منجي المازني:
مع الأسف الشديد كل النجاحات التي تحققت إبان الثورة لم تلامس قطاع الإعلام وخاصة الإعلام المرئي والمسموع. فثورتنا في واد وإعلامنا في واد آخر. فتلفزتنا التي كان من المفترض أن تكون دالة الشعب على مواطن الخلل بغية الإصلاح أصبحت تبحث جاهدة عن نقائص جانبية وأخطاء مفتعلة وشبهات هنا وهناك ثم التركيز عليها وتضخيمها والإشارة إليها وكأنها أصل المشكلة.
فهاهي تلفزتنا تشير ضمن نشرة الأخبار الرئيسية إلى أن منطقة سجنان من ولاية بنزرت أصبحت بين ليلة وضحاها إمارة إسلامية سلفية يحكمها السلفيون المتزمتون الذين لا هم لهم سوى قطع يد السارق! وتورد لذلك شهادات بعض المواطنين الذين شهدوا بأن بعض السلفيين المتطرفين أرادوا إقامة الحد على بعض المواطنين المتهمين بالسرقة، ولكنهم وبعد أن انكشف أمرهم فروا ولاذوا بالجبال!! بما يعني أن تلفزتنا تمدنا بنفس الحجج التي يوردها نظام بشار الأسد الذي يقتل في كل يوم ما بين عشرين وخمسين مواطنا ثم يلقي التهمة على من يصفهم بالمتطرفين الملثمين والذين سرعان ما ينسحبون في جنح الظلام.
فهذه التهم لم يصدقها الشعب السوري الذي لا يزال يناضل من أجل الإطاحة بالدكتاتور، فكيف نصدقها نحن، ونحن على مسافة عام من الإطاحة برأس النظام؟ فإعلامنا لم يتغير وبقي هو نفسه، وانتقل من مرحلة ما قبل 14 جانفي إلى ما بعدها بدون تغيير يذكر.
وتشير الممارسات والسلوكيات الإعلامية الحالية إلى أن رموز القائمين على الإعلام المرئي والسمعي ما زالوا لم ينخرطوا بعد في مسار الثورة، بل أكثر من ذلك هم يعملون ضد التيار وضد إرادة الجماهير من خلال تخويف الناس من الإسلاميين والتصدي للمسار الديمقراطي ومحاولة الانقلاب والالتفاف على الشرعية.
ونحن نحتفل بمرور سنة على الإطاحة بالدكتاتور تورد لنا التلفزة الوطنية استجوابات لبعض المواطنين، حيث يقول أحدهم لقد أنجزنا ثورة قبل عام، واليوم وبعد عام بدأنا نحس أن ثورتنا قد وقع الالتفاف عليها، ولذلك سنواصل العمل والنضال بكل ما أوتينا من قوة من أجل تصحيح المسار .
فمنذ بدأت أدرك ما سمعت ولا رأيت ولا قرأت في كتب التاريخ أن أغلبية وقع انتخابها التفت على الثورة وانقلبت على الشرعية. فالالتفاف يصدر من القلة وليس من الأكثرية المنتخبة.
كما لم تنس تلفزتنا تذكيرنا في كل نشرة إخبارية بأن حكومتنا المنتخبة هي حكومة مؤقتة، على شاكلة الحكومة المقالة في غزة، ورئيسنا المنتخب هو أيضا رئيس مؤقت. وربما نصبح نحن المواطنين بعد مدة وجيزة مواطنين مؤقتين!!
ثم تورد لنا التلفزة آراء لمثقفين لا يريدون تدخل الحكومة القطرية في السياسة التونسية وكأن قطر دولة استعمارية!!! ألم يعش هذا الإعلام حينا من الدهر تحت عباءة الرئيس المخلوع بن علي؟ فلماذا لم ينبس ببنت شفة طوال هذه الفترة؟ ولماذا لم يشر إلى تدخل المخابرات الأجنبية في قرارات النظام السابق؟ أم أن صحوة الضمير أدركته أخيرا وأراد أن يكفر عن ماضيه الأسود؟

لقد بينت الأحداث بما لا يدع مجالا للشك أن بعض الناس لديها صفة القابلية للاستعمار، كما يقول المفكر الجزائري مالك ابن نبي، وعليه فإن جماعتنا لا يمكنهم أن يؤسسوا لعلاقات تعاون وتآخي على قدم المساواة بين تونس وقطر بل يريدون أن يبقوا في خدمة سيدهم أو أسيادهم من الدول الاستعمارية يتلقون منهم الأوامر فيطيعون وينفذون.
لقد اتضحت الرؤيا وتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود. فبعد أن أيقن بقايا النظام السابق وبعض الأحزاب المتطرفة، التي لم تفز في الانتخابات، بأن هذه البيئة ليست بيئتهم وأدركوا أنه لن تقوم لهم قائمة إلا في ظل الاستبداد والفوضى عملوا على إشاعة الفوضى والإشاعات وتضخيم المسائل والأخذ بيد كل من أراد الاعتصام أو التظاهر، ولو بحسن نية، لأجل تحسين ظروف عيشه والحصول على عمل يحفظ له كرامته. فلم يتركوا فكرة أو طريقة إلا والتقطوها وحولوها إلى اعتصام ولم يتركوا اعتصاما أو احتجاجا إلا وأدخلوه إلى التلفزة.
فرؤوس الفساد المسلطة على القناة الوطنية من زمن المخلوع لا يهمها أن تدخل البلاد في الفوضى ولا يهمها أن يموت مائتا ألف شخص، مثلما وقع في الجزائر في التسعينات من القرن الماضي، ولكن المهم عندهم أن يبقوا هم في الواجهة أو من وراء الستار. يحكمون ويعيثون في الأرض فسادا واستبدادا.
وكما نلاحظ لم تجر إلى حد الآن دماء التغيير في قطاع الإعلام، المرئي بالخصوص. وهذا القطاع يحتاج لوحده إلى ثورة جديدة من أجل اقتلاع رؤوس الفساد المغروسة فيه والمسلطة عليه. ولن تكتمل فصول الثورة إلا باجتثاث بقايا النظام السابق من قطاع الإعلام الذين تسببوا على مدى خمس عقود في إنتاج ودعم منظومة الفساد والاستبداد. ولن يكون الإعلام حرا ونزيها وبناء إلا إذا تم تخليصه من هؤلاء الخونة والمجرمين والمفسدين.
وأدعو الجماهير إلى التظاهر والاحتجاج ليلا نهارا من أجل اجتثاث الداء الذي ينخر الإعلام والذي يكاد يصيبه بالشلل التام. فلقد أثبتت بعض الجراثيم المغروسة في هذا الجسم أنه لم يعد ينفع معها لا الأدوية ولا المضادات الحيوية وأننا نحتاج إلى عملية جراحية وعلى جناح السرعة لاستئصالها والقضاء عليها. فلا بد للجماهير أن تحسم أمرها في هؤلاء الخونة الذين لا يريدون الاستقرار لهذا الوطن. فالمخلوع لم ينخلع ولم يهرب يوم 14 جانفي إلا بعد تضحيات وبعد وقفة احتجاجية مشهورة يوم 13 جانفي أمام مقر وزارة الداخلية. فلا بد من وقفة أو وقفات احتجاجية قوية لطرد بقايا النظام البائد المتسلطين على الإعلام. فالذي ساهم في إشاعة الفساد وبناء الدكتاتورية لا يستطيع أن يساهم في بناء وطن حر.
المصدر- العرب أن لاين
مع الأسف الشديد كل النجاحات التي تحققت إبان الثورة لم تلامس قطاع الإعلام وخاصة الإعلام المرئي والمسموع. فثورتنا في واد وإعلامنا في واد آخر. فتلفزتنا التي كان من المفترض أن تكون دالة الشعب على مواطن الخلل بغية الإصلاح أصبحت تبحث جاهدة عن نقائص جانبية وأخطاء مفتعلة وشبهات هنا وهناك ثم التركيز عليها وتضخيمها والإشارة إليها وكأنها أصل المشكلة.
فهاهي تلفزتنا تشير ضمن نشرة الأخبار الرئيسية إلى أن منطقة سجنان من ولاية بنزرت أصبحت بين ليلة وضحاها إمارة إسلامية سلفية يحكمها السلفيون المتزمتون الذين لا هم لهم سوى قطع يد السارق! وتورد لذلك شهادات بعض المواطنين الذين شهدوا بأن بعض السلفيين المتطرفين أرادوا إقامة الحد على بعض المواطنين المتهمين بالسرقة، ولكنهم وبعد أن انكشف أمرهم فروا ولاذوا بالجبال!! بما يعني أن تلفزتنا تمدنا بنفس الحجج التي يوردها نظام بشار الأسد الذي يقتل في كل يوم ما بين عشرين وخمسين مواطنا ثم يلقي التهمة على من يصفهم بالمتطرفين الملثمين والذين سرعان ما ينسحبون في جنح الظلام.
فهذه التهم لم يصدقها الشعب السوري الذي لا يزال يناضل من أجل الإطاحة بالدكتاتور، فكيف نصدقها نحن، ونحن على مسافة عام من الإطاحة برأس النظام؟ فإعلامنا لم يتغير وبقي هو نفسه، وانتقل من مرحلة ما قبل 14 جانفي إلى ما بعدها بدون تغيير يذكر.
وتشير الممارسات والسلوكيات الإعلامية الحالية إلى أن رموز القائمين على الإعلام المرئي والسمعي ما زالوا لم ينخرطوا بعد في مسار الثورة، بل أكثر من ذلك هم يعملون ضد التيار وضد إرادة الجماهير من خلال تخويف الناس من الإسلاميين والتصدي للمسار الديمقراطي ومحاولة الانقلاب والالتفاف على الشرعية.
ونحن نحتفل بمرور سنة على الإطاحة بالدكتاتور تورد لنا التلفزة الوطنية استجوابات لبعض المواطنين، حيث يقول أحدهم لقد أنجزنا ثورة قبل عام، واليوم وبعد عام بدأنا نحس أن ثورتنا قد وقع الالتفاف عليها، ولذلك سنواصل العمل والنضال بكل ما أوتينا من قوة من أجل تصحيح المسار .
فمنذ بدأت أدرك ما سمعت ولا رأيت ولا قرأت في كتب التاريخ أن أغلبية وقع انتخابها التفت على الثورة وانقلبت على الشرعية. فالالتفاف يصدر من القلة وليس من الأكثرية المنتخبة.
كما لم تنس تلفزتنا تذكيرنا في كل نشرة إخبارية بأن حكومتنا المنتخبة هي حكومة مؤقتة، على شاكلة الحكومة المقالة في غزة، ورئيسنا المنتخب هو أيضا رئيس مؤقت. وربما نصبح نحن المواطنين بعد مدة وجيزة مواطنين مؤقتين!!
ثم تورد لنا التلفزة آراء لمثقفين لا يريدون تدخل الحكومة القطرية في السياسة التونسية وكأن قطر دولة استعمارية!!! ألم يعش هذا الإعلام حينا من الدهر تحت عباءة الرئيس المخلوع بن علي؟ فلماذا لم ينبس ببنت شفة طوال هذه الفترة؟ ولماذا لم يشر إلى تدخل المخابرات الأجنبية في قرارات النظام السابق؟ أم أن صحوة الضمير أدركته أخيرا وأراد أن يكفر عن ماضيه الأسود؟

لقد بينت الأحداث بما لا يدع مجالا للشك أن بعض الناس لديها صفة القابلية للاستعمار، كما يقول المفكر الجزائري مالك ابن نبي، وعليه فإن جماعتنا لا يمكنهم أن يؤسسوا لعلاقات تعاون وتآخي على قدم المساواة بين تونس وقطر بل يريدون أن يبقوا في خدمة سيدهم أو أسيادهم من الدول الاستعمارية يتلقون منهم الأوامر فيطيعون وينفذون.
لقد اتضحت الرؤيا وتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود. فبعد أن أيقن بقايا النظام السابق وبعض الأحزاب المتطرفة، التي لم تفز في الانتخابات، بأن هذه البيئة ليست بيئتهم وأدركوا أنه لن تقوم لهم قائمة إلا في ظل الاستبداد والفوضى عملوا على إشاعة الفوضى والإشاعات وتضخيم المسائل والأخذ بيد كل من أراد الاعتصام أو التظاهر، ولو بحسن نية، لأجل تحسين ظروف عيشه والحصول على عمل يحفظ له كرامته. فلم يتركوا فكرة أو طريقة إلا والتقطوها وحولوها إلى اعتصام ولم يتركوا اعتصاما أو احتجاجا إلا وأدخلوه إلى التلفزة.
فرؤوس الفساد المسلطة على القناة الوطنية من زمن المخلوع لا يهمها أن تدخل البلاد في الفوضى ولا يهمها أن يموت مائتا ألف شخص، مثلما وقع في الجزائر في التسعينات من القرن الماضي، ولكن المهم عندهم أن يبقوا هم في الواجهة أو من وراء الستار. يحكمون ويعيثون في الأرض فسادا واستبدادا.
وكما نلاحظ لم تجر إلى حد الآن دماء التغيير في قطاع الإعلام، المرئي بالخصوص. وهذا القطاع يحتاج لوحده إلى ثورة جديدة من أجل اقتلاع رؤوس الفساد المغروسة فيه والمسلطة عليه. ولن تكتمل فصول الثورة إلا باجتثاث بقايا النظام السابق من قطاع الإعلام الذين تسببوا على مدى خمس عقود في إنتاج ودعم منظومة الفساد والاستبداد. ولن يكون الإعلام حرا ونزيها وبناء إلا إذا تم تخليصه من هؤلاء الخونة والمجرمين والمفسدين.
وأدعو الجماهير إلى التظاهر والاحتجاج ليلا نهارا من أجل اجتثاث الداء الذي ينخر الإعلام والذي يكاد يصيبه بالشلل التام. فلقد أثبتت بعض الجراثيم المغروسة في هذا الجسم أنه لم يعد ينفع معها لا الأدوية ولا المضادات الحيوية وأننا نحتاج إلى عملية جراحية وعلى جناح السرعة لاستئصالها والقضاء عليها. فلا بد للجماهير أن تحسم أمرها في هؤلاء الخونة الذين لا يريدون الاستقرار لهذا الوطن. فالمخلوع لم ينخلع ولم يهرب يوم 14 جانفي إلا بعد تضحيات وبعد وقفة احتجاجية مشهورة يوم 13 جانفي أمام مقر وزارة الداخلية. فلا بد من وقفة أو وقفات احتجاجية قوية لطرد بقايا النظام البائد المتسلطين على الإعلام. فالذي ساهم في إشاعة الفساد وبناء الدكتاتورية لا يستطيع أن يساهم في بناء وطن حر.
المصدر- العرب أن لاين





Marwan Khouri - كل القصائد
Commentaires
33 de 33 commentaires pour l'article 44323