فرنسا انتخبت ''هولاند'' رئيسا... هل تتغيّر السّياسات باختلاف الرّئيس؟



بقلم فتحي الزغل

أُسدل السّتار البارحة على الانتخابات الرّئاسة الفرنسية باختيار ''فرانسوا هولاند'' رئيسا سابعا للجمهوريّة الخامسة في هذا البلد، و بحكم العدد الكبير من العرب و المسلمين المقيمين بها، و بحكم قربها الشّديد لمنطقتنا المغاربية، و بحكم وزنها في السّياسة الدّولية العامّة ... تُعتبر فرنسا و ما سيحدث فيها محطّ أنظار العديد من المحلّلين عند تغيير رئيسها، خاصّة إذا ما أتى التّصويت برئيس من حزب يختلف راديكاليا مع حزب الرئيس المغادر.
و في عمليّة جرد بسيطة بين الرّجلين و من خلال ممارسات ساركوزي في الحكم، و خطابات هولاند الانتخابيّة، يمكن القول بأن سياسة فرنسا الاجتماعيّة و الاقتصاديّة في طريقها للتّعديل إن لم نقل للتّغيير... فالمدرسة اليمينيّة التي ينحدر منها الرّئيس المتخلّي تتمايز في هذين المجالين - بل و تتناقض أحيانا عند بعض المفاصل - عن المدرسة اليساريّة الاشتراكيّة القادم منها الرّئيس المنتَخب. و لعلّ ما يهمُّني كعربي مسلم مهتمّ بالشؤون الدّولية هو انعكاس السّياسات التي ينتهجها الرّئيس مهما يكن حزبه و توجّهه السياسي، على الإجراءات الخاصّة بالمهاجرين ووضعيّتهم في بلده، و مدى تمتّعهم هناك بحقوقهم الانسانيّة و الوطنيّة، و مدى إقرار تلك الإجراءات الخاصّة بالدّور الهـــام و المحوري لهذه الشّريحة الاجتماعية، الّتي تجد نفسها في أغلب الحالات ضيفة في بلد الهجرة و ضيفة في بلـــــــــدها، و ذلك لسوء حظّها لاقتصار وقت تواجدها بوطنها في أيّام العطل فقط. و من ثمّ فإن إجراءات الإدمــــاج و احترام الخصوصيّة هي من أولويّات اهتمامنا بأي رئيس أو سياسة في أيّ بلد في العالم.


و لعلّ ما شدّ انتباهي في صعود هولاند إلى الرّئاسة هو خلوّ الرّجل من تجربة الحكم أصلا... فقد صعد إلى الرئاسة عبر صعوده في حزبه. و شذّ بذلك عن قاعدة الارتقاء في المسؤوليات قبل الحلول بالرّئاسة. مع ما يثيره هذا الارتقاء من نقاط استفهام عن خبرته الإداريّة و التّرتيبية. و لعلّي أجد شبها هذه الأيام بينه و بين الإسلاميين الذين وصلوا إلى الحكم في دول الرّبيع العربي بالانتخابات مثله... إلاّ أنّ تجربة الحكم تلك تعوزهم.
أمّا في السّياسة الخارجية ... فقد علّمتنا التّجارب مع البلدان العريقة في الدّيمقراطية، أن تغيّر شخص الرّئيس لا يغيّر سياستها الدّولية جذريّا... لأنّ الرّئيس في تلك النّظم، هو مؤسّسة متفاعلة مع مؤسّسات عديدة أخرى ينتهي أخذ القرار بينها بطريقة مركّبة تعتمد المصلحة الوطنيّة. و تختلف مع ما نعرفه – أو على الأقلّ ما عرفناه قبل الثورات - في نظمنا العربيّة المتخلّفة التي يعدّل فيها كل مسؤول داخل و خارج البلد تصرّفاته، و تصريحاته، و ما يحبّ، و ما يكره، على ساعة انفعالات الزّعيم و هواه.
و في نظري، بقدر ما يختلف الرئيسان في المدرسة السياسية فإنهم لن يتناقضا رأيا في أمّهات القضايا الدولية، فهكذا قضايا لن تعتمد على الانفعال و عن الواحديّة في الرأي... إلا أننا نستطيع أن نلمح تغييرا طفيفا في علاقة هذا البلد مع أوروبا مثلا، إذ كان ساركوزي أكبر سندا لهذا المشروع القارّي الضخم رغم بوادر فشله العديدة، لما يعطيه زخما قياديّا عالميّا يذكّي فيه روح الاستعراض التي تطبعه، و التي لا يغيب عن المحلّلين حبّه الشديد لها، رغم فراغ الرجل من مقومات الزعامة.
كما يمكن القول بأن السياسة الفرنسية في الشرق الأوسط – و هي السياسة التي تهمّنا قبل غيرها – هي سياسة يغلبُ عليها طابع الثبات، فمنحنى التغيير في هذه السياسة لم يشهد تحوّلا جذريّا أو انقلابا في البوصلة عبر الرؤساء الفرنسيين باختلاف مشاربهم الحزبية و الفكريّة. فهم إلى الكيان الإسرائيلي أقرب روحا و وجدانا منهم إلى العرب. رغم أنّ مصالح فرنسا مع العرب لا يمكن مقارنتها مع تلك التي تجمع هذا البلد الكبير بالكيان الإسرائيلي. إلاّ أنّ العرب هم الذين لم يُدركوا هذه المعادلة بعد، و أظنّهم لن يُدركوها في منظور العقد القادم من الزمن... الأمر الذي لن يؤثّر البتّة في السياسة الفرنسيّة نحو الكيان الصهيوني، إلاّ أنّي أعتقد أنّها ستشهدُ شيئا من التغيير، لأن الإسرائيليين خسروا ساركوزي لا شكّ في ذلك. حيثُ كان إيقاعه في شركهم لا يتطلّب منهم جهدا كبيرا. والرّجل قد ارتمى و انتهى في أحضـانهم حتى قبل ولوجه إلى الإيليزيه.... و تاريخ الاشتراكيين مع هذا الكيان أكثر استقلالا عن اليمينيين ممّن حكم فرنسا، رغم غياب المواقف الدّولية الشجاعة في هذا الصدد لدى الطّرفين.
و هنا نستطيع الجزم بأنّ أكبر الملفات التي تنتظر الرئيس هولاند في السياسة الخارجيّة، هو الملف السوري الذي أرّق المجتمع الدولي. و الملف الأفغاني و ما يحويه من تبعيّة فرنسا العمياء للولايات المتحدة الأمريكية. و الملف الإفريقي التي لم يعتن به ساركوزي العناية التي تستحقّ ، الشيء الذي أفقد فرنسا خلفيّتها التاريخيّة الإفريقيّة.لكن يبقى المُلاحظ بين الرئيسين، هو غياب القائد فيهما. القائدُ أو الزعيم الذي تعوّدنا عليه طيلة النصف الثاني من القرن العشرين. و لعلّي بفرنسا لم تشذّ بهذين الرجلين، عن موجة عالميّة ألمحها هذه الأيّام... إذ لم يصعد قائد - بمعنى القيادة الكلاسيكي للحكم - في جلّ البلدان في هذين العقدين. و أصبحنا نشاهد الجبّة أكبر من صاحب الجبّة... ففرنسا أكبر من ساركوزي حتما، و أراها أكبر من هولاند لا محالة.


Commentaires


4 de 4 commentaires pour l'article 49267

Tunisia  (France)  |Mardi 08 Mai 2012 à 15h 42m |           
Mon avis النسبة التي تتحدث عليها غير صحيحة ولا تعطي معلومات ليست ماكدة وهذا الحذيث هو حديث العنصريون الذي يخيفون به الفرنسيون المهجرين الذين يتمتعون بهده الحقوق هم القدم أما من استقروا بعد التسعنات فهم لا يتمتعون بنفس الحقوق لسبب بسيط هو انو الكاسة فارغه حتي علي المستوي العلاج المجاني هناك مراقبة شديدة .ولماذ تتهم المهاجرين فقط أنا إعرف كثير من الفرنسين من لم يعملوا قط في حياتهم ولا يعرفون ما معني tax d'habitation ou le tax audiovisieule
وهده النوعيةمن الناس هم الذين يسوقون هده الحكايات حلال عليهم حرام علي غيرهم ومن قال لك بان الحزب الأشتراكي سيفتح الخزائن ويعطي الهبات يمينا وشمالا وكيف استنتجت بان الأزمة الاقتصادية سببها المهجرين ؟ كلام فارغ ومستوي وضيع من إنسان حقود

MonAvis  (France)  |Mardi 08 Mai 2012 à 12h 48m |           
السلام عليكم
صدقوني فرنسا داخلة في حيط !!!!!!
بحكم أني مازلت جديداً في فرنسا، ولم آتها حباً فيها انما هي ضروف العمل، فإن نظرتي للأمور ستختلف كثيراً عن ما تعودتم سماعه من الجالية هناك
80 % من الجالية العربية في فرنسا يتهربون من الضرائب ولا يقرون بمداخيلهم ونصفهم يسجلون فالبطالة هم وأزواجهم وتجدهم يعملون بطريقة سرية !!!

المعروف عن الإشتراكيين أنهم يهتمون كثيراً بالأمور الإجتماعية ولا يحاربون مثل هذه الظواهر
والحال الآن أن فرنسا تعاني من الأزمة المالية بشكلٍ كبير !

أنا أبشركم بأن فرنسا سائرة على خطى إيطاليا وإسبانيا وربما اليونان

والسلام

Tunisia  (France)  |Lundi 07 Mai 2012 à 20h 54m |           
مقال رايع ومهني بحت أما عن سياسة فرنسا تجاه الشرق الأوسط سوف تتغير ربما ليس جذريا لكن مع الحزب الأشتراكي هناك كثير من الأشياء ستتغير بنسبة للوقت الحالي الحزب الفائز سينكب علي كثير من الملفات المعقدة وما يعيشه المجتمع من صعوبات علي كل المستويات من بطالة وغلاء الأسعار وإفلاس عديد الشركات فوز الحزب الأشتراكي سيوعيد لفرنسا مكانتها واعتدالها في سياستها الخارجية مع البلدان العربية بعدما تدهورت في عهد سركوزي ما لا يعرفه كثير من
الناس أن الشعب الفرنسي هو بطبعته مسالم ولا يحب اتدخل في شوون الغير كما لا يحبون من يتدخل في شوونهم و تعلقهم بقيمهم كبلد لحقوق الأنسان والحريات والأخلاق الأنسانية هذة القيم التي اندثرت مع سركوزي وحول نخبة اليمين المعتدل إلي يمين مطرف من أجل ذالك اختاروا هولند حبا في وطنهم وفي سمعته وبان لا يكونوا تابعين لاحد لا أمريكا ولا إسرائيل

Leila  (Tunisia)  |Lundi 07 Mai 2012 à 17h 55m |           
Article professionnel au vrai sens du mot.
bravo m. zgholl.