منجي المازني
حي خالد ابن الوليد - منوبة
ذكرتني المواجهات التي حصلت مساء الثلاثاء 30 أكتوبر 2012 بين قوات الأمن والسلفيين بمواجهات الأسبوع الأول بعد هروب المخلوع زين العابدين بن علي بين رجال الأمن والمتظاهرين بشارع الحبيب بورقيبة بتونس العاصمة حيث لا فرق بين المواجهتين من حيث شدة المواجهات فيكفي أن أقول أني( بصفتي من متساكني حي خالد ابن الوليد ) لم أستطع أن أعود إلى منزلي من شدة المواجهات وكثرة الحواجز وتناثر الحجارة وانتشار الغازات المسيلة للدموع واضطررت في الأخير للمبيت بمنزل والدي الذي يبعد عن منزلي حوالي 800 م. ولكن هناك فرق جوهري بين الحدثين وهو أن المواجهات الأولى حدثت بين نظام أو بقايا نظام دكتاتوري وجماهير الشعب التي تريد إسقاطه أما المواجهات الثانية فقد دارت في ظل حكومة شرعية بين رجال الأمن وفئة متشددة وكان من الممكن تجنب هذه الأحداث.

فالحكومة الحالية هي حكومة منتخبة من طرف الشعب وهي تحرص قدر الإمكان على احترام القانون. فحسب علمي وما لاحظته على أرض الواقع لم تسع الحكومة لاعتقال أشخاص شاركوا في الاحتجاجات أمام السفارة الأمريكية لم يدانوا بأعمال سرقة أو أعمال تخريبية. فالسلفيون تعسفوا بعض الشيء على المحيط الذي يعيشون فيه. فبدعوى أن الحاكم الحالي لا يطبق الشريعة يسمح بعض السلفيين المتشددين لأنفسهم بالخروج عليه في بعض الأحيان وبمحاولة فرض رأيتهم على الناس وعلى المحيط ولو عن طريق القوة. ويذهب بعض المتشددين( وليس كلهم ) إلى أكثر من ذلك حيث يرون أنفسهم مسلمين أكثر من غيرهم ويعتبرون الحكومة ورجال الأمن الذين يحمونها كفارا وطواغيت لأنهم يعتقدون أنهم يحكمون بغير ما أنزل الله. فأثناء المواجهات بثوا من جامع النور، الذي يسيطرون عليه منذ مدة، نداءا وعبارات تحث على الجهاد ( حي على الجهاد -- قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار). وبعد هذا النداء ازداد عدد المتشددين وتجمعوا أمام المسجد حاملين السيوف والسكاكين والآلات الحادة ثم انطلقوا في اتجاه رجال الأمن واستمرت المواجهات والكر والفر بين رجال الأمن والمتشددين إلى غاية الثانية والنصف من صباح يوم الأربعاء.
إزاء هذه الوضعية لا بد من إبداء الملاحظات التالية :
1) يخيل إلي أن بعض المتشددين يعيشون خارج التاريخ بعقلية بدائية وبعقلية العصور الأولى.
2) يتواجد المتشددون من السلفيين في الولايات المهمشة والأحياء المهمشة ولا اثر لهم في الاحياء الراقية.
3) يحمل أغلب المتشددين مستوى تعليمي متوسط وفي الغالب لا يتعدى المستوى التعليمي لهذه الفئة التعليم الثانوي.
4) أغلب الشباب المتشددين (من 18 سنة إلى 40 سنة) الذين يندفعون لممارسة العنف هم عاطلون عن العمل وغير متزوجين.
5) في كل مجتمع يوجد متشددون بدرجات مختلفة وفي تونس لم يأت تشدد هذه الفئة من فراغ وإنما جاء نتيجة لسياسة تجفيف الينابيع التي سلكها المخلوع. ولذلك لم تبن هذه الفئة فكرها وتوجهاتها في ظل ظروف طبيعية. فالاستبداد والظروف المحيطة هما من صنعا هذه الفئة ووجها طريقة تفكيرها إلى التشدد. ومن الناس من يستطيعون تحدي الظروف المحيطة بهم ويصنعون أنفسهم ولكن هناك الكثير من الناس من يصنعهم الواقع ويأثر فيهم ولا يستطيعون الخروج منه. فكيف السبيل لمعالجة هذه الظاهرة ؟
بعض الأطراف يطالبون الحكومة باستعمال كل أنواع القوة لاجتثاث هذه الفئة المتشددة التي تحاول في كل مناسبة الخروج عن القانون ولكن الحل الدائم لا يمكن أن يأتي عن طريق القوة. صحيح أن القوة يمكن أن تسمح للحكومة بالسيطرة على الوضع إلى حين ولكن القوة وحدها لا يمكن أن تمدنا بحل دائم لهذه الظاهرة. فلا يمكن القضاء على ظاهرة، ساهمت عديد الأسباب في صنعها وانتشارها إلا بإزالة الأسباب نفسها. ولا بد للحكومة أن تسعى من خلال كل المؤسسات المعنية (وزارات: الشؤون الدينية – التنمية – الاقتصاد ...) لإيجاد حلول عاجلة للقضاء على تهميش عديد الأحياء والولايات ولإيجاد مواطن شغل لشباب هذه الأحياء ودمجه في المجتمع وفي مؤسسات المجتمع المدني وفك العزلة المضروبة عليه من عدة سنين. فلو توفرت لهذا الشباب الفرص والوظائف القارة لالتفت إلى تحسين وضعه الاقتصادي والاجتماعي والنفسي ولبدأ يفكر في تكوين أسرة وفي بناء منزل ولفكر ألف مرة قبل محاولة الهجوم على الدولة وعلى مقرات السيادة لأنه إن هم باستعمال العنف في هذه الحالة فإنه يعلم علم اليقين أنه سوف يخسر وظيفته ويهمل عائلته. أما إذا ظل الحال كما هو عليه فلن يحقق توازنه النفسي ولن يعشر بان له قيمة في المجتمع إلا إذا تهجم على أمريكا وعلى مؤسسات الدولة. فالمسألة هي نفسية واقتصادية واجتماعية بالأساس.
ولا يجب أن نقف في حدود تحسين الوضع الاقتصادي بل لابد من محاورة ومواصلة محاورة هؤلاء الشباب الذين يحملون فكرة غير ناضجة عن الإسلام. ولابد لعلماء الدين بالخصوص من الانخراط في محاورة هذه الفئة، حتى وإن كانت داخل السجون، ومحاولة إقناعها باجتناب التعصب والغلو والتطرف بعد عرض الإسلام الصحيح المعتدل الخالي من الغلو عليها.
حي خالد ابن الوليد - منوبة
ذكرتني المواجهات التي حصلت مساء الثلاثاء 30 أكتوبر 2012 بين قوات الأمن والسلفيين بمواجهات الأسبوع الأول بعد هروب المخلوع زين العابدين بن علي بين رجال الأمن والمتظاهرين بشارع الحبيب بورقيبة بتونس العاصمة حيث لا فرق بين المواجهتين من حيث شدة المواجهات فيكفي أن أقول أني( بصفتي من متساكني حي خالد ابن الوليد ) لم أستطع أن أعود إلى منزلي من شدة المواجهات وكثرة الحواجز وتناثر الحجارة وانتشار الغازات المسيلة للدموع واضطررت في الأخير للمبيت بمنزل والدي الذي يبعد عن منزلي حوالي 800 م. ولكن هناك فرق جوهري بين الحدثين وهو أن المواجهات الأولى حدثت بين نظام أو بقايا نظام دكتاتوري وجماهير الشعب التي تريد إسقاطه أما المواجهات الثانية فقد دارت في ظل حكومة شرعية بين رجال الأمن وفئة متشددة وكان من الممكن تجنب هذه الأحداث.

فالحكومة الحالية هي حكومة منتخبة من طرف الشعب وهي تحرص قدر الإمكان على احترام القانون. فحسب علمي وما لاحظته على أرض الواقع لم تسع الحكومة لاعتقال أشخاص شاركوا في الاحتجاجات أمام السفارة الأمريكية لم يدانوا بأعمال سرقة أو أعمال تخريبية. فالسلفيون تعسفوا بعض الشيء على المحيط الذي يعيشون فيه. فبدعوى أن الحاكم الحالي لا يطبق الشريعة يسمح بعض السلفيين المتشددين لأنفسهم بالخروج عليه في بعض الأحيان وبمحاولة فرض رأيتهم على الناس وعلى المحيط ولو عن طريق القوة. ويذهب بعض المتشددين( وليس كلهم ) إلى أكثر من ذلك حيث يرون أنفسهم مسلمين أكثر من غيرهم ويعتبرون الحكومة ورجال الأمن الذين يحمونها كفارا وطواغيت لأنهم يعتقدون أنهم يحكمون بغير ما أنزل الله. فأثناء المواجهات بثوا من جامع النور، الذي يسيطرون عليه منذ مدة، نداءا وعبارات تحث على الجهاد ( حي على الجهاد -- قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار). وبعد هذا النداء ازداد عدد المتشددين وتجمعوا أمام المسجد حاملين السيوف والسكاكين والآلات الحادة ثم انطلقوا في اتجاه رجال الأمن واستمرت المواجهات والكر والفر بين رجال الأمن والمتشددين إلى غاية الثانية والنصف من صباح يوم الأربعاء.
إزاء هذه الوضعية لا بد من إبداء الملاحظات التالية :
1) يخيل إلي أن بعض المتشددين يعيشون خارج التاريخ بعقلية بدائية وبعقلية العصور الأولى.
2) يتواجد المتشددون من السلفيين في الولايات المهمشة والأحياء المهمشة ولا اثر لهم في الاحياء الراقية.
3) يحمل أغلب المتشددين مستوى تعليمي متوسط وفي الغالب لا يتعدى المستوى التعليمي لهذه الفئة التعليم الثانوي.
4) أغلب الشباب المتشددين (من 18 سنة إلى 40 سنة) الذين يندفعون لممارسة العنف هم عاطلون عن العمل وغير متزوجين.
5) في كل مجتمع يوجد متشددون بدرجات مختلفة وفي تونس لم يأت تشدد هذه الفئة من فراغ وإنما جاء نتيجة لسياسة تجفيف الينابيع التي سلكها المخلوع. ولذلك لم تبن هذه الفئة فكرها وتوجهاتها في ظل ظروف طبيعية. فالاستبداد والظروف المحيطة هما من صنعا هذه الفئة ووجها طريقة تفكيرها إلى التشدد. ومن الناس من يستطيعون تحدي الظروف المحيطة بهم ويصنعون أنفسهم ولكن هناك الكثير من الناس من يصنعهم الواقع ويأثر فيهم ولا يستطيعون الخروج منه. فكيف السبيل لمعالجة هذه الظاهرة ؟
بعض الأطراف يطالبون الحكومة باستعمال كل أنواع القوة لاجتثاث هذه الفئة المتشددة التي تحاول في كل مناسبة الخروج عن القانون ولكن الحل الدائم لا يمكن أن يأتي عن طريق القوة. صحيح أن القوة يمكن أن تسمح للحكومة بالسيطرة على الوضع إلى حين ولكن القوة وحدها لا يمكن أن تمدنا بحل دائم لهذه الظاهرة. فلا يمكن القضاء على ظاهرة، ساهمت عديد الأسباب في صنعها وانتشارها إلا بإزالة الأسباب نفسها. ولا بد للحكومة أن تسعى من خلال كل المؤسسات المعنية (وزارات: الشؤون الدينية – التنمية – الاقتصاد ...) لإيجاد حلول عاجلة للقضاء على تهميش عديد الأحياء والولايات ولإيجاد مواطن شغل لشباب هذه الأحياء ودمجه في المجتمع وفي مؤسسات المجتمع المدني وفك العزلة المضروبة عليه من عدة سنين. فلو توفرت لهذا الشباب الفرص والوظائف القارة لالتفت إلى تحسين وضعه الاقتصادي والاجتماعي والنفسي ولبدأ يفكر في تكوين أسرة وفي بناء منزل ولفكر ألف مرة قبل محاولة الهجوم على الدولة وعلى مقرات السيادة لأنه إن هم باستعمال العنف في هذه الحالة فإنه يعلم علم اليقين أنه سوف يخسر وظيفته ويهمل عائلته. أما إذا ظل الحال كما هو عليه فلن يحقق توازنه النفسي ولن يعشر بان له قيمة في المجتمع إلا إذا تهجم على أمريكا وعلى مؤسسات الدولة. فالمسألة هي نفسية واقتصادية واجتماعية بالأساس.
ولا يجب أن نقف في حدود تحسين الوضع الاقتصادي بل لابد من محاورة ومواصلة محاورة هؤلاء الشباب الذين يحملون فكرة غير ناضجة عن الإسلام. ولابد لعلماء الدين بالخصوص من الانخراط في محاورة هذه الفئة، حتى وإن كانت داخل السجون، ومحاولة إقناعها باجتناب التعصب والغلو والتطرف بعد عرض الإسلام الصحيح المعتدل الخالي من الغلو عليها.




Hedi Jouini - عينك تقتل فيا
Commentaires
11 de 11 commentaires pour l'article 56165