بقلم الأستاذ أبولبابة سالم
ما أشرفكم ...هل تسكت مغتصبة قالها الشاعر الكبير مظفر نواب. تونس ليست أفغانستان و لن تكون كذلك , لم يكن في خاطري الكتابة حول موضوع الفتاة التي تمّ اغتصابها من بعض رجال الأمن فقد أسال حبرا كثيرا لولا أن استفزّني المقال المنسوب لفوزي مسعود. لقد تجاوز كاتب المقال جوهر الموضوع إلى بعض الهوامش الجانبية ليتحفنا باستعراض فقهي حول المرأة و كيفية خروجها من المنزل { صحبة محرم أم لا حسب فهمه للشريعة الإسلامية } , و حسب هذا التفكير فيجب على كل النساء اصطحاب أخ أو زوج أو أي محرم عند خروجها من منزلها و بالتالي تعطيل حياة الناس و تعقيدها مادام يرى في المرأة عورة و غنيمة جنسية للذّئاب البشرية . يبدو أن صاحب المقال لم يستوعب طبيعة الشعب التونسي من الناحية الأنتروبولوجية و الإجتماعية و الحضارية . تحدّثنا كتب التاريخ أن التونسيون منفتحون على الحضارات الأخرى منذ الأزمان الغابرة و يتفاعلون معها و ذلك ما يعبّر عنه بالتثاقف الحضاري باعتبارنا من الشعوب المتوسطية التي ترفض الإنغلاق و تطمح إلى تطوير فنون العيش عبر الإقتباس المتبادل. نجد في شخصية التونسي كل ملامح الشخصية المتوسطية التوّاقة إلى الحرية و التفاعل الخلاّق مع الآخر . هذه المميّزات ليست بدعة , ألم يقل الرسول الكريم الحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها فهو أحقّ بها . تحدّث صاحب المقال عن الفتاة المتضرّرة ليصفها ب فتاة الليل وهو وصف اتّخذ فيه صاحبه موقفا من القضية التي شغلت الرأي العام , ففتاة الليل بما يوحي به الوصف مستباحة و تستحقّ ما قد يحصل لها و لأسرتها وهو فهم غريب و عجيب و الأدهى من ذلك أنّه قال تداول عليها فردان و كأنّه يجهل صفتهما وهو لبّ الموضوع فمن قاما بجريمة الإغتصاب رجال شرطة مكلّفون بالحفاظ على حياة الأفراد و الدفاع عن أعراضهم و هم في خدمة كل المواطنين. لو حصلت الجريمة من أشخاص آخرين - وهو ما يقع يوميا – لما أحدثت كل هذا الجدل فمثل هذه
التجاوزات الخطيرة لا يمكن قبولها و لا تبريرها بعد الثورة و لا أحد ينسى أن الكثير من المناضلين تعرّضوا لمختلف أنواع التعذيب النفسي و الجسدي في سنوات الجمر و منهم وزير الداخلية الحالي .
أصبت بالدّهشة و أن أقرأ الرافضين للثورة هم حملة مشعل الثقافة الغربية و الفرنسية تحديدا , فأقول له : إنّ من فضح ممارسات العهد البائد لدى كل المنظمات الحقوقية العالمية هم هؤلاء الذين تصفهم بالرافضين للثورة فقد أسّسوا جمعيات و منظمات حقوقية عديدة للدفاع عن المضطهدين من مختلف التيارات السياسية حتّى تمّ تصنيف نظام بن علي الأكثر سوءا في مجال احترام حقوق الإنسان لدى منظمة العفو الدولية , و من ينسى ما تعرّضت له المناضلة الشرسة راضية نصراوي من تعنيف و سحل على الإسفلت و هرسلة بوليسية وهي تدافع عن ضحايا التعذيب , هل نسي هؤلاء مواقف سهام بن سدرين التي أحرجت الدكتاتور في الداخل و الخارج . من يتبنّى الثقافة الغربية { رغم الإختلاف في بعض الجزئيات } يؤمن بكونيّة حقوق الإنسان و يقدّس قيمة الحرية باعتبارها أساس تقدّم الشعوب و المجتمعات , إنّ القيود المعيقة للحرية و محاولة فرض نمط اجتماعي و ثقافي جديد عبر خطاب ديني سطحي هو إساءة للدين نفسه و من يتأمّل كيف تفاعل المسلمون الأوائل مع الشعوب غير العربية التي دخلت الإسلام و خاصة في الأندلس لأصيب بالدهشة من مقدار التسامح و عظمة الفهم المقاصدي للإسلام الذي كان يميّز أسلافنا فلم نجد مطلقا أي محاولة لتغيير ما عهده الناس في عاداتهم و تقاليدهم بل اعتبروا ذلك ثراء و تنوّعا . تونس ليست أفغانستان ولا الباكستان و شتّان بين ثقافة الكهوف و الجبال و ثقافة الشعوب الصانعة للحضارة , و شتّان بين ثقافة البدو و ثقافة الحضر و صدق الرسول الأعظم عندما قال : أمّتي في المدن و البعض في القرى فالإسلام نفسه قد انتشر في المدينة أكثر من مكّة . و للأسف الشديد يحاول بعض المتديّنين الهوّاة فرض نمط عيشهم على هذا الشعب بسبب فهمهم الحرفي للدين و لا يعلمون أنّ كل محاولة لتقييد مساحة الحرية هو خطوة نحو الدكتاتورية وهي مرفوضة تماما تحت أي مسمّيات سواء كانت باسم الدين أو الوطنية أو الإيديولوجيا .
تحدّث صاحب المقال عن هذه الفتاة فقال إنّها تستحق بصقة , وهي عبارة لا تليق بمن قالها خاصة أنّه لم يقلها لمن قاما باغتصابها وهما المستأمنين على أمن الناس.
إن دور الجمعيات و المجتمع المدني هو الدفاع عن الحريات و حماية حقوق الإنسان و احترام حرمته الجسدية و الضغط على السلطة لفرض القانون كما أنّ التشهير ببعض التجاوزات ضروري من أجل بناء تونس الحرّة و الديمقراطية .
في الختام , أرجو أن يتولّى القضاء توضيح كل حيثيات الموضوع و إطلاع الناس عن فحواه دون الرضوخ لأي ضغوطات سواء كانت من السلطة أو الشارع إن كنا نريد بناء قضاء مستقلاّ .
كاتب و محلل سياسي
ما أشرفكم ...هل تسكت مغتصبة قالها الشاعر الكبير مظفر نواب. تونس ليست أفغانستان و لن تكون كذلك , لم يكن في خاطري الكتابة حول موضوع الفتاة التي تمّ اغتصابها من بعض رجال الأمن فقد أسال حبرا كثيرا لولا أن استفزّني المقال المنسوب لفوزي مسعود. لقد تجاوز كاتب المقال جوهر الموضوع إلى بعض الهوامش الجانبية ليتحفنا باستعراض فقهي حول المرأة و كيفية خروجها من المنزل { صحبة محرم أم لا حسب فهمه للشريعة الإسلامية } , و حسب هذا التفكير فيجب على كل النساء اصطحاب أخ أو زوج أو أي محرم عند خروجها من منزلها و بالتالي تعطيل حياة الناس و تعقيدها مادام يرى في المرأة عورة و غنيمة جنسية للذّئاب البشرية . يبدو أن صاحب المقال لم يستوعب طبيعة الشعب التونسي من الناحية الأنتروبولوجية و الإجتماعية و الحضارية . تحدّثنا كتب التاريخ أن التونسيون منفتحون على الحضارات الأخرى منذ الأزمان الغابرة و يتفاعلون معها و ذلك ما يعبّر عنه بالتثاقف الحضاري باعتبارنا من الشعوب المتوسطية التي ترفض الإنغلاق و تطمح إلى تطوير فنون العيش عبر الإقتباس المتبادل. نجد في شخصية التونسي كل ملامح الشخصية المتوسطية التوّاقة إلى الحرية و التفاعل الخلاّق مع الآخر . هذه المميّزات ليست بدعة , ألم يقل الرسول الكريم الحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها فهو أحقّ بها . تحدّث صاحب المقال عن الفتاة المتضرّرة ليصفها ب فتاة الليل وهو وصف اتّخذ فيه صاحبه موقفا من القضية التي شغلت الرأي العام , ففتاة الليل بما يوحي به الوصف مستباحة و تستحقّ ما قد يحصل لها و لأسرتها وهو فهم غريب و عجيب و الأدهى من ذلك أنّه قال تداول عليها فردان و كأنّه يجهل صفتهما وهو لبّ الموضوع فمن قاما بجريمة الإغتصاب رجال شرطة مكلّفون بالحفاظ على حياة الأفراد و الدفاع عن أعراضهم و هم في خدمة كل المواطنين. لو حصلت الجريمة من أشخاص آخرين - وهو ما يقع يوميا – لما أحدثت كل هذا الجدل فمثل هذه
التجاوزات الخطيرة لا يمكن قبولها و لا تبريرها بعد الثورة و لا أحد ينسى أن الكثير من المناضلين تعرّضوا لمختلف أنواع التعذيب النفسي و الجسدي في سنوات الجمر و منهم وزير الداخلية الحالي . أصبت بالدّهشة و أن أقرأ الرافضين للثورة هم حملة مشعل الثقافة الغربية و الفرنسية تحديدا , فأقول له : إنّ من فضح ممارسات العهد البائد لدى كل المنظمات الحقوقية العالمية هم هؤلاء الذين تصفهم بالرافضين للثورة فقد أسّسوا جمعيات و منظمات حقوقية عديدة للدفاع عن المضطهدين من مختلف التيارات السياسية حتّى تمّ تصنيف نظام بن علي الأكثر سوءا في مجال احترام حقوق الإنسان لدى منظمة العفو الدولية , و من ينسى ما تعرّضت له المناضلة الشرسة راضية نصراوي من تعنيف و سحل على الإسفلت و هرسلة بوليسية وهي تدافع عن ضحايا التعذيب , هل نسي هؤلاء مواقف سهام بن سدرين التي أحرجت الدكتاتور في الداخل و الخارج . من يتبنّى الثقافة الغربية { رغم الإختلاف في بعض الجزئيات } يؤمن بكونيّة حقوق الإنسان و يقدّس قيمة الحرية باعتبارها أساس تقدّم الشعوب و المجتمعات , إنّ القيود المعيقة للحرية و محاولة فرض نمط اجتماعي و ثقافي جديد عبر خطاب ديني سطحي هو إساءة للدين نفسه و من يتأمّل كيف تفاعل المسلمون الأوائل مع الشعوب غير العربية التي دخلت الإسلام و خاصة في الأندلس لأصيب بالدهشة من مقدار التسامح و عظمة الفهم المقاصدي للإسلام الذي كان يميّز أسلافنا فلم نجد مطلقا أي محاولة لتغيير ما عهده الناس في عاداتهم و تقاليدهم بل اعتبروا ذلك ثراء و تنوّعا . تونس ليست أفغانستان ولا الباكستان و شتّان بين ثقافة الكهوف و الجبال و ثقافة الشعوب الصانعة للحضارة , و شتّان بين ثقافة البدو و ثقافة الحضر و صدق الرسول الأعظم عندما قال : أمّتي في المدن و البعض في القرى فالإسلام نفسه قد انتشر في المدينة أكثر من مكّة . و للأسف الشديد يحاول بعض المتديّنين الهوّاة فرض نمط عيشهم على هذا الشعب بسبب فهمهم الحرفي للدين و لا يعلمون أنّ كل محاولة لتقييد مساحة الحرية هو خطوة نحو الدكتاتورية وهي مرفوضة تماما تحت أي مسمّيات سواء كانت باسم الدين أو الوطنية أو الإيديولوجيا .
تحدّث صاحب المقال عن هذه الفتاة فقال إنّها تستحق بصقة , وهي عبارة لا تليق بمن قالها خاصة أنّه لم يقلها لمن قاما باغتصابها وهما المستأمنين على أمن الناس.
إن دور الجمعيات و المجتمع المدني هو الدفاع عن الحريات و حماية حقوق الإنسان و احترام حرمته الجسدية و الضغط على السلطة لفرض القانون كما أنّ التشهير ببعض التجاوزات ضروري من أجل بناء تونس الحرّة و الديمقراطية .
في الختام , أرجو أن يتولّى القضاء توضيح كل حيثيات الموضوع و إطلاع الناس عن فحواه دون الرضوخ لأي ضغوطات سواء كانت من السلطة أو الشارع إن كنا نريد بناء قضاء مستقلاّ .
كاتب و محلل سياسي




Fairouz - سهرة حب
Commentaires
30 de 30 commentaires pour l'article 54886