قراءة في افتتاحية جون أفريك



بقلم حا تــــم الكسيـــبــي


''جون أفريك'' من أقدم وأشهر المجلات الفرنسية التي تعنى بتواتر الأحداث في إفريقيا السوداء وشمالها العربي. هذه النشرة الأسبوعية الصادرة من عاصمة النور هي نتاج فكرة لمعارض تونسي قديم للدولة الناشئة و للفكر البورقيبي، خيّر في سنة 1957 الغربة وراح ينقد وينتقد السياسات الإفريقية هنا وهناك ويبشّر لقارة سوداء فرانكفونية تدين لفرنسا بالولاء و تنصاع إليها في كل صغيرة وكبيرة. كل ذلك الأمر يبدو شبه عاديّ عندما يصدر على من تربّى وترعرع في أحضان بلد الروكفور و البوجولي، فجعل منها الملهم الوحيد و المعلّم المتفرّد، ثم شاركها المقال و المقام و الأفراح والأتراح، فصرت لا تميّزه في رهط من القوم إلا بلون بشرة أو لفظ عربي مخزون في اللاشعور قد يطلقه دون إرادة في لحظة ما.

تناولت افتتاحيته الأخيرة تحليلا سطحيا دون تقديم مؤديات و لا دلائل جلية و واضحة لصعود الإسلاميين إلى السلطة في مصر وتونس ومدى فشلهم في ذلك الأمر. وقد انحصر ذلك التحليل، والذي لا ينمّ على رؤية متبصرة، على تعداد السّلبيات والمعوّقات و المشاكل التي تحيط آنيا بدول الربيع العربي و أجزم عن عدم تحقيق أي نقطة ايجابية في هذه الفترة القصيرة نسبيا إذا ما قورنت بباقي الثورات المعاصرة والقديمة وغيرها من التحولات الديمقراطية في العالم الحديث. قال سي البشير إنّ الإسلاميين تسلّموا السّلطة مباشرة بعد إطلاق سراحهم من السّجون ولم يذكر أنّ ذلك الأمر تمّ عن طريق انتخابات شفّافة ونزيهة شهد لها العالم بصحة نتائجها، وأمّا التركيز على السّجون فذلك عنوان للنضال والقدرة على رفع التحديات و الإيمان بعدالة قضايا الحرّية والديمقراطية. فأغلب زعماء العالم قد ولجوا السجون ظلما وقهرا ونكاية بأهلهم ومتّبعيهم وأذكر سريعا في هذا المجال ما حصل لمنديلا و وتارا الإفريقيين وهافل و لاشفاليزا الأوربيين وموراليس وكاسترو الأمريكيين وكذلك اردوغان التركي وعديد الأعلام والأسماء المشتهرة بالنضال وتحرير الشعوب من الديكتاتوريات المدعومة استعماريا. وتراني أستخلص أنّ التركيز على السّجن مفخرة، فهم لم يكونوا يوما مجرمين أو منتسبين لقضايا الحقّ العام بل شوكة في حلق النظام داخل السّجن وخارجه. ثم انبرى صاحب الافتتاحية يقول أن الإسلاميين ورثوا الحكم في عملية غير متوقّعة و فجئية، وهذا القول فيه حيف كبير وسوء تقدير مقصود أيضا. ولعلّ المتتبع المحايد للحملات الانتخابية في كلّ من تونس ومصر قد أيقن بفوز هؤلاء دون شدّة دهاء أو ذكاء فكلّ الاستطلاعات رجحت كفّتهم. ولا يقف كاتبنا عند هذا الحدّ من قلة الفراسة بل يفسّر هذا الانتصار السّاحق للإسلاميين بإدّعاءهم احترام و إتقان اللعبة الديمقراطية فانطلت تلك الحيل على الجماهير المنتخبة، وهذا حيف كبير واستنقاص لشعوب عرفت ظلم الاستعمار الفرنسي وظلم من ولّته من بعده وحلمت لمرّة بانتخابات نزيهة وحكومات يفرزها الصندوق وحده.
لقد ركّز الكاتب في فحوى افتتاحيته، أن الأزمة سياسية بامتياز وأنّ مردّها قلّة الخبرة و سوء التّقدير، وهذه النّقطة تستدعي طرح البديل إن صحّت هذه الصّفة لدى النّخبة الإسلامية الحاكمة. ولعلّ هذا المنحى يتركنا وجها لوجه مع المتفرّدين بالخبرة في هذه البلدان الثائرة والذين يعتبرون ركائز النظامين البائدين، فهل يثور الشعب ليطرد حاكمه ثم يأتي بخلاّنه وشركائه في الحكم المتسلّط ليقود مسيرتهم الجديدة؟ وتبقى الوضعيات الاجتماعية والاقتصادية ملهما للمعارضين للحكم الإسلامي الناشئ، فتحسب الاضطرابات المسيّسة واستنفار الحدود لمجابهة عصابات السلاح و حتى الظواهر الطبيعية من طقس بارد وحارّ و تساقط للثلج نكبة أصابت البلاد تبعا لسوء تقدير الحكومة الناشئة وقلّة خبرتها. وفي هذا المجال أدعو القارئ لتتبّع التغيّرات المناخية الكبرى التي تهب على كامل الولايات المتحدة وحجم الخسائر المادية والبشرية رغم التقدّم والمستوى الحضاري والخبرات المتميّزة لهذا البلد وقس على ذلك حوادث الزلازل باليابان و تشرنوبيل وغيرها.
لكن المؤسف حقا أن يلج الكاتب قلوب أصحاب الحكم ويفصح على ما تخفيه صدورهم حسب زعمه، فقد زعم أنّ غايتهم الحكم بعينه والبقاء فيه ولسوف يبذلون أقصى الجهود في الاحتفاظ بالشرعية فهم لم ولن يكونوا حداثيين وديمقراطيين بل هي مجرّد كلمات هم قائلوها حتى يستأثرون بدعم ومساندة الغرب والعالم المتقدم وعلى رأسهم الولايات المتحدة. ولقد تحدّث أيضا عن المستوى الرديء للتطوّر السّياسي لدى الإسلاميين ونعته بالانفــــرا ديمقراطي والانفــــرا حداثي. وفي ذلك تجنّ عن واقع حدث تحت أعين العالم ولازال تحت مراقبة عديد الدول تدرس وتستخلص، توجه وتستحسن، تحذّر وتبارك، كشأن كل الثورات الشعبية التي هبت في العالم. ولعلّ المزج بين مدنية الدولة و عسكرتها أصبح سلاحا يعلنه الخصوم في آخر المطاف فتحدث كاتبنا المخضرم عن رغبة ملحّة لدي الحكام الجدد للاستحواذ على الحكم المدني بأجهزته التشريعية و التنفيذية ثم تطويع الجهاز العسكري فيبطشون بالديمقراطيين والأحرار وأهل الحداثة. وتبقى هذه الاستنتاجات محض افتراء و مرآة لصدور تحقد على أبناء جلدتها ومقوّماتهم الحضارية والتاريخية.
وبعد أن ترك الإيحاء وقراءة ما في النفوس والرجم بالغيب، أطلق لقلمه العنان في توصيف مجموعات سلفيّة وقاعدية تتلمذت على أيدي الإخوان المسلمين في كلا القطرين وأصبحت أجنحة طالبانية تحارب بها خصومها. و ادّعي أنّ الحكام الجدد لم يجرّموا أعمال السلفية والجهاديين ولكنّهم هبّوا على جناح السرعة لنقد التدخل الفرنسي في مالي. وقد تكون هذه التعلاّت الأخيرة آخر الوسائل التأثيرية على القارئ الفرنسي والافريقي والفرنكوفوني بصفة عامة. فهؤلاء القراء يعلمون جيدا أن الكاتب تونسي عربي فيشعرون بصدق المقولة والتحليل ويعلمون أنّ الكاتب قريب من ذلك الواقع فتكون نتائج استنتاجاته وبالا على البلاد والعباد.
و أختم بالقول أن كاتب الافتتاحية حاول بطرق شتى تشتيت أفكار القارئ وزرع مسمّيات وصفات تناقلتها وسائل الإعلام منذ عشرات السنين ودسّها في واقع جديد وقدر مكتوب لبلداننا العربية. وليعلم صديقنا أنّ ما صلح في الماضي القريب من ادعاءات وسموم إعلامية، لا يصلح للوقت الحاضر و للمستقبل القريب. فليشمّر الجميع على ساعد الكدّ والعمل فشباب اليوم في غنى على نصائح الفشل و الإحباط، وسوف يهتدون بإذن الله إلى منابع الخير والنماء دون عناء.




Commentaires


14 de 14 commentaires pour l'article 60486

Tunverite  (Tunisia)  |Samedi 16 Février 2013 à 19h 26m |           
الحمد لله أن "جون أفريك" هي مجلة "الحثالة الفرنكوفونية" في تونس.. على كل، كانت ثورة ياسمين ثم انتشرت فأصبحت الربيع العربي و عندما تحوّلت إلى ربيع إسلامي "تقلّق" سي البشير و أمثاله و بدأ يفقد أعصابه.. ننصحه بتناول"ديجاستيف" بكثرة عسى أن يهظم ما هو آتي و أعظم !

Moncef  (Canada)  |Vendredi 15 Février 2013 à 22h 25m |           
Jeune afrique est à la liberté et la démocratie,
ce que el-jazeera est à l'islamisme radical, le terrorisme et le jihad aveugle!
el-jazzera parle t-elle des émeutes au bahrein jusqu'à hier??
m. bachir ben yahmed est un des tunisiens les plus objectifs et honnêtes dans leurs propos.
b.b.y. a raison avec la une de jf: ghannouchi a fait échouer la révolution tunisienne.

ECHOUHADA  (Tunisia)  |Vendredi 15 Février 2013 à 21h 01m |           
Jeune afrique a toujours parlé, dénoncé et dévoilé des secrets lorsque les autres se sont tus.

Kahlaoui  (Tunisia)  |Jeudi 14 Février 2013 à 19h 32m |           
Depuis quand ben yahmed etait tunisien....il a fait paraitre son journal en tunisie puis en italie puis et puisque il " s achete " c-a-d ben yahmed il a fait demeure a paris a épousé danielle et devenu français c-a-d pour la france rien que pour la france et ma connaissance il n a jamais fait la prison au contraire il etait ministre sous bourguiba a ce que je sache... donc il parle le langage du ministre francais de l interieur il n a jamais
etait pour les islamistes et ne le sera jamais je vous le garantie

Nouri  (Switzerland)  |Jeudi 14 Février 2013 à 18h 31m |           
C'est un journal qui cherche plus à survivre que de chercher la vérité.

SHARNY  (Tunisia)  |Jeudi 14 Février 2013 à 18h 01m |           
Béchir ben yahmed est notre mi-nationnal antoine sfeire

Observer  (Tunisia)  |Jeudi 14 Février 2013 à 17h 54m |           
La participation de l'état dans le capital de plusieurs organes médiatiques,dont celui ci,n'a jamais été examinée par le gouvernement alors qu'il s'agit d'une urgence,aprés une révolution!

Libre  (France)  |Jeudi 14 Février 2013 à 17h 32m |           
C'est ben ali le dictateur le pourri le pourri
qui a sauve' ce journal de la faillite
donc ne vous etonnez pas ainsi ce monsieur est devenu amoureux des dictateurs et des voyoux

Laabed  (Tunisia)  |Jeudi 14 Février 2013 à 17h 15m |           
السيد بشير بن يحمد لم يتجن على الاسلاميين و انما قدم وجهة نظره،بصراحة ما قاله فيه كثير من الصدق و الصراحة الموجعة و شخصيا توقعت الهجوم على شخص بن يحمد فاصبح عند هؤلاء الفرانكفوني و العميل و وووووووووو

Cactus  (Tunisia)  |Jeudi 14 Février 2013 à 16h 24m |           
Mr hatem, votre analyse est juste je vous assure que ce journal "jeune afrique" a vendu son âme depuis bien longtemps. maintenant, il ne critique plus les dictateurs, il a été acheté avec l'argent de leur publicité pour fermer sa sur tous leurs abus. d'ailleurs, je vous donne une info, ce journal a frôlé la faillite et c'est bien ben ali le dictateur qui l'a aidé à sortir de ses difficultés financières, en prenant une participation
très importante à l'augmentation du capital du groupe de béchir ben yahmed. la contrepartie, vous la connaissez, il y a une dizaine d'années que le journal ne critique plus la tunisie et il est vendu librement. ce qui a attiré mon attention concernant ce sujet, c'est la bêtise faite par les autorités tunisiennes, une participation au capital d'un groupe de presse étranger, financée par des entreprises publiques à hauteur de 1m dt chacune sans
aucune opportunité(tunisair, stb, bna, oct ;;;;). dossier disponible au ministère des finances.

Sayed  (Tunisia)  |Jeudi 14 Février 2013 à 16h 06m |           
البشير بن يحمد تركت مجلته من هاك العام الأعمى ومشى عليه المال و قعدلو الهبال .
c'st pas un francophone comme vous dites de lui c'est un francophile notoire , un extraverti , un déraciné. وهو على هذا المنوال منذ أثر من نصف قرن
و لا ينفع العقار فى ما أفسده الدهر

TITI2  (Tunisia)  |Jeudi 14 Février 2013 à 15h 48m |           
Jeune afrique est surtout lu en tunisie par les seuls "intellectuels" tels que surnommés par am taher hemila et le plus souvent pour la frime. ce qui est écrit dans l'éditorial de ben yahmed, ils savent dejà ce que c'est, étant les initiateurs...

Langdevip  (France)  |Jeudi 14 Février 2013 à 15h 34m |           
شوف الدنيا
ألعصفور إزقق بوه سي حاتم ينتقد في بشير بن يحمد ،ما كتبش سي حاتم عالغنوشي
وقت إلي كان متعاطف مع بن علي وقتها الظحيه و كبش اللفداء سي حمادي الجبالي
16 ربيع من حياتو عداها في سجون القهر من أجل تونس ،وقتها الغنوشي و مرزوقي
يتنعموا بلندن و باريز
excellent article bravo et bonne continuation
au service de la boucherie hallal

Sofiene2020  (France)  |Jeudi 14 Février 2013 à 14h 18m |           
J'ai lu un article de ce monsieur du jeune afrique il ya une grande période dans laquelle il décrit ben ali d'un vrai pro, un pro parce ce qu'il sait comment traiter les islamistes,

et dans cette article, il raconte comment il a rencontré ben ali dans son plais suite à une demande de ghannouchi,
bref, l'orientation de ce monsieur bachir est claire et ses sujets sur les islamistes manquent de crédibilité