صورة من الواقع :الاطفال هل تفهمهم الثورة ؟



بقلم ابو قاسم

قبل ان يقتحم الاطفال عالم الثورة; او يقتتحمهم كانوا هم ايضا تحت وطأة الديكتاتورية ، فهم عايشوا الكهول ،الواقع الجديد ؟، كانوا منغمسين في حركاة لاندماج في المنظومة الاجتماعية التي تزين الاستبداد وتحافظ عليه ، وتقوم بادماج الاطفال وتكييفهم ليصبحوا جزء نشيط ، في مجتمع مريض ..يؤهلهم الكبار لسيرورة الخضوع والخنوع والولاء والطاعة والنفاق ويتم هذا الادماج عبر مؤسسات التنشئة المتعددة .لقد تبت المجتمع بعناية وبسابقية الاضمار اعداد المواطنين الصالحين ...


لقد كانت قيم الوطنية تمرر عبر احتفاء رياض الاطفال ببن علي الزعيم الكامل ولم يكن عالم الالوان ليخلو من هيمنة بنفسجية ، كما لم تخلو ايقاعات الحركة من رقصات الطاعة والذل المطلق لبن علي ، عبر الاحتفالات التي لا حد لها بالمناسبات الوطنية المجيدة ، بحضور المسؤولين الذين يغدقون القبلات اعجابا بالاطفال المبدعين في حمل صور بن علي واحيانا رموز العلم الوطني...

مازلت اذكر الايام الاولى لابنتي فاطمة الزهراء في الحضانة وهي لم تبلغ حولها الرابع ، لقد اخبرتني انها تخاف من شيباني الروضة . يومها حسبت انه احساس طارئ تجاه احد الكهول العابرين ، ولكني اكتشفت بعد ايام ان الشيباني المخيف هو بن علي . اكتشفت حكاية فطومة مع بن علي عندما كنت اتصفح جريدة عندما صاحت مشيرة الى صورة الرئيس بابا هذا هو شيباني الروضة... في تلك اللحظة ادركت ان الخوف مر الى فطومة عبر صورة مثبتة بواجهة الروضة تعلن سيطرة الرئيس على الوضع حتى في محاضن الاطفال.. والى اليوم لا ادري لماذا اخافتها هذه الصورة وهي لا تعرف بن علي اصلا .



وحديث الصور المرعبة احال ذاكرتي الى حادثة اشد خطرا حيث كنت اتجول مع احد الاصدقاء في سيارته في يوم رمضاني شتوي ، ولما اصطحبنا ابنه صاحب الحول السادس عائدا من المدرسة , صاح في وجه ابيه متسائلا عندما واجهتنا صورة عملاقة لبن علي تهيمن على المدى البصري مثبتة باحكام وعناية في قلب الشارع ، صاح يوسف ابن صديقي يسأل ابيه مشيرا الى بن علي : ابي هل هذا هو رئيس العصابة ؟ يوسف البريء لم يقصد ما ذهبنا اليه. هو فقط متأثر بافلام الصور المتحركة حيث لا تكون الصور الكبيرة المهينة الا للبطل ورئيس العصابة القوي.
وعلى ذكر الصور اسمحوا لي ان اقاسمكم بيت شعر يتيم قاله شاعر شعبي بعفوية حين دخل مكتب احد المسؤولين :
مشات ايامك يا بن علي ** نحّولك تصاورك **ما بقات كان ' الشّوفي '
ان الاطفال يتأثرون بافلام التلفزيون وصوره المتحركة ولكنهم ليسوا اقل تأثرا باخبار الجزيرة او حلقات مسلسل مكتوب وابطالها القدوة ،او القلابس او شوشو شوبيكي ، لو لو لوبيكي او كوميدي خالتي الحكومة الخوافة والزطلة او افلام الحركة والمسلسلات التركية ولا تفوتهم صور نشرات الاخبار مهما نظمنا مشاهدتهم التي يكبرون معها فهي بمثابة افتح يا سمسم او قصص الانبياء...او حكاية سندرلا...وبريسلاي وطرزان وزورو والكبتن ماجد بالنسبة لاجيال سبقتهم...
حديث الاطفال ، يردني حتما الى اولادي لذا لن اخف عنكم نادرة فاجأني بها ابني قاسم و هو لم يتمم ربيعه الخامس : دخلت بيتي مرهقا في جنح الظلام عائدا من العمل.. ولم اكن يومها على ما يرام لتزايد الخلافات مع رئيسي في العمل الذي اصبح لا يرتاح الي لان جماعة ممن ارأسهم احتموا بالمكيدة لاخفاء تقصيرهم الذي لم ارتضي السكوت عنه. لقد تمكنوا باساليب محكمة ان يقنعوا رئيسي اني ادبر انقلابا تدريجيا للاستحواذ على منصبه .. والله يعلم اني من ذلك براء.... لما عدت وجدت ابني قاسم يشاهد التلفاز وكان اهتمامه واصراره في ان اجيبه على سؤال محدد. لقد كان سؤالا غير منتظر ولم اتوقع البتة، ان يصدر عن طفل في سنه ،هذا السؤال ، وفي ذلك اليوم بالذات وانا على ذلك النحو من المزاج . لقد سألني بكل ثقة بالنفس وبالعربية الفصحى :
- هل ان الحياة بدون مسؤوليات اجمل ؟
لقد كانت المفاجأة كبيرة لان السؤال اكبر منه ولان مضمونه كأنه على صلة بدردشة كانت لي منذ قليل مع زميل لي مرتبطة بظروف العمل ... ظل قاسم يعيد السؤال وانا اقاطعه متوجها اليه باصرار:
- من طلب منك طرحه؟ مع من تحدثت ؟ كان يلح عليّ ان اجيبه على سؤاله هو اولا . وسألت امه المنشغلة بالمطبخ هل حدثته في امر ما ؟ فنفت ذلك وقالت انه يشاهد التلفزة منذ حوالي الساعة. ما زلت ابحث عن مسالك الفهم حتى اردفني بسؤال جديد .سؤال فلسفي اثار دهشتي:
- هل ان تحمل المسؤولية عقوبة؟
ولكن الامر قد هان بعد تمحيص ، لاني عرفت انه ربط ذلك السؤال بما قد تردد مني تجاهه في مناسبات تكررتحين كنت اطلب منه في مواضع أن يتحمل مسؤرليته وكان ذلك في سياق مقبول عموما...ومرتبط بخياراته ورغباته الطفولية...
وحتى نفكك ألغاز السؤال الفلسفي الاول ابشركم اني عرفت بعد بحث مضن ، ان ابني كان يشاهد بتركيز ملفا بقناة الجزيرة للاطفال حول المسؤوليات وواجبات الحياة والملف يطرح بلغة الراشدين الخشبية حيث يحاكي اطفال القناة فيصل القاسم...
اما اليوم وبعد الثورة فان قاسم اصبح في الصف السادس وكثرت اسئلته وتعمقت ، لقد سالني في ايام الثورة الاولى بعد هروب بن علي عن الاسلامفوبيا ولا قبل لي بمصدر الهامه ..الى ان تعددت اسئلته واصبح له حزبه الذي يعلق صوره على باب بيته . وحدث ان استقال من هذا الحزب وانتمى الى اخر فهو كابي هريرة المسعدي كل يوم على حال.. وكانت امه تنزعج من ثرثرته وتقمصه لادوار ليست من سنه...فهو يريد ان يعرف كنه النهضة وعمق السلفية ويريد ان يرى بنظارات المرزوقي ويرفض اسوة بحمى الهمامي... كل ذلك يرهقنا وهو طفل صغير..ولكن امه قلقة مما ال اليه حاله هذه الايام :
لقد عاد قاسم الذي لم يتمم حوله الثاني عشر من المسجد سلفيا خالصا ، حدث ذلك منذ ايام حيث وجدنا في دروس حفظ القرآن ملاذا آمنا يعزز اللسان ويرسخ الايمان ويقي من ضربة الشمس واهوال الشارع. لقد عاد قاسم متشبثا باشياء جديدة وله طلبات ربما تمنى ان تكون اوامر . لقد طلب نزع صورة جده رحمه الله المعلقة في بهو الصالة لان الصور حرام.وطلب من جدته عدم استعمال السبحة لانها بدعة وطلب مني ان اشتري له قميص . كما نصح امه ان تراجع موقفها من القرضاوي الذي تكن له الاحترام والتقدير منذ زمن طويل ...لا ادري كيف اصف لكم فزع امه وانزعاجها من وضع ابنها التي لم تستطع اقناعه بالوسطية السمحة ، واستغربت ام قاسم عدم تقديري لخطورة الوضع..
لقد اخبرتها بعد ايام ان قاسم قد ابدع في الرقص على بومزيود خلال عرس احد ابناءالجيران.وقد ارتحت لتناسق حركاته ولتصالحه مع جسده ولحرية حركته التي لم اظفر بها في سنه ولا فيما لحق من عمري . وفي وضعية اخرى اراني شديد الانزعاج من ادمانه على الالعاب الالكترونية بعد ان منعت عليه الفايس بوك..وقاسم الان يرقص وينحاز للبلاي ستايشن ويحفظ القرآن ويصلي التراويح ويثرر بدون انقطاع وبطريقته حديث السياسة ولهو الاطفال فيه تداخل وفوضى ,كأنه يتقمص الة التحكم عن بعد عندما تتواتر القنوات بلا انتظام وبتناقض ما بين الدروس الصوفية والافلام الجنسية وبينهما اختلافات لغو السياسة كما يراها التلفزيون.
قاسم يحب الخير ويكره الشر ولم يفقد ملائكة الطفولة..
ولكن امر الخير والشر اختلط علينا فكيف لا يختلط عليه..اسأل الله ان يحفظ اطفالنا...




Commentaires


1 de 1 commentaires pour l'article 53907

Mak159  (Tunisia)  |Jeudi 06 Septembre 2012 à 11h 27m |           
Bravo, excellent article