بقلم: شكري بن عيسى (*)
المرزوقي، لا شك، كان مساء أمس عقلانيا وايجابيا في كلمته الى الشعب التونسي والرأي العام الدولي.
وهذا مطلوب في هذا الوقت الدقيق، لمحاولة تجاوز حالة التصدع داخل الترويكا التي انعكست سلبا على المشهد الوطني الهش أصلا خاصة مع اقتراب المحطات الحاسمة للانتقال نحو مؤسسات الحكم الدائمة.
المرزوقي بعد تأجيله الكلمة، في مرة أولى، تجاوز الانفعال والتشنج والقرارات الارتجالية وتعامل من مركز رئاسة الجمهورية المتزن وبنبرة البرغماتية والواقعية واعلاء المصلحة الوطنية والمصالح المشتركة وروح التوافق وتغليب منطق الحوار.
المرزوقي لم يتردد في الاعتراف بوجود أزمة داخل الائتلاف الحاكم وأشار الى رفضه الاحادية و التغوّل ومخالفة العهود والاتفاقيات الدولية والابتعاد عن توصيات المنظمات الحقوقية وخرق مبادىء حقوق الانسان.

الحل لا بديل عنده اليوم الاّ بالعودة الى الحوار، والمهم هنا هو الاقرار بضرورة توسيعه ليشمل كل الاطراف الوطنية، وفي ذلك اشارة أولا الى تعثر الترويكا في تامين استحقاقات المرحلة وثانيا في فشلها في ايجاد القواعد اللازمة لفض مشاكلها وثالثا الى تغيّر رؤية المرزوقي الشخصية من رئاسة كانت مقيدة بالترويكا الى رئاسة تستوعب كل القوى الوطنية، هذا زيادة الى حاجته الشخصية للاطراف من خارج الترويكا لتحقيق توازن الرئاسة.
المرزوقي اذ تحدث أيضا بخطاب الحقوقي مركزا على ضرورة اعلاء الحقوق الخاصة مرتبة دستورية ثابتة، فقد استرجع روح الثورة مرجعا المعركة والاستحقاق الى مركزه الأصلي بعدم السماح لـ الفلول التي تطاولت على دماء الشهداء بالعودة والتسلل من الشباك بعد ان اخرجهم الشعب والثورة من الباب. الفلول التي نهبت البلاد وزيفت الانتخابات وعذبت عشرات الالاف من التونسيين والتونسيات ، هم اعداء الثورة الحقيقيين ووجب فعلا استثمار وتوحيد كل الجهود لمنع عودتهم، والغالب ان المرزوقي يقصد هنا بالاساس حركة السبسي الذي اعترف بعظمة لسانه بالتزوير فيما مضى وتلاحقه عديد قضايا التعذيب والتصفيات السياسية واليوم أطل علينا مدعيا النصاعة السياسية ونهج الاصلاح.
محاربة الفقر والبطالة، أبرز مطالب الثورة، واثارتها البارحة فب الخطاب من قبله انما وعيا بأنها أم المعارك حتى لا يتم الانحراف بها الى قضايا جانبية وهامشية.
المرزوقي مر سريعا على قرار اعفاء محافظ البنك المركزي مرجئا الامر الى قرار المجلس التاسيسي صاحب السلطة في الغرض، مركزا بالمقابل على خارطة الطريق السياسية للمرحلة القادمة وعلى راسها استحقاق صياغة الدستور قبل اواخر اكتوبر القادم وامضاء العقد الاجتماعي في ذكرى 14 جانفي المقبل واجراء الانتخابات في شهر مارس 2013 وقبل ذلك جميعا احياء الهيئة المستقلة الدائمة للانتخابات.
الشرخ فعلا كان عميقا داخل الترويكا والمرزوقي كان مقتضبا وغامضا الى حد ما في جوهر الخلاف. الرسائل الخفية في المقابل كانت ذات دلالات بعيدة وخاصة تلك الموجهة للنهضة بامكانية فك الارتباط في صورة تكرر ما وصفها على لسان المعارضة بالقرارات الاقصائية بعد ان وضعها في اختبار حقيقي لمعرفة توجهها في موضوع اقالة مجافظ البنك المركزي، وبعد أن حصّن موقعه الجمهوري والشخصي بربح تعاطف ودعم المعارضة والمنظمات الحقوقية الدولية والوطنية.
استغلال الازمة للبناء وتحصين السلطة من الاحادية ونزعة الهيمنة والسيطرة، كان رأيا صائبا وتاجيل الحسم أيضا كان حكيما لما فيه المصلحة الوطنية والحزبية والشخصية فيه ايضا قراءة جيدة واستغلال أمثل من المرزوقي لحقيقة الواقع انطلاقا من معرفة كافية بنقاط القوة والضعف الذاتية والمخاطر والفرص التي يعرضها المحيط الوطني خاصة وانه حصل على تعهدات اعتبرها صادقة ووصلته اعتذارات اربعة وزراء من الحكومة.
الدرس المستخلص: امنح شريكك الفرصة لمراجعة خطئه فقد تسلط عليه ضغطا معنويا ورقابة ذاتية تستفيد منها انت ويستفيد منها هو أفضل ألف مرة من القطيعة الفظّة المفضية الى المجهول والخسارة للجميع.
غير أن الشرخ الحاصل بين الرئاستين وخاصة بين السي بي آر والنهضة يصعب في كل الحالات ردمه ببساطة.
ويبدو أن مرحلة التعايش أصبحت تعوض فعليا مرحلة الشراكة والتحالف وطبعا مع تغير في قواعد اللعبة بين كل الاطراف التي ازدادت خبرة ونضجا وعقلانية في الممارسة السياسية وهو ما سيعوض عمليا النتائج السلبية للشرخ الحاصل ويحقق على الارجح الحد الادنى من التوازن في نطاق ادارة مترابطة للمصالح المشتركة سواء لاستحقاقات المرحلة الانتقالية أو الاستحقاقات الانتخابية القامة.
(*) قانوني ومحلل سياسي






Dhekra - أنا شيفاه
Commentaires
8 de 8 commentaires pour l'article 51633