هل تتحالف النهضة والقوى الثوريّة مع التجمّع



نصرالدين السويلمي

بعض المصطلحات ومن فرط استعمالها في القبيح والمشين وتطويعها في الاتجاه السلبي أصبح مجرد التلفّظ بها يوحي بمقدّمات لا تحمد عقباها ، لعلّ منها وربما من صلبها مصطلح الغاية تبرر الوسيلة الذي شكّل على الدوام مطيّة سهلة للباحثين عن الحلول الجاهزة ولأولئك الذين يصنعون غايات وهميّة ثم يستعملون شتى الوسائل بما فيها تلك القذرة للوصول إليها.
تأتي الحركة الصهيونيّة على رأس من أبلى هذا المصطلح واستعمله بشكل مٌقيت خبيث، شكل تمجّه كل الشعوب والثقافات والمجتمعات الغير لقيطة، تلك التي تحمل بعض أصالة أو تحنّ لماض أصيل، فمن أجل الوصول إلى بناء الدولة الموعودة فوق أرض الرّبّ يوشع والتمكين لشعب الله المختار وحماية وجوده فوق تلك الأرض المختارة التي يسكنها الرّبّ الأرض التي وعد الله نبيّه يعقوب بها، ومن أجل تحقيق الوعد الإلهي الذي جاء في التلمود الواحد القدوس تبارك اسمه، قاس جميع البلدان بمقياسه ولم يستطع العثور على أيّة بلاد جديرة بأن تمنح لجماعة يسرائيل سوى أرض يسرائيل». وهي كذلك «الأرض البهيّة» التلمود، دانيال 11/16 ، وحتى يتجسّد ما قاله الرَّبُّ لأَبْرَامَ: اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. 2 فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً. 3 وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ سفر التكوين 12: 1-5 ، من أجل هذا الحشد من النصوص والوصايا التي قيل أنّه تضمّنها الكتاب المقدّس وبمباركة من الحاخام والرِبّ والجاؤون والمرن، وفي سبيل خلاص البشريّة وتطهير أرض الميعاد، نفّذ الصهاينة مجزرة بحر البقر ومجزرة دير ياسين ومذبحة الأقصى ومذبحة الحرم الإبراهيمي ومذبحة اللّدّ.. من أجل هيكل أورشليم فتحت عميلة الموساد الأشهر بيتها للدعارة واستقطبت بعض رجال السّياسة اللبنانيّين متسلحة بالصبر والسكينة ، كانت شولا كوهين تقرأ وردها، تتمّتم ببعض التعاويض وتستقبل السّاسة الزناة ثم تستسلم لِلَيلة حمراء من أجل عيون أورشليم، وبعد أن حققت نجاحات كبيرة وسريعة وسّعت شولا من وسائلها القذرة في سبيل غاياتها النبيلة واتخذت لها أكثر من خمسة بيوت دعارة في بيروت وحدها، جهّزتها الموساد بأحدث وسائل التجسّس من كاميرات مخفيّة ومكبّرات صوت والعديد من الأجهزة الأخرى التي أعدّت للغرض.


من أجل السعادة فوق أرض الميعاد أشرفت وزيرة الخارجيّة تسيبي ليفني على عمليّات اغتيال طالت قيادات فلسطينيّة وعربيّة، كما تناقلت بعض التقارير أنّها وخلال عملها لصالح وحدة النخبة أقامت علاقات جنسيّة مع العديد من السّاسة العرب، الذين نالوا من جسدها في حين نالت هي من أسرار دولهم وشعوبهم... المهم وفي المحصلة أنّ كل هذا الكمّ من الجرائم والقتل والغدر والدعارة.. هي وسائل خبيثة لغايات يشاع بأنّها نبيلة .

وقد كانت نوايا المستشار الإعلامي لهتلر جوزيف غولبز مخلصة وصادقة في خدمة الزعيم النازي ومن ثمّ ترسيخ سلطة العنصر الآري، هذا الرجل الذي تفنّن في قلب الحقائق وكان بارعا بل ساحرا في تحويل الكره والإبادة والعنصريّة إلى أعمال وطنيّة جليلة، حتى الهولوكوست وما يعنيه هذا المصطلح من كوارث ومأساة وقبل أن يطلق رسميّا على ما اقترفه هتلر في حقّ اليهود كان معناه الحرق الكامل للقرابين المقدّمة لخالق الكون وهي كلمة يونانيّة الأصل تمّ استدعاؤها وإسقاطها على جرائم أدولف هتلر، تلك الجرائم المبيدة والسائل المرعبة استعملتها النازيّة لاسعاد المجتمع الألماني ولإقامة الغاية المنشودة جمهوريّة العنصر الآري .

من أجل دولة الفقراء والبروليتاريا قتل الخمير الحمر ما يناهز 3 ملايين كمبودي واستعمل بول بوت ملايين من أطنان اللحم البشري ليعبر إلى دولة الكرامة، قتل ملايين البشر ودسّهم في المقابر الجماعيّة ليتركوا أماكنهم إلى ملايين المناجل والمطارق، أنهار من الدماء الحمراء استعملها الخمير وسائل لتحقيق دولتهم الحمراء النموذجيّة .

لم يتحدث أحد في شرف ونسب قطام بنت شجنة التي عشقها عبد الرحمن بن ملجم بل تحدثت الصحراء عن جمالها الفائق وما كان لأحد أن يأخذ على ابن ملجم سعييه الدؤوب خلف ترجمة حبّه لقطام بالزواج منها وفق كتاب الله وسنّة رسوله، لكن المصيبة أنّ هذا الهدف النبيل استعملت في سبيل تحقيقه أحد أقذر وأبشع الوسائل في التاريخ فكان مهر بنت شجنة جريمة كبرى هزّت الأمّة وأحدثت الفتنة وأغلقت باب الخلافة ودشّنت عصر الملك العضوض، لقد اقترف ابن ملجم جريمته التاريخيّة واغتال الإمام عليّ ابن أبي طالب من أجل إحياء سنّة الزواج ، تحت لافتة الغاية تبرر الوسيلة استحلّ ابن ملجم قطام باستحلال رأس الخليفة الراشد ربيب حجر النبوّة .

كلّ هذه الوسائل القذرة المقيتة التي استعملت عبر التاريخ البعيد والقريب لا يمكن أن نتحاشاها اليوم في تونس ونمرّ عليها دون وقفات عِبر واعتبار، خاصّة وأنّ الإشاعات المغرضة ما فتأت تتسرّب حول استعمال التجمّع وفلوله وعصاباته كوسائل قذرة من أجل الوصول إلى غايات يقال أنّها نبيلة ستحفظ بيضة الوطن وتحقق الرخاء وتلمّ الشمل، ولسنا ندري كيف يمكن أن تتحول المبيدات بين عشيّة وضحاها إلى بلسم وأدوية ومسكّنات، وكيف يمكن أن تتحالف قوى الثورة مع قوى الردّة وأيّ عقل يستسيغ تحالفا بين طرفي صراع عمره أكثر من نصف قرن، وكيف نتجاهل أنّ الثورة التونسيّة قامت في البدء والختام على فكرة شعب اقتحم غمار الموت من أجل التخلّص من الطاغية وجهازه، أي الانعتاق من ربقة الديكتاتوريّة برأسها وهيكلها، ببطنها وخصرها وأردافها وشحمها وأمعائها وفضلاتها وصديدها وحدّها وحديدها..، ومن العار أن ننحدر إلى هوس وكالات الإفلاس السياسي التي شيّعت الأفكار الثوريّة إلى مثواها الأخير وفكّت ارتباطها تماما بالثورة وذهبت تسوّق لتحالفات مشبوهة تحت مراسيم الواقعيّة والمنطق والحاجة والمرحلة والضرورة..


زُلَيم صغير وفُلَيل من فلول التجمّع البائد يروّج في بعض الجهات أنّ حركة النهضة بصدّد القيام باستشارة داخليّة حول التحالف مع التجمّع الجديد ، وإن كانت الإشاعة بضاعة الأزلام الأبدية فلعمري أنّه ليس أغبى من هكذا فكرة إلا الغباء نفسه، وإلا فهل يُعقل أن تعمد أسرة عريقة محافظة شريفة إلى فتح استشارة فيما بينها حول تحويل منزل العائلة الى طبرنة واستغلال الصالون الفسيح كمرقص بالليل ومائدة قمار بالنهار وتعقد صفقات مع بنات الليل لتدريب وتأهيل بناتها.

وإن كان لا خلاف في القاعدة الفقهيّة الضرورات تبيح المحظورات إلا أنّ القاعدة تستهدف تلك الضرورة المعلومة البيّنة وليس هدفها التوسّع في المحظورات لتحقيق ضرورات وهميّة ، ظنيّة ، ترجيحيّة لأنّ ذلك يصبح شكلا من أشكال التحايل البدائي الذي لا ينطلي على العباد فما بالك بربّ العباد، ولا شكّ في أنّ كل نفس ثوري حرّ يعلم علم اليقين أنّ الملوّث إذا خالط السليم لوّثه، والسواد إذا خالط البياض شوّهه وأنّه لا يصحّ بحال أن نسطو على أموال الناس لنبني المساجد ولا أن نستعين بالقاتل لنساعد ونواسي أهل القتيل.. وما أضخمها من خيبة تلك الدعوة الخسيسة التي تهدف إلى الاستعانة بالنفايات والقاذورات والفضلات ومخلّفات الخرطوش والقنابل المسيلة للدموع والقتلة وأدوات القتل والسرّاق والمجرمين والمنحرفين والانتهازيّين.. من أجل بناء الوطن، وكفى بها خيبة أن تعتقد حركة أو حزب عريق قدّم الغالي والنفيس خلال مسيرة نضاله أنّ مستقبله السياسي مرهون بالتحالف ذليل مع بُوبَالة وعشيرته.

إنّ كثيرا من الغايات وبعد أن ندفع في سبيل الوصول إليها ما بأيدينا وما أمامنا وما خلفنا ونجزي لها الكيل من مبادئنا ونقتطع لها من أحلامنا وثوابتنا وآمالنا وبعد أن نخسر من أجلها المودّة ونحصد العداوة وبعد أن تسقط أسهمنا ويتراجع محصولنا وتذبل نبتتنا بعد إذ أينعت،، بعد كل هذا نكتشف أنّها غايات وهميّة وأنّنا غرّبنا والغاية المنشودة شرقا، وأنّنا استعملنا وسائل شوّهتنا وساعدتنا في الذهاب بعيدا عن الغايات النبيلة المنشودة.


Commentaires


4 de 4 commentaires pour l'article 57264

Nejmeddine  (Tunisia)  |Jeudi 29 Novembre 2012 à 13h 46m |           
مع احترامي للكاتب لكني لم أفهم ماذا يريد ويبدو ان انتماءه المعروف للنهضة جعله مقيدا في الاسترسال في تحليله هذه هي مساوئ التحزب اذا لم نكن موضوعيين وانا اشاطر ملاحظة اوساماج في ان التحليل توقف لما بدأنا نقترب من توجيه النقد لحركة النهضة حيث يظهر لنا انها هي ايضا اصبحت تبرر الغاية الوسيلة وانظروا ماذا يقع الان في سليانة وأيضا حالات القرابة والاصدقاء وكأن طرابسية جدد اخذوا مكان القدامى

Ousamaj  (Tunisia)  |Jeudi 29 Novembre 2012 à 09h 38m |           
نص رائع و ممتاز و سيكون أكثر روعة و جمالا لو أتم الكاتب النحرير تحليله ليصل إلى ما وصلت إليه الثورة التونسية، و دائما في الاتجاه الذي اعتمده الكاتب ، الغاية تبرر الوسيلة، ليصف لنا قدوم الانتهازيين الجدد من بلدان أسيادهم الغربيين بعد أن أعطتهم أمريكا الضوء الأخضر ووفرت لهم كل أسباب الأمن للرجوع إلى تونس و اقتسام الغنيمة، ، فهجموا على الكراسي و نصبوا أبناءهم و أبناء عمومتهم و أصهارهم و أحبابهم من الجهلة و المعقدين و الانتهازيين، و أسندت لهم
آلاف المليارات في صيغة أجور و منح بالوزارات و ما يسمى زيفا بالمجلس التأسيسي و الإدارات و الولايات و المعتمديات، و كان فعلا المهر غاليا جدا على تونس الجريحة، بالأمس القريب طلع علينا بن علي ذات صباح من نوفمبر 1987 ليقول تماما ما يقوله هذا المقال الآن، فلما اغتصب البلاد أطلق أصهاره و أقاربه و جلاديه ليسلبوا البلاد و يركعوا أبناء الوطن فكان ما كان من مآسي و آلام و اليوم يعيد التاريخ نفسه ولكن بسرعة هذا العصر المجنون فكأني بالمغتصبين الجدد لتونس
الحبيبة يريدون أن يغترفوا أكثر ما يمكن من خيرات تونس ومن أرزاق أبنائها الكادحين و كأنهم يعلمون علم اليقين أن أيامهم معدودة و أن عجلة التاريخ أصبحت سريعة جدا و أن غضبة الشعب آتية لامحالة فيا ويحكم من غضبة هذا الشعب

Deeply  (Tunisia)  |Jeudi 29 Novembre 2012 à 09h 29m |           
ما حكيتلناش عالإسلاميَين قدَاش تقاتلوا في بعضهم و قدَاش ماتوا بنيران صديقة

Moulahidh  (France)  |Jeudi 29 Novembre 2012 à 09h 10m |           
Article aussi nul et vide que son rédacteur... je n'ai vu aucun lien entre le titre, le texte, la photo et l'objectif d'une telle démonstration, soi disant intellectuelle..
peut être je ne sais pas lire entre les lignes, ou à travers les lettres.. mais là, c'est vraiment peine perdu.. deux lectures et aucune conclusion..
bonne chance la tunisie