كونية إعلان حقوق الإنسان، حقائق ومؤاخذات



بقلم حاتـــم الكسيــبـي

اعلم أنّ الإنسان كائن ميّزته كافّة الشّرائع والحضارات وجعلت منه العالم والمعلّم والمتعلّم. فقد حباه الخالق بعقل يحسن التّدبير ويحفظ الأفكار و الأحداث المستجدّة فيكوّن منهاجا و سبيلا يهتدي إليه كلّ متعلّق بالحياة و مباهجها. ولمّا كانت نشأة هذا الكائن طويلة نسبيا بالمقارنة مع باقي الكائنات، ارتأى الخالق أن يمدّه بفطرة متطوّرة يترعرع عليها ويبني على أساسها مستقبلا قد يطول أو يقصر. و من الميزات العظيمة في حياة هذا الكائن المكرّم بعقل متطوّر، انه توّاق إلى الحريّة في كامل تصرّفاته وحركاته وسكناته. فتراه ينشدها في يقظته وعند ركونه إلى النوم، وحتى في أعماله اليومية من أكل وشرب وكدّ وسعي للرّزق. فيشرد عن المجتمع كلّما رأى رأيا مخالفا له و يستقوي به كلّما تقاربت أفكاره مع قيم بيئته.
و اعلم أيضا أن نظرة سريعة لتوالي الحضارات على هذه الأرض كفيلة بطرح عدة أسئلة تجول في خاطرنا صباحا مساء. لقد توالت وتعاشرت حضارات قديمة وعريقة وساهمت بقدر ما في بناء الحضارة الإنسانية التي نعيشها اليوم، فنستطيع أن نعدّد على سبيل الذّكر الحضارة المصرية الضّاربة في القدم وحضارة المايا و الحضارات الإغريقية والصّينية والفارسية والرّومانية والهندية والعربية الإسلامية وغيرها كثير. فلنا أن نسأل عن غياب حقوق وقوانين ظهرت في تلك الحضارات وقد يراها العديد من الأخصائيين صالحة في عمومها إلي عصرنا وربما لأجيال وأجيال قادمة. ونسأل كذلك عن الحضور القويّ لقيم انتشرت وسادت في البلدان المنتصرة في الحرب العالمية الثّانية دون غيرها. ثم نطلب تفسيرا واضحا لدقّة وصف حقوق الإنسان بالكونية و تفضيلها دون غيرها بتلك الميزة.


اعلم أخي أنّ الكونية تعني في عموم معناها أزليّة الزّمن و امتداد الفضاء.ليشمل كافة الكواكب والنّجوم والشّموس والأقمار و المجرّات، فهو عبارة على ملايين الملايين من سنوات ضوئية يعسر تحديدها ويعجز الذّهن البشري المعاصر على مواكبة كنهها. ولعمري تلك الأوصاف لا تشمل ما يُعبّر عنه بحقوق الإنسان الذي عاش مئات أو آلاف السنين على كوكب ضئيل وصغير جدا اسمه الأرض، فأنتج فكرا نسبيا مرتبطا بتجربته وسير حياته على هذا الكوكب المسكون. فلتكن حقوق الإنسان أرضية أو عالمية فذلك مدى نجاحها ومبلغ علمها بعد التيقن من مصداقية تلك الحقوق وبراءة صيرورتها من الدنس الديني والاستعمار العقائدي الذي لوّح به الغرب منذ ما يناهز القرنين. ولكنّ أبناء جلدتنا نسوا جروح الماضي القريب والحقبة الاستعمارية الحالكة وانخرطوا في إيهامنا بمبادئ تعلّمناها منذ نعومة أظافرنا في المدارس والمعاهد. أبناء جلدتنا اتّبعوا خطى السيد الغربي المستعمر فتعلّقوا بكلامه وأفكاره ومسمّياته للأشياء وطريقة عيشه، فاتبعوه في أفراحه و أتراحه وحركاته وسكناته. لقد نسوا أن أجداد السيد الغربي نهلوا من علومنا وأخذوا من حضارتنا ولكنهم لم يغيّروا قيد أنملة ثقافاتهم و معتقداتهم بل أحيوا سنن أجدادهم وابتدعوا أعيادا و محافلا تجمعهم وتوحد صفوفهم.
اعلم أن الكونية لا تكون لغير الإسلام لأنه عقيدة و منهج حياة وشريعة منظمة للعالمين. هذه الكونية بانت واتضحت كلما تلونا آيات القرآن فتحدثك عن الإنسان والحيوان والجان والملائكة وسائر المخلوقات، وتبين الأحكام الشرعية في جل أوضاع الإنسان، وغيره من المخلوقات، من ولادة وحياة ثم موت وحياة برزخ ثم حياة أزلية يثاب فيها على أفعاله وينال الجنة أو النار. ربما يستلزم هذا الأمر قدر من الإيمان حتى نفقهه ولكنّه محفوظ في لاشعورنا نهرع إليه كلما ألمّ بنا ألم أو معوّقات فنستنجد بذلك البعد الغيبي دون تحفّظ أو عناد. ولعلّ عديد الأمثلة تجزم بأزليّة الزّمن وعظمة أبعاد الفضاء في الفكر الإسلامي القديم والحديث. فلقد تفرّد الإسلام بالحديث على نسبية الوقت (وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) واتّساع الكون (أَوَلَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا) ثم شرّع للنطفة والجنين فحفظه وأمّه بقوانين الحمل والعدّة ثم وليدا فشرّع له الرّضاعة وحسن التّسمية ثم يافعا فسنّ قوانين تربيته و تعلّمه ثم شابّا مكلّفا يعمل ويكدّ ويبني المستقبل فرعاه بقوانين عدّة تنظّم رزقه و زواجه وأبوّته وطلاقه وصحّته ومرضه وكل حالات حياته اليومية وعند المناسبات السارة والحزينة حتى يبلغ الرّفيق الأعلى وفي ذاك سنّ شعائر غسل الميّت ودفنه والتّرحم عليه. فمن يستحقّ لقب الكونية بعد كلّ هذا؟ وما يدفع الحقوقيون بمطالبة التأسيسي بالتنصيص على كونية منظومة حقوق الإنسان وهي نتاج ثقافة غربية أفلحت في بعض المجالات و.لكنّها فشلت في تحقيق أدنى قيم الإنسانية في غير بني جلدتهم. ولكل مشكك في هذا الرأي فلينظر ما فعل الأسبان مع المورسكيين والفرنسيون مع الانكليز و سكان القارة الإفريقية والانكليز مع الهنود والأمريكان مع الهنود الحمر والروس مع شعوب آسيا الوسطى وغيرها من الأمثلة. ثم لا تقل كان ذلك في الماضي وقد تغيّرت السياسات، فانّك تجد تدخّل الأمريكان في العراق وأفغانستان وتدخّل القوات الفرنسية في مالي لأكبر نسف لكونية حقوق الإنسان وعالميتها بل قد يصحّ أن يطلق عليها منظومة حقوق الإنسان الغربي أو الأوربي أو المسيحي فقط.




Commentaires


3 de 3 commentaires pour l'article 60429

Justmuslim  (Tunisia)  |Mercredi 13 Février 2013 à 16h 47m |           
لله درك مقال رائع هم لا يرون إلا الجنس الغربي ممثلا للإنسان أما باقي البشر و خاصة المسلمين لا تلتقطهم شاشات رادار حقوق الإنسان

Observer  (Tunisia)  |Mercredi 13 Février 2013 à 12h 17m |           
La population mondiale compte aujourd'hui 7,1milliards d'individus.
le jour ou la moitié de cette population(3,55milliards 1individu)votera pour la suprématie et la globalisation des lois internationales existantes aujourd'hui,c'est à ce moment là que nos chers élus et nos chères organisations pourront penser à consacrer cette suprématie dans dans la future constitution.
le peuple tunisien est libre,comme l'ensemble de la population de ce monde qui a le droit de remettre en cause des lois faites par des organisations parfois non innocentes.

Swigiill  (Tunisia)  |Mercredi 13 Février 2013 à 12h 07m |           
الكتابة هي انفتاح جرح ما.