بائعة البقدونس والحريات في تونس



بقلم نزار بولحية

في زحمة الطوابير الطويلة التي اصطفت منذ ساعات الصباح الاولى امام مقر قناة الحوار التلفزيونية في العاصمة تونس دفاعا عن حرية الاعلام بحسب ما ورد في نص الدعوة لم يكن وجود عجوز قدمت لمجرد ان تناهى الى مسامعها ان سعرحزمة البقدونس وهو شعار الحملة قد بلغ عشرين دينارا بعد ان اعتادت بيعه منذ مدة في السوق بثلاثمائة مليم ليجلب انتباه الكثيرين. و لم يكن ايضا من السهل على اي كان ان يشرح لها بان الغاية الحقيقية من وراء بيع البقدونس ليست الكسب التجاري السريع بل مناصرة حرية اعلام يراها هولاء الان مهددة وعلى وشك الضياع .
ولربما يعود سبب انشغال الاعلاميين ونشطاء حقوق الانسان الحاضرين الى انهم فضلوا الظهور امام عدسات المصورين التى انتصبت لتغطية الحدث حاملين معهم ما خف وزنه وغلا ثمنه من حزم البقدونس ومعلنين تضامنهم التام مع قناة اصبح اختصاصها الاول والوحيد النقل الحصري للا عتصامات والمظاهرات وكافة اشكال الاحتجاج ضد السلطة القائمة. ما يثير القلق في كل ذلك هو ليس بالتاكيد ذلك الحرص على حماية حريات دفع التونسيون ثمنا باهضا لانتزاعها وليس ايضا توجيه النقد الى الاداء الحكومي الباهت فكل تلك الامور اضحت بفعل التطورات التى حدثت خلال السنتين الماضيتين من المسلمات التى لا جدال حولها بل ان الامر الذي يكتسي قدرا من الخطورة والاهمية هو ما يقوم به البعض من استخدام مشوه لتلك الحريات في بلد مايزال يخطو خطواته الاولى لانتقال ديمقراطي صعب من اجل تصويره على انه بصدد بناء دولة استبداد جديدة وان حكامه الحاليين واساسا الاسلاميين منهم يخططون بدهاء للالتفاف عليها بالتدريج حتى خنقها والقضاء عليها في مراحل قادمة.


ان هذه الريبة الشديدة وحالة التخويف المتواصلة من نوايا الطرف المقابل هي الدافع القوي وراء صيحات الفزع والتحذير التى تطلق من حين لاخر من طرف الفنانين والصحفيين ونشطاء حقوق الانسان والجمعيات النسائية والتي تقدمهم كضحايا افتراضيين لسلطة همها الوحيد بسط نفوذها داخل اجهزة الدولة ومفاصلها وفرض نمط مجتمعي مغاير تماما لما عرفته تونس منذ استقلالها. وما يشد الانتباه هنا هو انه ضمن تلك الرؤية المسطحة غالبا مايتم حصر الاتهامات الفورية والجاهزة في جهات هلامية غير معروفة توصف اطلاقا بالسلفية وذلك لمجرد اختلافها في المظهر العام او في التصورات ويبقى بعد ذلك على الماسكين بالسلطة اما محاربتها بضراوة وقسوة او تحمل اوزار ذلك بالاشتراك معها فيما ينسب اليها من افعال.والمفارقة العجيبة التى حصلت اواخر العام الماضي هي ان نفس الاطراف الحقوقية والسياسية التي نادت باستمرار بالتصدي بقوة لتلك الجهات وجهت في المقابل اشد الانتقادات الى الحكومة بعد وفاة شابين ينتسبان الى التيارات السلفية في السجن اثر قيامهما باضراب جوع للاحتجاج على طول مدة ايقافهما دون محاكمة.
ومن الواضح ان هناك اتجاها لان يصبح ملف الحريات سلاحا اضافيا اخر يشهره الفرقاء السياسيون في وجوه بعضهم البعض. اذ بعيدا عما يطفو على السطح من احداث عميقة الدلالات مثل بعض المحاكمات التي تعرض اليها اعلاميون او ما اثارته رسومات من ردات فعل فان مواجهة محمومة تدور الان داخل لجان المجلس التاسيسي المنوط به صياغة الدستور المقبل مدارها اما اعتماد المعايير الكونية في الحريات وحقوق الانسان او التنصيص على الخصوصية العربية الاسلامية في ذلك.ولئن كان من المشروع والطبيعي ان يحدث نوع من التصادم وحتى التناقض في المقاربات نتيجة اختلاف المرجعيات الثقافية فان المقلق في الامر هو ان يقع الانحراف بالجدل الحقوقي والقانوني نحو سياقات قد لا تختلف كثيرا عن محاكم التفتيش التي اكتوى بنيرانيها الاوروبيون في العصور المظلمة فينقلب بذلك البحث عن افضل الصياغات الضامنة للحريات الى هجوم شرس مفتوح غايته الوحيدة التشهير بخصم سياسي واظهاره للراي العام في الداخل والخارج على انه معاد لحقوق الانسان وذلك وفق قراءة ايديولوجية اقصائية لتلك الحقوق.
ومن اجل كل ذلك وعلى ضوء المشهد السائد حاليا في تونس يبدو ان اقناع هذا الطرف او ذاك بترك مثل هذا الملف خارج حلبة التجاذبات المجنونة والمملة لن يكون بالعمل البسيط و السهل تماما مثلما لن تفيد الخطابات والشعارات البراقة في اقناع بائعة البقدونس بان الثروة التى جنتها في ذلك اليوم هي مجرد حركة رمزية لا غير لمساندة الحريات.


Commentaires


2 de 2 commentaires pour l'article 61746

Mortaucons  (Tunisia)  |Mercredi 13 Mars 2013 à 11h 25m |           
L'opposition persil, est sale dans sa mentalité, malpropre dans ses idées et hypocrite à tout bout de champs. elle n'a jamais été libre, ni démocratique, mais servile et dictatoriale. c'est une opposition de la même nature que les anciennes dictatures, sauf qu'elle a raté l'accession directe au pouvoir en ces temps là et voudrait à tout prix et avec tout les moyens, surtout illégaux, y accéder maintenant (car elle sait bien, que légalement
avec des élections libres et transparentes, elle ne pourra jamais le faire).

Rafik  (France)  |Mercredi 13 Mars 2013 à 09h 42m |           
La soi disant opposition utilise la même tactique que les sionistes en france (et partout dans le monde) : dominer les médias et faire la politique avec le système des 2 poids 2 mesures