بقلم عبد الرزاق قيراط،
توجّه الكاتب و المفكّر المصري فهمي هويدي في إحدى مقالاته الأخيرة بنصيحة ثمينة إلى الإخوان المسلمين في مصر حين دعاهم إلى تجنّب تشكيل الحكومة القادمة لأنّ ذلك سيكون مغامرة غير مأمونة العواقب. و اختار هويدي العنوان مغامرة حكومة الإخوان للتعبير عن مخاوفه التي بنيت على جملة من المعطيات تعتبر أن تشكيل الإخوان للحكومة في الظروف التي تعيشها مصر اليوم ليس في مصلحة البلد، كما أنّه ليس في مصلحة الإخوان أو الحركة الإسلاميّة عموما . وأشار هويدي إلى قوًى تريد توريط الإخوان في كمين منصوب لهم، فصعوبة الموقف الاقتصادي تجعل المراهنة أكبر على إفشال مهمّة الحكومة، بما يراد له أن يؤدّي إلى قطع الطريق على أيّ دور للحركة الإسلاميّة في السلطة لعدّة عقود مقبلة، ليس في مصر وحدها ولكن أيضا في العالم العربي بأسره .

و اللاّفت في ما أوردناه أنّ ما يخصّ الشأن المصريّ ينطبق إلى حدّ كبير على الواقع التونسيّ. فقد كثر الحديث في الفترة الأخيرة عن كمائن مماثلة نُصبت للحكومة التونسيّة التي يرأسها حمّادي الجبالي الأمين العام لحركة النهضة من أجل إفشالها و تعطيل ما تريد إرساءه من إصلاحات. و أخذ أعداؤها في مراكمة الشكوك و الانتقادات قبل إعلانها وبعده، فندّدوا بالمشاورات التي استغرقت وقتا طويلا لتشكيلها ثمّ انتقدوا بيانها الذي لم يقدّم برنامجا واضحا و دقيقا ، وافتُعِلت أزمات و استُغلّت أزمات أخرى مطيّةً لمهاجمتها و اتّهامها بالفشل في التعامل مع مختلف الملفّات الطارئة ومنها مشكلة النقاب في الجامعة و ملفّ الصحافة و الإعلاميّين عموما، حتّى وصلنا إلى موجة الثلوج و الأمطار التي أغرقت مدنا في الشمال الغربيّ و ارتفعت معها أصوات جديدة من الغاضبين. و لكنّ الأزمة الأخطر على الإطلاق تخصّ التلاسن الذي جرى بين اتّحاد الشغل و حركة النهضة و الذي انتهى بمسيرة خرجت منادية بإسقاط الحكومة والنظام، وهي شعارات رُفعت قبل 14 جانفي ، و استعارتها في السياق المناهض لحكومة جاءت بها الانتخابات لا يخلو من دلالات خطيرة.
و قد لاحظ المتابعون خروج غالبيّة الأحزاب اليساريّة إلى جانب الذين جاؤوا لنصرة الاتّحاد في خصومته مع النهضة والحكومة بعد الإضراب الذي نفّذه عمّال النظافة. و هذا لم يكن مفاجئا، فقد دخلت تلك الأحزاب في حراك محموم منذ الإعلان عن نتائج الانتخابات، فكانت تساند كلّ المبادرات التي تنخرط معها في العمل على تصوير الحكومة بهيئة العاجز أو الفاشل أو المرتبك، و من تلك المبادرات بيان قايد السبسي الداعي إلى تغيير المشهد السياسيّ بدعوى أنّ الوضع العامّ في البلاد يتطلّب تدخّلا سريعا لتعديل المسار، و قد وجد البيان ترحيبا كبيرا من نفس تلك الأحزاب والشخصيّات التي سارعت هذه الأيّام إلى ساحة محمّد علي لوضع الأزهار و الأكاليل. و كما أسندت تلك الأحزاب هالة قدسيّة للزعيم الفذّ المنقذ قايد السبسي، فعلت نفس الأمر مع الاتّحاد العام التونسيّ للشغل فسمعنا منهم ما حوّل هذه المنظّمة _التي نحترم تاريخها طبعا_ إلى ما يشبه الكيان المقدّس الذي لا يمسّ.
و في نفس هذا الحراك، يجدر بنا الإشارة إلى تلك الجهود التي تبذل لتوحيد تلك الأحزاب الصغرى في تيّار كبير يوصف مرّة بالوسطيّ و مرّة أخرى بالتقدّميّ، و قيل مرارا إنّ قايد السبسي سيكون زعيما لحزب آخر يجمع أكثر ما يمكن من العائلات السياسيّة في قوّة قادرة على قلب الموازين في الانتخابات القادمة التي يطالبون بتحديد تاريخها ويدعون كمال الجندوبي إلى إحداث ما يستطيعه من الضجيج في الموضوع كأنْ يطالب بعودة هيئته إلى العمل في أسرع وقت استعجالا لإنهاء هذه الفترة المؤقّتة التي أوصلت الإسلاميّين إلى السلطة.
و الطريف في هذا الحراك أنّ مثيله يحدث في مصر حيث يجري الإعداد لتشكيل حزب جديد يكون بديلا مرشّحا لتسلّم السلطة بعد الفشل المرتجى لحكومة الإخوان حسب معلومات يؤكّدها هويدي في مقالته المذكورة، فتدفعه إلى القول: إنّ إدارة شؤون مصر في الفترة المقبلة ستكون أقرب إلى العمليّة الانتحاريّة، ما لم يتمّ التصدّي للمسؤوليّة بأكبر قدر من المهارة وأوسع إطار للمشاركة من جانب الطبقة السياسيّة والقوى الحيّة في المجتمع .
وبهذا القول يشير في حقيقة الأمر إلى التجربة التونسيّة فيشيد بها قائلا: وقد وجدنا في تجربة تونس أنّ حزب الأغلبيّة تحمل مسؤولية الحكومة، في حين كانت رئاسة الجمعيّة التأسيسيّة من حصّة حزب آخر، وتولّى رئاسة الدولة رئيس حزب ثالث. و لكنْ يبدو أنّ هذه الترويكا لم تقنع خصوم النهضة التي طلبت من الجميع أن يشاركوها العمل لتحقيق أهداف الثورة فخيّر بعضهم البقاء في صفّ المعارضة ليشاركوا في حراك آخر بدأت ملامحه تدعونا إلى توصيفه بالمغامرة أو المؤامرة.
و بذلك يتطابق المشهد المصريّ مع التونسيّ بفارق بسيط في العنوان، ففي مصر يخافون من مغامرة حكومة الإخوان بينما الخوف في تونس من مغامرة إسقاط الحكومة، ذلك أنّ إسقاطها لن يكون إلاّ في مصلحة أعداء الثورة لأنّه يمثّل عمليّة انقلابيّة شبيهة إلى حدّ كبير بما وقع في الجزائر حين أُبْطِلت نتائج انتخابات سنة 1992 بسبب فوز الإسلاميّين.
و الذين يعرفون ما وقع في الجزائر بعد ذلك يتمنّون ألف مرّة أن لا يسير التونسيّون في مثل تلك المغامرات والمؤامرات.
توجّه الكاتب و المفكّر المصري فهمي هويدي في إحدى مقالاته الأخيرة بنصيحة ثمينة إلى الإخوان المسلمين في مصر حين دعاهم إلى تجنّب تشكيل الحكومة القادمة لأنّ ذلك سيكون مغامرة غير مأمونة العواقب. و اختار هويدي العنوان مغامرة حكومة الإخوان للتعبير عن مخاوفه التي بنيت على جملة من المعطيات تعتبر أن تشكيل الإخوان للحكومة في الظروف التي تعيشها مصر اليوم ليس في مصلحة البلد، كما أنّه ليس في مصلحة الإخوان أو الحركة الإسلاميّة عموما . وأشار هويدي إلى قوًى تريد توريط الإخوان في كمين منصوب لهم، فصعوبة الموقف الاقتصادي تجعل المراهنة أكبر على إفشال مهمّة الحكومة، بما يراد له أن يؤدّي إلى قطع الطريق على أيّ دور للحركة الإسلاميّة في السلطة لعدّة عقود مقبلة، ليس في مصر وحدها ولكن أيضا في العالم العربي بأسره .

و اللاّفت في ما أوردناه أنّ ما يخصّ الشأن المصريّ ينطبق إلى حدّ كبير على الواقع التونسيّ. فقد كثر الحديث في الفترة الأخيرة عن كمائن مماثلة نُصبت للحكومة التونسيّة التي يرأسها حمّادي الجبالي الأمين العام لحركة النهضة من أجل إفشالها و تعطيل ما تريد إرساءه من إصلاحات. و أخذ أعداؤها في مراكمة الشكوك و الانتقادات قبل إعلانها وبعده، فندّدوا بالمشاورات التي استغرقت وقتا طويلا لتشكيلها ثمّ انتقدوا بيانها الذي لم يقدّم برنامجا واضحا و دقيقا ، وافتُعِلت أزمات و استُغلّت أزمات أخرى مطيّةً لمهاجمتها و اتّهامها بالفشل في التعامل مع مختلف الملفّات الطارئة ومنها مشكلة النقاب في الجامعة و ملفّ الصحافة و الإعلاميّين عموما، حتّى وصلنا إلى موجة الثلوج و الأمطار التي أغرقت مدنا في الشمال الغربيّ و ارتفعت معها أصوات جديدة من الغاضبين. و لكنّ الأزمة الأخطر على الإطلاق تخصّ التلاسن الذي جرى بين اتّحاد الشغل و حركة النهضة و الذي انتهى بمسيرة خرجت منادية بإسقاط الحكومة والنظام، وهي شعارات رُفعت قبل 14 جانفي ، و استعارتها في السياق المناهض لحكومة جاءت بها الانتخابات لا يخلو من دلالات خطيرة.
و قد لاحظ المتابعون خروج غالبيّة الأحزاب اليساريّة إلى جانب الذين جاؤوا لنصرة الاتّحاد في خصومته مع النهضة والحكومة بعد الإضراب الذي نفّذه عمّال النظافة. و هذا لم يكن مفاجئا، فقد دخلت تلك الأحزاب في حراك محموم منذ الإعلان عن نتائج الانتخابات، فكانت تساند كلّ المبادرات التي تنخرط معها في العمل على تصوير الحكومة بهيئة العاجز أو الفاشل أو المرتبك، و من تلك المبادرات بيان قايد السبسي الداعي إلى تغيير المشهد السياسيّ بدعوى أنّ الوضع العامّ في البلاد يتطلّب تدخّلا سريعا لتعديل المسار، و قد وجد البيان ترحيبا كبيرا من نفس تلك الأحزاب والشخصيّات التي سارعت هذه الأيّام إلى ساحة محمّد علي لوضع الأزهار و الأكاليل. و كما أسندت تلك الأحزاب هالة قدسيّة للزعيم الفذّ المنقذ قايد السبسي، فعلت نفس الأمر مع الاتّحاد العام التونسيّ للشغل فسمعنا منهم ما حوّل هذه المنظّمة _التي نحترم تاريخها طبعا_ إلى ما يشبه الكيان المقدّس الذي لا يمسّ.
و في نفس هذا الحراك، يجدر بنا الإشارة إلى تلك الجهود التي تبذل لتوحيد تلك الأحزاب الصغرى في تيّار كبير يوصف مرّة بالوسطيّ و مرّة أخرى بالتقدّميّ، و قيل مرارا إنّ قايد السبسي سيكون زعيما لحزب آخر يجمع أكثر ما يمكن من العائلات السياسيّة في قوّة قادرة على قلب الموازين في الانتخابات القادمة التي يطالبون بتحديد تاريخها ويدعون كمال الجندوبي إلى إحداث ما يستطيعه من الضجيج في الموضوع كأنْ يطالب بعودة هيئته إلى العمل في أسرع وقت استعجالا لإنهاء هذه الفترة المؤقّتة التي أوصلت الإسلاميّين إلى السلطة.
و الطريف في هذا الحراك أنّ مثيله يحدث في مصر حيث يجري الإعداد لتشكيل حزب جديد يكون بديلا مرشّحا لتسلّم السلطة بعد الفشل المرتجى لحكومة الإخوان حسب معلومات يؤكّدها هويدي في مقالته المذكورة، فتدفعه إلى القول: إنّ إدارة شؤون مصر في الفترة المقبلة ستكون أقرب إلى العمليّة الانتحاريّة، ما لم يتمّ التصدّي للمسؤوليّة بأكبر قدر من المهارة وأوسع إطار للمشاركة من جانب الطبقة السياسيّة والقوى الحيّة في المجتمع .
وبهذا القول يشير في حقيقة الأمر إلى التجربة التونسيّة فيشيد بها قائلا: وقد وجدنا في تجربة تونس أنّ حزب الأغلبيّة تحمل مسؤولية الحكومة، في حين كانت رئاسة الجمعيّة التأسيسيّة من حصّة حزب آخر، وتولّى رئاسة الدولة رئيس حزب ثالث. و لكنْ يبدو أنّ هذه الترويكا لم تقنع خصوم النهضة التي طلبت من الجميع أن يشاركوها العمل لتحقيق أهداف الثورة فخيّر بعضهم البقاء في صفّ المعارضة ليشاركوا في حراك آخر بدأت ملامحه تدعونا إلى توصيفه بالمغامرة أو المؤامرة.
و بذلك يتطابق المشهد المصريّ مع التونسيّ بفارق بسيط في العنوان، ففي مصر يخافون من مغامرة حكومة الإخوان بينما الخوف في تونس من مغامرة إسقاط الحكومة، ذلك أنّ إسقاطها لن يكون إلاّ في مصلحة أعداء الثورة لأنّه يمثّل عمليّة انقلابيّة شبيهة إلى حدّ كبير بما وقع في الجزائر حين أُبْطِلت نتائج انتخابات سنة 1992 بسبب فوز الإسلاميّين.
و الذين يعرفون ما وقع في الجزائر بعد ذلك يتمنّون ألف مرّة أن لا يسير التونسيّون في مثل تلك المغامرات والمؤامرات.





Lotfi Bouchnak - الحلم العربي
Commentaires
132 de 132 commentaires pour l'article 46303