نصرالدين السويلمي
الصعود الرمزي لأنصار الجبهة الشعبيّة فوق المنصّة التي أعدّت خصيصا لاستقبال رئيس الجمهوريّة ورئيس المجلس التأسيسي المنتخبان عقب ثورة الكرامة وفي أول انتخابات تعدّديّة حرّة ونزيهة تشهدها تونس عبر تاريخها، هذا الصعود وإن كان يحكمه التهريج ويميل إلى الحمق وينحو باتجاه الغباء إلا أنّه يكشف الرغبة الجامحة الهائجة المدمّرة لهؤلاء الذين أبطأت بهم شعبيّتهم في الوصول إلى السلطة أو حتى أطرافها عبر الوسائل المشروعة، وذابت هممهم وتداعت بدل الاجتهاد والمثابرة في إعادة بناء هيكلهم الحزبي ليرتقي إلى ثقة الشعب فلجأوا إلى الطرق الإلتفافيّة التي لا تخضع لمصفاة الشعب والتي يمكن أن يصلوا من خلالها إلى السلطة، فإن أمكنهم القفز على مؤسسات الدولة كان بها وإن لم يكن فحرقها وذلك جهد المقل.
بالعصي والحجارة والتحريض والتثبيط والتهويل واستئجار أصحاب السوابق، وبالتجرّد من الحدود الدنيا لمشاعر الوطنيّة وما تتطلّبها من مسؤوليّة، وبالاستنجاد بذروة الوقاحة واللؤم تمكّنت بعض رموز الجبهة الشعبيّة من الوصول إلى سدّة المنصّة باستخدام العنف الشديد، لعلّنا أمام نموذج مصغر للهدف المأمول، هي بروبة عبارة عن انقلاب جنيني استعدادا للانقلاب الكبير، بنفس الهروات التي استعملت في بطحاء محمد علي وبكمّ هائل من الحجارة أُنزل الرئيس المنتخب من على موكب ثورة الكرامة، ترجّل المنصف المرزوقي وصعد ممثل الجبهة الشعبيّة مظفرا إلى المنصّة ليلقي كلمته في جماهير اليسار والفلول ثم ليتلقى التهاني من يساره المتقاطر منذ أيام على المدينة المُبتلاة.

ما حدث في بوزيد وضع حدّا لاحتكار الأشقاء المصريين لمصطلح حادثة المنصّة فاليوم وبفضل اليسار دخلت تونس إلى عوالم المنصّات بعد أن رفض الرفاق أن ينفرد الإسلاميّون بمثل هذه الحوادث وأصرّوا على أن تكون لهم منصّتهم الخاصّة وإن كان الفرق شاسعا بين منصّة جاءت بدوافع الدكتاتوريّة والتطبيع والاعتقالات والطغيان.. وبين منصّة جاءت بدافع الحقد على النجاح والإصرار على الفشل، منصّة فيها السّادات الذي جاء به العسكر فحكم بأحكام فرعون ومنصّة فيها المرزوقي الذي جاءت به مؤسّسات الشعب وحكم كمؤسّسة من مؤسّسات الدولة.
كانت دوافع الإسلامبولي وعطا طايل وفرج عبد السلام وعبود الزمر هو الانتقام من طاغية سَجن وعذّب واحتكر السلطة وطَبّع بشكل منفرد مع كيان هو عدو للأمّة وجلاّد لشعبه، بينما كانت دوافع بالعيد
والهمامي والعويني والماجري الإحباط من الشرعيّة والكره الأعمى للصناديق والكشوفات والصفوف والحبر السرّي وخاصّة الديمقراطيّة هذه الواحة الغنّاء التي تحوّلت إلى مصيبة نزلت بكلاكلها على الرفاق فأحالتهم على المعاش المبكّر، ديمقراطيّة طالما كفّر القيادي في تنظيم الجهاد عبود الزمر من يقول بها أو من يتبنّاها كخيار للتنافس على السلطة وما زالت به المراجعات حتى انخرط فيها واعترف بها كحكم بين الفرقاء السّياسيّين، بينما كفر بها بالعيد بعد أن تغنّى بخصالها طويلا وتبنّى ديمقراطيّة التصعيد الثوري بدل ديمقراطيّة التصعيد الشعبي.لقد كان اليسار المتطرّف وهو يحشد ويألب ويشحن الأجواء في بوزيد واعيا بما يفعل مقرّ العزم على المضي بعيدا في صنيعه غير عابئ بالنتائج الوخيمة التي قد يفضي إليها، استنفر أنصاره ولغم الأجواء وزرع الإحباط في محيط أنهكه الفقر وهدّه التهميش على مدى نصف قرن فتركه جاهزا للاستفزاز يستجيب بسرعة للتنفيس، يردّ الفعل كيفما كان وعلى أيّ كان، وضعت الجبهة المدينة في أجواء حرب بعد أن أوغلت الصدور ودفعت بأنصارها الذين قدموا من أماكن مختلفة ليحيطوا بأرجاء بالمنصّة ويقتربوا أكثر ما يمكن، تعمّدت شعارات ناريّة مجيّشة، جهزت أكوام الحجارة، تركت المجال مفتوحا على أمل أن يبرز شاب يحمل كفنه بين يديه ، ينهل ممّا نهل منه نصرالدين العلوي فيصوّب رصاصه نحو المنصّة ليثأر لضحايا إضراب الجوع ومئات المساجين والشريعة المغيّبة، لقد هيّأت الجبهة الشعبيّة وحلفائها مسرح الجريمة وأعدّت كل شيء وتركت اللمسة الأخيرة على أمل أن يبرز شاب سلفي غاضب فيطلق رصاصة الرحمة، هكذا تكون البلاد قد استسلمت للفوضى العارمة ودخلت النفق الموحش ، وارتاحت الجبهة الشعبيّة من هاجس الانتخابات والشرعيّة والديمقراطيّة ، وأتيحت لها فرصة ثمينة وربما طويلة ، حتى تواصل سياسة تمعّشها من التصعيد الثوري ، الذي مازال يتأرجح ، لا هو صعَد فارتاح ولا هو نزل فارتاحت البلاد من مصائبه.




Sabah Fakhri - ابعث جواب
Commentaires
12 de 12 commentaires pour l'article 58035