مصب قلالة : نداء الوطن والعقل والضمير



بقلم الدكتور سليم بن حميدان

عندما بدأت أزمة مصب الفضلات بقلالة تخيم على جزيرة جربة بداية السنة الجارية 2012 لم يكن احد يتصور أن يبلغ الاحتقان وتتأزم الأمور إلى حد الانفجار الأكبر.
لقد كانت الروائح المنبعثة من المكان مؤذية جداً بل إنني لم اخف، أثناء معاينتي له أواخر شهر مارس، دهشتي من صبر الأهالي المجاورين له وقدرتهم العجيبة على تحمل أذى لم أقدر على تحمله ساعة من نهار.

كان نداء العقل لدى المعتصمين يومها واضحا حيث طالبوا بتحديد تاريخ محدد لغلق المصب وتخفيف الروائح الكريهة مقابل رفعهم الاعتصام.
في المقابل، كان تفاعل السلطات الجهوية والمركزية مع قضية المصب تكنوقراطيا جداً فلم يقع التعاطي بالجدية اللازمة مع المطلب الشرعي والمعقول لأهلنا بقلالة واكتفت، جميعها، بمحاولة معالجة أعراض الظاهرة دون السعي لمراجعة أسبابها العميقة مما أفضى إلى تفاقم الأزمة وتأجيل انفجارها بالشكل الدراماتيكي الذي شهدناه.

وفّر المعتصمون، عبر وفدهم المفاوض من عقلاء الجهة، للحكومة فرصة ذهبية ووقتا ثمينا لتفعيل الحل التكنوقراطي الذي تمسكت به وزارة البيئة حيث وافقوا على إمهالها ستة أشهر كاملة لإعداد الدراسات العلمية والميدانية اللازمة لتحديد الموقف النهائي من قضية غلق المصب وآماده الزمنية.
وقد توجت الجلسة الوزارية بمقر الحكومة بالقصبة في 12 افريل 2012 بمحضر اتفاق في الغرض راعى فيه الوفد المفاوض خصوصية الظرف الذي تمر به البلاد بمسؤولية وواقعية وحكمة واتزان عز نظيرها وبعزيمة منهم صادقة للنأي بقضيتهم عن التجاذبات ونزوعات الابتزاز والتوظيف السياسي.

للأسف الشديد، أوفى المعتصمون بوعدهم فأذنوا بالرفع الفوري للاعتصام وتلكأت سلطة الإشراف، في المقابل، عن الإيفاء بتعهداتها فلم تنجز المطلوب في الأجل المتفق عليه وظلت قريتنا الجميلة ذات الأصول الأمازيغية العريقة مشرعة النوافذ على الروائح الكريهة التي لا تليق بطابعها المتميز ورونقها السياحي الجذاب.

لم يبق للمعتصمين إذن سوى سلاح المقاومة المدنية للدفاع عن حقهم الإنساني والطبيعي في الهواء النقي /أي في الحياة/ فجددوا اعتصامهم بمرارة وأسى موفى شهر سبتمبر بعد أن تخلف الانجاز فخابت الآمال وعاد الاحتقان.

حاولت سلطة الإشراف مرة أخرى تدارك الأمور فاستعجلت اللجوء إلى تفعيل الحل الأمني حتى قبل الجلوس للتفاوض مع رئاسة الحكومة.
ولست أذيع سرا إذا أعلنت للأمانة والتاريخ بأنني عملت وسعيت لتجنب الحل الأمني قناعة مني بإمكانية فض الأزمة بالحوار لمعرفتي الشخصية بنزاهة المفاوضين ولطباع أهل القرية المشهود لهم بحب السلامة ودماثة الأخلاق ولين العريكة وطيب المعشر.

حضر الوفد يوم الخميس الرابع من أكتوبر إلى قصر الحكومة بالقصبة حاملا معه مطلب التعجيل بغلق المصب وضرورة وضع أفق زمني محدد للغرض، فكان ما أرادوا بعد أن دافعت عنه شخصيا وبكل قوة لدى السيد رئيس الحكومة الذي استجاب له مشكورا وعبر عن استيائه من التأخر في ايجاد حل مناسب حتى أن الجميع فوجئ بسرعة الرد واعتبر التعهد بالغلق في غضون سنة واحدة وقبل إعداد البديل، دراسة وتمويلا وانجازا، ثوريا بكل المقاييس.

عاد الوفد المفاوض إذن إلى معتصمي قلالة بقرار ثوري، تضمنه بلاغ حكومي رسمي، فرفعوا الاعتصام وفسحوا الطريق لمواصلة استغلال المصب في انتظار تركيز منظومة الاستغلال الموعودة ونهاية المعاناة.

غير أن فئة قليلة من المعتصمين رفضت القرار وتمسكت بالغلق الفوري مما اضطر السلطات الجهوية لتفعيل الحل الأمني باعتبار خطورة تداعيات هكذا موقف على الوضع البيئي الهش في جزيرة جربة.

لم يكن التدخل الأمني موفقا بالمرة حيث تشير أدلة وشهادات متظافرة اكدتها مصادر مسؤولة ومحايدة (ثلاثة من أعضاء المجلس التأسيسي تحولوا إلى عين المكان للمعاينة وتقصي الحقائق) إلى أن التطاحن جاء على خلفية إهانات لفظية واعتداءات غير مبررة بل ومتناقضة جذريا مع أخلاقيات الأمن الجمهوري المنشود، فقناعتي صميمية بأنه يمكننا في اغلب الأحيان إقناع بعض الشباب المتحمس بالحوار وترويضه بالحسنى.

مؤسف أن تؤول الأوضاع إلى ما آلت إليه يوم السبت 6 اكتوبر الذي حق أن نطلق عليه نعت الأسود ونعلن في ذكراه الحداد إذ لا فخر فيه بشيء ولا انتصار لأحد بل نكبة وطنية وخسارة للدولة وانفلات لغرائز الحقد والكراهية بين أبناء الشعب الواحد بوحشية ستخجل من ذكرها الأجيال.

مؤسف أيضاً أن يتوارى عقلاء القرية تاركين مكانهم إلى عنترية حولت الجزيرة كلها إلى مصب عشوائي كبير ينذر بكارثة بيئية وصحية تطال، لا سمح الله، كل مدنها وقراها.

لا مناص إذن من فتح تحقيق في الأحداث لتحميل المسؤوليات واستخلاص العبر وتقصي أسباب التوتر على أن يكون ذلك في أفق تحقيق السلم الاجتماعي والمصالحة بين الأهالي والأجهزة الأمنية، ولا يمكن بلوغ هذا الهدف السامي دون بث الطمأنينة بين الناس وتبليغ رسائل السلام والوفاق وتغليبها على استراتيجيات الشحن وخطابات التشنج والمحاسبة.

سأضطلع بدوري كاملا، كممثل للجهة ومسؤول حكومي، للتوفيق بين المطالب المشروعة واستحقاقات المصلحة العامة ولن تفل المصاعب ولا المكائد من عزائمنا ما دامت إرادة الخير
تحدونا ومشاعر التعاطف والمحبة والرفق بشعبنا تغمر قلوبنا وتملأ مآقينا.

حب هذه البقعة الخلابة من هذا الوطن الجميل وإرادة العيش المشترك فيه بأمن ووئام تقتضي اليوم منا كدولة استعادة المبادرة وتجذير مفاهيم المشاركة والحكم الرشيد، وكجماعة استنهاض الهمة وتفعيل قيم المواطنة والسماحة والرأي السديد.





Commentaires


8 de 8 commentaires pour l'article 55653

Slimano  (Tunisia)  |Dimanche 21 Octobre 2012 à 18h 40m |           
Ah bon ,il s'est donné un doctorat celui la aussi ,décidément ,nous avons le gouvernement le plus doctorisé du monde ,!!!!!!
à quand le prix nobel pour ces incendiaires ,jma3et maelfar9

Hannibaal  (France)  |Vendredi 19 Octobre 2012 à 21h 02m |           
@jerbi1980
vous confirmez par votre analyse le régionalisme de votre cher élu, pour votre gouverne, je suis d'une région beaucoup plus déshérité que la votre, notre pays a besoin maintenant d'hommes sages qui optent pour l’intégration au lieu de l'exclusion, qui tiennent un discours qui nous évitent des problèmes supplémentaires, maintenant votre discours nous enfonce dans les petites localité de djerba, de guellala à elmay, et demain vous allez
parler des quartiers, sachez que toute la tunisie souffre de problèmes similaires et la solution n'est pas certainement dans des débats stériles tel que vécu en ce moment, quant aux fameux élus ( et ca concerne tout le monde et de toutes les régions), c'est la compagne électorale qui s'annonce ni plus ni mois, je n'ai vu aucun qui traite les vrais problèmes de la nation et par conséquent les régions et toute la population, juste un exemple:
pourquoi vos chers élus n'ont rien dit sur le projet de la station de désallement qui est en arrêt depuis 2010? alors que l’île de djerba risque la pénurie d'eau dans 2 ans??? merci

Jerbi1980  (France)  |Vendredi 19 Octobre 2012 à 18h 39m |           
@hannibaal
tu fais le malin, mais t'as oublié qu'il est avant tout un élu de la région à l'anc, et c'est toute fait normale qu'il l'a défend et ça n'a rien de régionaliste (et pour ton info il est originaire d'elmaye et non de guellala)
vous créez au scandale dès qu'une région oubliée exprime son ras-le-bol des injustices qu'elle subit depuis des années, et maintenant vous voulez que mêm nos élus ne nous défendent pas !? vous auriez dis la même chose si l'élu était tunisois défendant tunis?

Hannibaal  (France)  |Vendredi 19 Octobre 2012 à 17h 20m |           
Je ne sais pas si cet article est écrit par mr ben hmidene le ministre ou le citoyen originaire de guellala ???
dans le premier cas, le devoir de réserve et de solidarité obligent mr le ministre de ne pas donner son "point de vue" de cette manière et de ne pas faire l'avocat d'une région ou d'une localité même si les revendications de cette localité sont tout a fait légitime !!!
dans le deuxième cas, je sens que ce monsieur par son discours populiste, régionaliste, et même ethnique est en train de compliquer le problème
c'est un comportement irresponsable, qui dénote à quel point nous sommes gouvernés pas des nullards!!!
c'est évident que sa majesté la ministre de l'environnement est une partie du problème et ne pourra jamais apporter la solution, mais monsieur le ministre qui intervient de plusieurs façons pour faire de la récupération politique
dans tout ça ou est monsieur le chef du gouvernement ???????????????????

Jerbi1980  (Europe)  |Vendredi 19 Octobre 2012 à 09h 45m |           
Djerba a était toujours concidéré comme une vache à lait!
qu'est ce qu'a gagné l'île du tourisme ? rien sauf la poubelle et la destruction de son équilibre écologique et social ! notre patrimoine se détruit de jours en jours !
l'état n'investit rien à djerba sauf du béton sur les plages pour encore gagner plus d'argent au détrément de l'île.
ces sommes colossales d'argent sortent de djerba au dernier centime, mais la poubel il faut qu'elle y reste !?

Saalih  (Canada)  |Vendredi 19 Octobre 2012 à 00h 58m |           
étrange! la tunisie est vraiment étrange! je perd mon latin!

2011mouwaten  (Tunisia)  |Jeudi 18 Octobre 2012 à 19h 32m |           
تدخلك جاء متأخرا نوعا ما...
وارجوك لا تقول اشياء لم تشاهدها انت بالعين المجردة
ولا تدافع عن الجرابة كما يقول المثل انصر اخاك ظالما او مظلوما

Amazigh467  (Tunisia)  |Jeudi 18 Octobre 2012 à 18h 49m |           

انعقد أمس مجلس وزاري مضيق لتدارس ملف قلالة فلا يذهب في اعتقادكم ملف التنمية بل ملف المصب العشوائي
وغدا وفد من 3 وزراء سيقدمون الى قلالة لالتبشير المواطنين بالمشاريع المزمع انجازها في المنطقة بل لمحاولة اعادة فتح المصب
قلالة هذه المدينة التي عانت من التهميش طيلة نصف قرن. وأنا في عمري هذا لم أر مشروعا أنجزته الدولة في المنطقة.
في السبعينات وقع انجاز خزانات الماء بعد انتزاع أراضي من سكان قلالة وآخر من تمتع بالماء في جربة هي قلالة بتدخل من والي مدنين أنذاك وهو أصيل قلالة
آخر من تمتع بالكهرباء هو قلالة مع العلم أن الخطوط الرئيسية لأسلاك الكهرباء تمر من قلالة في أراضي سكانها وكان تمتيع المنطقة بتدخل الوالي
أتذكر في الثمانينات في كل صيف ينقطع الماء على قلالة فقط والخزانات موجودة في قلالة.
الآن الماء المشبع بالسوفر (soufre) ذي الرائحة الكريهة يوزع لمنطقة قلالة.
المشاريع المنجزة قي قلالة: 1- في السبعينات أنجز مشروع "داصبيح" قيل أنه مشروع سياحي سينشط المدينة لكنه كان بؤرة فساد استفاد منه المستكرشون ونال المنطقة وبال الفساد والافساد فناضل المواطنون لغلقه.
2) مشروع المتحف وقيل متحف قلالة مشروع سياحي وسينشط المنطقة والنتيجة استفاد صاحب المشروع حتى استكثر اسم قلالة على متحفه فأصبح متحف التراث أما مدينة قلالة لم تستفد شيـءا من المتحف بل العكس أصبح وبالا على الحرفيين وأصحاب المحلات
3) مصب الفضلات: كأنه لايكفي ما أصاب المنطقة من خراب وتهميش حتى زادوا عليه هذا المصب.
هذه بسطة عن مشاريع الدولة التونسية لفائدة قلالة طيلة خمسين عـــاما.
أما المشاريع المفيدة فقد انجازها من طرف أهالي قلالة بمجهودهم وعرق جبينهم:
1- مدرسة تـــلات الابتدائية
2- مدرسة الفاهمين الابتدائية
3- المدرسة الاعدادية
وحتى المعهد الثانوي لم يكن لينجز لو لم يتبرع المواطنون بأكثر من هكتارين من أعز ما يملكون من الأراضي.
السؤال المطروح الذي بقي يؤرقني : بماذا استفادت قلالة من الدولة التونسية طيلة 50 عاما؟
me