نصرالدين السويلمي
''الشعب يريد إسقاط النظام'' تلك هي العبارة السحريّة التي أنتجتها الثورة التونسيّة ورفعها الشعب في وجه جلّاديه وتمكّن من طردهم، وسرعان ما أثبتت العبارة جدواها واجتذب سحرها بقيّة الشعوب فاستعملتها كأداة فعّالة في وجه الطواغيت، انتقلت هذه العبارة إلى مصر فاليمن فليبيا فسوريا وتمدّدت معزوفة الشعب يريد إلى أمريكا الشماليّة وأوروبا وأمريكا اللاتينيّة وآسيا ، حيث تسلّحت بها الجماهير المحتجّة على العولمة والمناخ وسياسات التقشّف والبطالة..
أن ترتقي النخب والفعاليّات والهيئات والجمعيّات والمؤسّسات والأحزاب والمنظّمات وجميع مكوّنات وخلايا المجتمع المدني إلى مستوى المفهوم المشبع لكلمة ثورة، ثم يريد أن تُصعِّد من ارتقائها إلى مستوى الاستثناء، فالثورة التونسيّة لم تأتِ نتيجة مقدّمات إقليميّة ودوليّة أنهكت النظام ورجّت الدكتاتوريّة وعرّتها وسحبت دعائمها ثم أغرت بها الشعب وحرّشت عليها الجماهير، بل على عكس ذلك تماما، فحين تحرّك الشعب التونسي كان المجتمع الدولي قد مدّد لنظام 7 نوفمبر في أشهر العسل ووقّع له في عقد العسل الثالث
وجهر من أمامه جميع الخطوط الحمراء، وكانت الأنظمة الغربيّة بسلطاتها الرسميّة وبمجتمعاتها المدنيّة تتحدث عن بن علي ومعجزته الاقتصاديّة ومقاربته الأمنيّة، وترشّحت تونس العهد الجديد وعن جدارة لتصبح أرض أفريكوم الموعودة، وأمام نظام دثّره الغرب ومَسَّكَته منظماته المدنيّة وشحنت رصيده الأدبي والأخلاقي وأصدرت له أحد أنظف البطاقات عدد ثلاثة في العالم، في هذا المناخ الذي يغري بالاستسلام والخنوع والرّضا المرّ، حدث الاستثناء وأُنجزت ثورة ضدّ السياق، ثورة تعسّفت على منطق التدرّج وعبثت بمفهوم الفرص السانحة وكسرت قاعدة المناخ السائد، وفي لحظات فارقة غَمَّرَت الإرادة الشعبيّة على الإرادة الدوليّة فاحتملتها وخبطتها واستنقذت منها مفاتيح قمرة القيادة، وانتهت الإرادة الدوليّة العملاقة إلى مسايرة وملاطفة إرادة شعب ذهب يستردّ حقه تحت شعار يا قاتل يا مقتول .
أن يحتفي الجميع بثورته، وأن يجتهد العامّ والخاصّ في تسويقها والاعتراف بسبقها والسعي إلى تصنيفها ضمن الأحداث التاريخيّة الضخمة وأن يوجد لثورته موطئ قدم في المحافل الدوليّة والجامعات والمقرّرات والنصوص والمعاجم، ويتشوّف الشعب إلى دفع ثورته باتجاه الفضاءات الأكاديميّة من أجل تثبيتها كحالة تاريخيّة والحثّ على التقاط المشهد من زواياه الأدبيّة والاجتماعيّة والسّياسيّة، ويملك شعبنا من المبرّرات ما يجعله يتباهى بثورة أنيقة غير معقّدة ليست فيها تأميمات ولا طرد سفراء ولا قطع علاقات ولا أحكام عرفيّة ولا محاكم ثورة وتفتيش، ثورة أحدثت القطيعة مع الظلم ولم تحدثه مع المحيط، إنّها الثورة الوحيدة في العالم التي لم يسعَ أصحابها لتصديرها ولم يرصدوا لها ميزانيّات ضخمة لإنشاء مراكز تمرّرها وتسوقها ولم تمشِ بها بعثاتهم التبشيريّة تحت غطاء الدبلوماسيّة ومراكز الأبحاث وأجهزة الإعلام ومنظّمات الإغاثة... إنّها ثورة لا تُصدّر ولا تلقن ولا تعلّب، هي ثورة تُستلهم فقط لا غير.
أن يتعاون نسيج بلاده بقواعده ونخبه على تسجيل براءة اختراعه للثورة العابرة في الزمن القياسي، فكلّ الثورات في العالم تقريبا أخذت وقتا كبيرا حتى تستقيم ثم تتعافى ومن ثم تقنع غيرها بجدوى استنساخها أو اقتفاء أثرها، أمّا الثورة التونسيّة وحين استنشقتها شعوب تفصل بينها وبين بلادنا آلاف الأميال كان الشعب التونسي مازال يستنشق رائحة الكريموجان ولجان حماية ثورته تطارد الفلول وتحرس الأنهج والأحياء والمرافق العامّة والخاصّة، إنّها الثورة المزروبة المستعجلة ثورة جامحة طامحة..، صحيح أنّ الحركة الإسلاميّة وبعض الوجوه الحقوقيّة واليساريّة لم تستسلم للطاغية وأبقت على شفق المقاومة، لكن في مجمل المشهد لم يستنسخ الشعب التونسي أنماط الثورة التقليديّة من تطلّع إلى العوامل الداخليّة والخارجيّة وتصيّد الفجوة وحشد الأسباب وتأهيل المجتمع واستجلاء اللحظة.. لقد اكتشفت الثورة التونسيّة أمرا خطيرا ودقيقا، ففي مقاربة سامقة بين الأقدار وحسّ الشعوب الوقّاد تفطن التونسيّون إلى حجر الزاوية فتداعت إليه الأجساد وتساقط دونه الشهداء وسالت الدماء، شعب ابتكر فلسفة الوثب على رأس الوثن، ثم مدّ الوصفة السحريّة على عجل إلى شعوب تترامى أذرعها تبحث عن القالب العجيب، دسّ المشهد التونسي في كفّ بعضها الوصفة، لغة شبه مشفّرة اعترت المنطقة العربيّة..هات هات.. هاك هاك.. وعدّي لغيرك.
أن يتمعن العالم في ثورته وأن ينتهي مؤرخو ومثقفو وأرباب الانقلابات العسكريّة الدمويّة وأفّاكو الحركات التصحيحيّة من تسويقها كثورات بعد أن حسمت ثورة الشعب التونسي الأمر وقامت بفكّ الارتباط بين الانقلابات العسكريّة المؤدلجة وبين الثورة القادمة من رحم القرى والأرياف والمدن والأنهج والشوارع والمنازل والمصانع ليس لها من رائحة إلا رائحة الجماهير، وليس لها من عرق إلا عرق الشعب وطعمها طعم البلاد، كل البلاد ... يبحث الشعب عمن يدافع عن هيبة ثورته وينأى بها عن الثورات الميكانيكيّة المعلّبة تحرّك الفوج الخامس نحو القصر، حاصرت الكتيبة السادسة للمشاة مبنى الإذاعة والتلفزة، توجّه ضبّاط الكليّة العسكريّة إلى مقرّ الإقامة الرسمي، حاصرت الدبابات مزرعة الرئيس، طوّقت فرقة من الكوماندوس مقرّ البرلمان .. بعد الشرعيّات المستمدّة من عكاظيات المدافع والنياشين والثكنات، ها هو الشعب التونسي يطلق سراح العالم العربي من جور ثورة الضبّاط إلى عدل ثورة الشعوب ومن ضيق ثورة الدبّابات إلى رحاب ثورة الجماهير.
أن يتبيّن أبناؤه الفوارق بين التجاذبات السّياسيّة المرحليّة وبين العبث بثرواته الماديّة والأدبيّة والأخلاقية ، يريد أن يتنازع ويتداول الفرقاء في كل ما هو زائل متحرّك متغيّر وأن يثبّتوا الأرصدة والقيم وأن يلحقوا الثورة بخزينة الثروة العامّة والتعامل معها كجوهرة تاريخيّة والتسليم بان حتميّة الإجماع حولها من الواجبات المقدّسة، ولا يجب أن يخضع بحال هذا الإنجاز التاريخي إلى مساجلات سياسيّة آنية، يجب إيجاد عقد اجتماعي ملزم لجميع الأطراف يحمي الثورة كقيمة وكإنجاز وكحدث تاريخي تجاوز المحليّة ليصبح قيمة إقليميّة وعالميّة، ويجب تجريم الربط بين أخطاء وتجاوزات أحزاب في السلطة والمعارضة وبين قيم الثورة الثابتة، ولابد من التوافق على أنّ الثورة أقوى بكثير من السلطة وأنّ كانت سلطة فاسدة غاشمة لأنّ الثورة أوجدت الصناديق التي ستعصف بهذه السلطة ولو بعد حين.

وحدهم السفهاء حين تخطئ الأحزاب أو السلطة أو الدولة يهرعون إلى الثورة يلومونها ويسبّونها وينتقصوا من جدواها، فالشعوب الذكيّة الواعية بطبيعة المرحلة الانتقاليّة عادة ما تركّز على هيبة الثورة قبل هيبة الدولة في مراحل البناء الأولى، لأنّ ثورة بشروط سليمة مع الوقت ستنتج حتما دولة مهيبة، والطبيب العاقل عندما ينتشل الورم بنجاح لن تحبطه بعض الجيوب عن متابعة العلاج والتمديد في فترة النقاهة.
أن يعود النظام سافرا كما كان بشحمه ولحمه بحدّه وحديده ولا أن يعود محتجبا مموّها يترصد في خبث يتحيّن السفور ويتحسّس لحظة الظهور الشامل ليجتاح ، ولا أن يعود منقّبا يتخمّر بالداخل، يتفاعل يلمّ شمله ويردّ غربة بعضه ويستنفر اذنابه ثم يثب كهيئته الأولى يوم 7 نوفمبر 1987.. الشعب يقول للتجمّعيين، نهبتم، أفسدتم، دمرتم، أبدّتم، شردّتم، عذّبتم، اغتصبتم، هتكتم، دنّستم، خطفتم، لفّقتم، هَجَّرتم، قتلتم... ومع ذلك لم ينصب لكم الشعب المشانق وقال لكم اذهبوا فأنتم الطلقاء، لقد مددتم رقابكم للمقاصل في استسلام ذليل لأقداركم ولما قابلكم الصفح الجميل سحبتم رقابكم وبسطم ايديكم وألسنتكم بالسّوء.. انتهوا خيرا لكم ، واعلموا ان العفو هو مبلغ طموح خلية الإجرام إذا وقعت وأسمى ما تصبو إليه العصابة إذا سقطت ، والشعب الذي يذهب بجلاّديه أبعد من العفو عنهم ويسعى لتاهيلهم بعد اذ أجرموا وهتكوا وجبت في حقه التكبيرات الأربع مع الحوقلة والاسترجاع .
''الشعب يريد إسقاط النظام'' تلك هي العبارة السحريّة التي أنتجتها الثورة التونسيّة ورفعها الشعب في وجه جلّاديه وتمكّن من طردهم، وسرعان ما أثبتت العبارة جدواها واجتذب سحرها بقيّة الشعوب فاستعملتها كأداة فعّالة في وجه الطواغيت، انتقلت هذه العبارة إلى مصر فاليمن فليبيا فسوريا وتمدّدت معزوفة الشعب يريد إلى أمريكا الشماليّة وأوروبا وأمريكا اللاتينيّة وآسيا ، حيث تسلّحت بها الجماهير المحتجّة على العولمة والمناخ وسياسات التقشّف والبطالة..
الشعب يريد
أن ترتقي النخب والفعاليّات والهيئات والجمعيّات والمؤسّسات والأحزاب والمنظّمات وجميع مكوّنات وخلايا المجتمع المدني إلى مستوى المفهوم المشبع لكلمة ثورة، ثم يريد أن تُصعِّد من ارتقائها إلى مستوى الاستثناء، فالثورة التونسيّة لم تأتِ نتيجة مقدّمات إقليميّة ودوليّة أنهكت النظام ورجّت الدكتاتوريّة وعرّتها وسحبت دعائمها ثم أغرت بها الشعب وحرّشت عليها الجماهير، بل على عكس ذلك تماما، فحين تحرّك الشعب التونسي كان المجتمع الدولي قد مدّد لنظام 7 نوفمبر في أشهر العسل ووقّع له في عقد العسل الثالث
وجهر من أمامه جميع الخطوط الحمراء، وكانت الأنظمة الغربيّة بسلطاتها الرسميّة وبمجتمعاتها المدنيّة تتحدث عن بن علي ومعجزته الاقتصاديّة ومقاربته الأمنيّة، وترشّحت تونس العهد الجديد وعن جدارة لتصبح أرض أفريكوم الموعودة، وأمام نظام دثّره الغرب ومَسَّكَته منظماته المدنيّة وشحنت رصيده الأدبي والأخلاقي وأصدرت له أحد أنظف البطاقات عدد ثلاثة في العالم، في هذا المناخ الذي يغري بالاستسلام والخنوع والرّضا المرّ، حدث الاستثناء وأُنجزت ثورة ضدّ السياق، ثورة تعسّفت على منطق التدرّج وعبثت بمفهوم الفرص السانحة وكسرت قاعدة المناخ السائد، وفي لحظات فارقة غَمَّرَت الإرادة الشعبيّة على الإرادة الدوليّة فاحتملتها وخبطتها واستنقذت منها مفاتيح قمرة القيادة، وانتهت الإرادة الدوليّة العملاقة إلى مسايرة وملاطفة إرادة شعب ذهب يستردّ حقه تحت شعار يا قاتل يا مقتول . الشعب يريد
أن يحتفي الجميع بثورته، وأن يجتهد العامّ والخاصّ في تسويقها والاعتراف بسبقها والسعي إلى تصنيفها ضمن الأحداث التاريخيّة الضخمة وأن يوجد لثورته موطئ قدم في المحافل الدوليّة والجامعات والمقرّرات والنصوص والمعاجم، ويتشوّف الشعب إلى دفع ثورته باتجاه الفضاءات الأكاديميّة من أجل تثبيتها كحالة تاريخيّة والحثّ على التقاط المشهد من زواياه الأدبيّة والاجتماعيّة والسّياسيّة، ويملك شعبنا من المبرّرات ما يجعله يتباهى بثورة أنيقة غير معقّدة ليست فيها تأميمات ولا طرد سفراء ولا قطع علاقات ولا أحكام عرفيّة ولا محاكم ثورة وتفتيش، ثورة أحدثت القطيعة مع الظلم ولم تحدثه مع المحيط، إنّها الثورة الوحيدة في العالم التي لم يسعَ أصحابها لتصديرها ولم يرصدوا لها ميزانيّات ضخمة لإنشاء مراكز تمرّرها وتسوقها ولم تمشِ بها بعثاتهم التبشيريّة تحت غطاء الدبلوماسيّة ومراكز الأبحاث وأجهزة الإعلام ومنظّمات الإغاثة... إنّها ثورة لا تُصدّر ولا تلقن ولا تعلّب، هي ثورة تُستلهم فقط لا غير.
الشعب يريد
أن يتعاون نسيج بلاده بقواعده ونخبه على تسجيل براءة اختراعه للثورة العابرة في الزمن القياسي، فكلّ الثورات في العالم تقريبا أخذت وقتا كبيرا حتى تستقيم ثم تتعافى ومن ثم تقنع غيرها بجدوى استنساخها أو اقتفاء أثرها، أمّا الثورة التونسيّة وحين استنشقتها شعوب تفصل بينها وبين بلادنا آلاف الأميال كان الشعب التونسي مازال يستنشق رائحة الكريموجان ولجان حماية ثورته تطارد الفلول وتحرس الأنهج والأحياء والمرافق العامّة والخاصّة، إنّها الثورة المزروبة المستعجلة ثورة جامحة طامحة..، صحيح أنّ الحركة الإسلاميّة وبعض الوجوه الحقوقيّة واليساريّة لم تستسلم للطاغية وأبقت على شفق المقاومة، لكن في مجمل المشهد لم يستنسخ الشعب التونسي أنماط الثورة التقليديّة من تطلّع إلى العوامل الداخليّة والخارجيّة وتصيّد الفجوة وحشد الأسباب وتأهيل المجتمع واستجلاء اللحظة.. لقد اكتشفت الثورة التونسيّة أمرا خطيرا ودقيقا، ففي مقاربة سامقة بين الأقدار وحسّ الشعوب الوقّاد تفطن التونسيّون إلى حجر الزاوية فتداعت إليه الأجساد وتساقط دونه الشهداء وسالت الدماء، شعب ابتكر فلسفة الوثب على رأس الوثن، ثم مدّ الوصفة السحريّة على عجل إلى شعوب تترامى أذرعها تبحث عن القالب العجيب، دسّ المشهد التونسي في كفّ بعضها الوصفة، لغة شبه مشفّرة اعترت المنطقة العربيّة..هات هات.. هاك هاك.. وعدّي لغيرك.
الشعب يريد
أن يتمعن العالم في ثورته وأن ينتهي مؤرخو ومثقفو وأرباب الانقلابات العسكريّة الدمويّة وأفّاكو الحركات التصحيحيّة من تسويقها كثورات بعد أن حسمت ثورة الشعب التونسي الأمر وقامت بفكّ الارتباط بين الانقلابات العسكريّة المؤدلجة وبين الثورة القادمة من رحم القرى والأرياف والمدن والأنهج والشوارع والمنازل والمصانع ليس لها من رائحة إلا رائحة الجماهير، وليس لها من عرق إلا عرق الشعب وطعمها طعم البلاد، كل البلاد ... يبحث الشعب عمن يدافع عن هيبة ثورته وينأى بها عن الثورات الميكانيكيّة المعلّبة تحرّك الفوج الخامس نحو القصر، حاصرت الكتيبة السادسة للمشاة مبنى الإذاعة والتلفزة، توجّه ضبّاط الكليّة العسكريّة إلى مقرّ الإقامة الرسمي، حاصرت الدبابات مزرعة الرئيس، طوّقت فرقة من الكوماندوس مقرّ البرلمان .. بعد الشرعيّات المستمدّة من عكاظيات المدافع والنياشين والثكنات، ها هو الشعب التونسي يطلق سراح العالم العربي من جور ثورة الضبّاط إلى عدل ثورة الشعوب ومن ضيق ثورة الدبّابات إلى رحاب ثورة الجماهير.
الشعب يريد
أن يتبيّن أبناؤه الفوارق بين التجاذبات السّياسيّة المرحليّة وبين العبث بثرواته الماديّة والأدبيّة والأخلاقية ، يريد أن يتنازع ويتداول الفرقاء في كل ما هو زائل متحرّك متغيّر وأن يثبّتوا الأرصدة والقيم وأن يلحقوا الثورة بخزينة الثروة العامّة والتعامل معها كجوهرة تاريخيّة والتسليم بان حتميّة الإجماع حولها من الواجبات المقدّسة، ولا يجب أن يخضع بحال هذا الإنجاز التاريخي إلى مساجلات سياسيّة آنية، يجب إيجاد عقد اجتماعي ملزم لجميع الأطراف يحمي الثورة كقيمة وكإنجاز وكحدث تاريخي تجاوز المحليّة ليصبح قيمة إقليميّة وعالميّة، ويجب تجريم الربط بين أخطاء وتجاوزات أحزاب في السلطة والمعارضة وبين قيم الثورة الثابتة، ولابد من التوافق على أنّ الثورة أقوى بكثير من السلطة وأنّ كانت سلطة فاسدة غاشمة لأنّ الثورة أوجدت الصناديق التي ستعصف بهذه السلطة ولو بعد حين.

وحدهم السفهاء حين تخطئ الأحزاب أو السلطة أو الدولة يهرعون إلى الثورة يلومونها ويسبّونها وينتقصوا من جدواها، فالشعوب الذكيّة الواعية بطبيعة المرحلة الانتقاليّة عادة ما تركّز على هيبة الثورة قبل هيبة الدولة في مراحل البناء الأولى، لأنّ ثورة بشروط سليمة مع الوقت ستنتج حتما دولة مهيبة، والطبيب العاقل عندما ينتشل الورم بنجاح لن تحبطه بعض الجيوب عن متابعة العلاج والتمديد في فترة النقاهة.
الشعب لا يريد
أن يعود النظام سافرا كما كان بشحمه ولحمه بحدّه وحديده ولا أن يعود محتجبا مموّها يترصد في خبث يتحيّن السفور ويتحسّس لحظة الظهور الشامل ليجتاح ، ولا أن يعود منقّبا يتخمّر بالداخل، يتفاعل يلمّ شمله ويردّ غربة بعضه ويستنفر اذنابه ثم يثب كهيئته الأولى يوم 7 نوفمبر 1987.. الشعب يقول للتجمّعيين، نهبتم، أفسدتم، دمرتم، أبدّتم، شردّتم، عذّبتم، اغتصبتم، هتكتم، دنّستم، خطفتم، لفّقتم، هَجَّرتم، قتلتم... ومع ذلك لم ينصب لكم الشعب المشانق وقال لكم اذهبوا فأنتم الطلقاء، لقد مددتم رقابكم للمقاصل في استسلام ذليل لأقداركم ولما قابلكم الصفح الجميل سحبتم رقابكم وبسطم ايديكم وألسنتكم بالسّوء.. انتهوا خيرا لكم ، واعلموا ان العفو هو مبلغ طموح خلية الإجرام إذا وقعت وأسمى ما تصبو إليه العصابة إذا سقطت ، والشعب الذي يذهب بجلاّديه أبعد من العفو عنهم ويسعى لتاهيلهم بعد اذ أجرموا وهتكوا وجبت في حقه التكبيرات الأربع مع الحوقلة والاسترجاع .




Om Kalthoum - أنساك
Commentaires
16 de 16 commentaires pour l'article 59065