتني المرايا و ننظر الى أنفسنا. لقد حان وقت الصحوة الأخلاقية التي هي ركيزة كل عمل اصلاحي و حضاري. صحوة أخلاقية تجعل كل مواطن رقيبا على نفسه قبل أن يكون رقيبا على الآخرين. ناجحا في حياته قبل أن يحاسب الآخرين. مصلحا في عائلته قبل أن يحاول اصلاح الآخرين. نافعا لوطنه قبل أن يجبر الوطن على استجداء الآخرين. لقد حان وقت المصارحة و الكف عن مغازلة المشاعر و الأحلام. يجب أن ننظر كلنا في مرآة كبرى لنرى أننا شعب النصيب الأوفر قليل العمل، كثير الكلام. أننا شعب أغلبه قليل الإبتكار كثير التقليد. أننا شعب قليل الاصلاح كثير النقد. أننا شعب بعضه قليل القيم كثير المطالب. و هذا الوضع لا يستقيم. ربما يكون هذا التشخيص موجعا و مؤلما. و لكن حسن التشخيص هو نصف الدواء. و لن تنفعنا اليوم الوعود و الأماني بقدر ما تنفعنا صحوتنا القيمية و الأخلاقية التي ستجعل منا بناة لمستقبل زاهر لا نقف على أطلال و لا نبكي حاضرا و لا نستجدي الغير.


Commentaires


3 de 3 commentaires pour l'article 61880

PARISIEN  (France)  |Vendredi 15 Mars 2013 à 12h 21m |           
En plein dans le mille ..
bravo !

HERISSON  (Tunisia)  |Vendredi 15 Mars 2013 à 12h 15m |           
إلى السيد د.ياسين عزيز الرقيق
شكرا على المقال، أصبت يعطيك الصحة
when the change begin within
herisson

Zgh_Tunisie  (United Kingdom)  |Vendredi 15 Mars 2013 à 08h 35m |           
Merci pour cet article, il cible directement les points faibles de notre société, je fais partie de cette société, je vois les mêmes défauts listé dans cet article, je fais aussi un auto-controle et j'espère un jour voir d'autres personne de notre société s'auto-controler et commencer ainsi à marcher sur la voix du développement.
j'ajoute juste un autre phénomène très génant qui est le faite de jeter les déchets dans la rue, des fenêtres des voitures, juste à coté des poubelles...
j'espère un jour voir ce peuple cooperatif, heureux, tolérant, innovant...
zied