لا شيء يوحي البتة بأن الزمن يتحرّكُ عند لطفي البحري، فقد تغيّـرت أشياءُ كثيرة في السنوات العشرين الماضية، وظلّ صاحبنا ثابتا في مكانه لم يغيّره أيُّ شيء، ما يزال رغم تعدُّد أسفاره وكثرةِ حلّه وترحالِه يراوح مكانه مستميتا في مقاومة سنن التطوّر ومجابهة رياح التغيـير.
ذلك ما يوحي به العملُ التلفزي الذي عرضته القناة الوطنية ثانيَ أيام العيد وعنوانه رحلة على جناح الشوق وفيه يؤدّي لطفي البحري زيارةً إلى الحرمين الشريفين، ويسرُد على مسامع النظارة بصوت يفتعل الوقار ونبرات تحاول الخشوع نصا كئيبا تختلط فيه الأدعية والابتهالات بالسرد المدرسي المنقول نقلا عن أمهات الكتب، ويحكي قصة بناء الكعبة الشريفة حتى يبلغ فجر الإسلام ويسترسل في ذكر السيرة النبوية العطرة، كلُّ هذا مع مزيج من صور متحركة مأخوذةٍ من مصادر مجهولة ولقطات حية يظهر فيها هو ذاته في أماكن متفرقة.
وكعادته في مثل هذه الأعمال التي يعرضها التلفزيون ولا ينتبه إليها أحدٌ لخلوها ممّا يبرّر الانتباه لوجودها أصلا، كان صديقُـنا لطفي البحري الآمرَ النّاهي وصاحبَ الحلِّ والعقد، مُـفردًا في صيغة الجمع، رجلاً كألْـفٍ، فهو الكاتبُ والقارئُ والصحفيّ ُومديرُ الإضاءة ومهندسُ الصوت وهو المخرجُ والمنتجُ والمتفرجُ، ولا شكّ أنّه الآن يعتقد أن عمله هذا يرقى إلى المرتبة الثانية مُباشرةً بعد فيلم الرسالة لزميله المأسوف عليه مصطفى العقاد !
وما كنا في الأصل لنكتب عن هذا العمل لولا أنْ رأيـنا صاحبهُ في المسجد الحرام وفي جبل ثور وفي بقاع مختلفة من الأراضي المقدّسة يتـنقـل بخفة مطاطية محاكيا الفراشةَ وألوانَها القزحية، والكاميرا لم تدَّخر وُسْعَها فصوّرتْه من قُـبُـلٍ ومن دُبُـر، من أعلى ومن أسفل، من اليمين ومن اليسار ،فاستنفدت كل الزوايا ولم تفوّت أية شاردة أو واردة ولم تضيّع أية التفاتة أو تنهيدة أو حركة، فرأيناه وهو
يُجاهد في بلوغ غار حراء مرتديا ملابس فضفاضةً خضراء، متلفعا بشال أصفر واضعا على رأسه قبعة شمسية وعلى عينيه نظارات ألوانها فاقعةٌ لا شرقية ولا غربية، فبدا كما لو كان خارجا للتوّ من سيرك عالمي، وكان التباين حادًّا بين صورة المذيع وحركة المعتمرين يطوفون بالبيت العتيق وراءه...، وبدّدت هذه الصورُ المتنافرة الخاليةُ من كلّ ذوق سليم في نفس المتفرج بعض الخشوع الذي كاد أن يعتريه حين رأى المسجد الحرام والطائفين بالبيت المعمور القادمين من كل فج عميق، وحُـقَّ فيه ما قال عيسى بن هشام في الرجل التقيّ أبي الفتح الاسكندريّ: سُبْحَانَ اللهِ! رُبَّمَا أَبْصَرَ عِمِّيتٌ، وَآمَنَ عِفْرِيتٌ، وَالحَمْدُ للِه لَقَدْ أَسْرَعَ فِي أَوْبَتِهِ، وَلا حَرَمَنَا اللهُ مِثْلَ تَوْبَتِهِ..
ذلك ما يوحي به العملُ التلفزي الذي عرضته القناة الوطنية ثانيَ أيام العيد وعنوانه رحلة على جناح الشوق وفيه يؤدّي لطفي البحري زيارةً إلى الحرمين الشريفين، ويسرُد على مسامع النظارة بصوت يفتعل الوقار ونبرات تحاول الخشوع نصا كئيبا تختلط فيه الأدعية والابتهالات بالسرد المدرسي المنقول نقلا عن أمهات الكتب، ويحكي قصة بناء الكعبة الشريفة حتى يبلغ فجر الإسلام ويسترسل في ذكر السيرة النبوية العطرة، كلُّ هذا مع مزيج من صور متحركة مأخوذةٍ من مصادر مجهولة ولقطات حية يظهر فيها هو ذاته في أماكن متفرقة.
وكعادته في مثل هذه الأعمال التي يعرضها التلفزيون ولا ينتبه إليها أحدٌ لخلوها ممّا يبرّر الانتباه لوجودها أصلا، كان صديقُـنا لطفي البحري الآمرَ النّاهي وصاحبَ الحلِّ والعقد، مُـفردًا في صيغة الجمع، رجلاً كألْـفٍ، فهو الكاتبُ والقارئُ والصحفيّ ُومديرُ الإضاءة ومهندسُ الصوت وهو المخرجُ والمنتجُ والمتفرجُ، ولا شكّ أنّه الآن يعتقد أن عمله هذا يرقى إلى المرتبة الثانية مُباشرةً بعد فيلم الرسالة لزميله المأسوف عليه مصطفى العقاد !
وما كنا في الأصل لنكتب عن هذا العمل لولا أنْ رأيـنا صاحبهُ في المسجد الحرام وفي جبل ثور وفي بقاع مختلفة من الأراضي المقدّسة يتـنقـل بخفة مطاطية محاكيا الفراشةَ وألوانَها القزحية، والكاميرا لم تدَّخر وُسْعَها فصوّرتْه من قُـبُـلٍ ومن دُبُـر، من أعلى ومن أسفل، من اليمين ومن اليسار ،فاستنفدت كل الزوايا ولم تفوّت أية شاردة أو واردة ولم تضيّع أية التفاتة أو تنهيدة أو حركة، فرأيناه وهو
يُجاهد في بلوغ غار حراء مرتديا ملابس فضفاضةً خضراء، متلفعا بشال أصفر واضعا على رأسه قبعة شمسية وعلى عينيه نظارات ألوانها فاقعةٌ لا شرقية ولا غربية، فبدا كما لو كان خارجا للتوّ من سيرك عالمي، وكان التباين حادًّا بين صورة المذيع وحركة المعتمرين يطوفون بالبيت العتيق وراءه...، وبدّدت هذه الصورُ المتنافرة الخاليةُ من كلّ ذوق سليم في نفس المتفرج بعض الخشوع الذي كاد أن يعتريه حين رأى المسجد الحرام والطائفين بالبيت المعمور القادمين من كل فج عميق، وحُـقَّ فيه ما قال عيسى بن هشام في الرجل التقيّ أبي الفتح الاسكندريّ: سُبْحَانَ اللهِ! رُبَّمَا أَبْصَرَ عِمِّيتٌ، وَآمَنَ عِفْرِيتٌ، وَالحَمْدُ للِه لَقَدْ أَسْرَعَ فِي أَوْبَتِهِ، وَلا حَرَمَنَا اللهُ مِثْلَ تَوْبَتِهِ.. لا يجوزُ أبدا تجاهـلُ ما يميّز تجربة لطفي البحري الوجودية وما يتّسم به من صفات، فهو دائما في كامل أناقته ومنتهى زينته وهو مثلُ أبي هريرة كالماء يجري. لم نقف له في حياته على وقفة قط. كالمستعد إلى الرحيل لا ينقضي عنه الرحيل ولا يُـنكر إلاّ جَحودٌ ما قدّمه للذاكرة المرئية من حوارات انفرد بها مع عمالقة الطرب العربي وشاهدها الجمهور التونسي مرات ومرات حتى حفظها عن ظهر قلب، ولا يقُـلّل من هـيبة الرجل شيئا ومن متانة تجربته الإبداعية وصفاء معدنها القولُ بأنه لم يُـخلق لمثل هذه الأعمال التلفزية التي يرتدى فيها لبوس مؤرخ ينظر إلى التاريخ دون أن يخلع عن عينيه نظارات السائح المستشرق ولا ملابسه البهلوانية، وإذا كان إنجازُ لطفي البحري عملا ما عن أصول الديانة حتمية تاريخية ولم تنجب تونس خلال نصف قرن من التلفزيون أحدا غيره يمكن أن يؤدّي هذه المَهمَّةَ بكفاءة واقتدار، فقد كان حريًّـا به أن يجتهد أكثر في تغيير الإطار حتى يتناسب وطبيعة الموضوع وكان حريا به أن يختفي قليلا من المشهد حتى تمتلئ الصورة بعناصر المكان كلها وتحتويها. كان عليه أن يتنازل عن صورته بمناسبة هذا الشريط الوثائقي، فمكّةُ ليست هوليود، وبيتُ الله ليس بيتَ بليغ حمدي، والطوافُ بالكعبة ليس عرضا لباليه كاركلّه ، حتى يسترسل في إرواء ظمإه التلفزي وفرض صورته في سياق ديني قدُسي لا ينبغي فيه إلاّ التواضعُ لله ونزعُ كلِّ مَـظاهر الكِـبْر, وإذا كان يَـشقُّ عليه أن يُـديرَ الكاميرا دون أن يستقبلها بوجهه أو قفاه، أفلم يكن ممكنا أن يرتدي ملابس الإحرام كما يفعل سائرُ خلق الله في مثل هذا المقام؟
المشكلة الحقيقية لا تكمن في أن لطفي البحري يقاومُ التغيـير، ولكنْ في أنْ لا أحد طلب منه في يوم من الأيام أن يتغيّـر !، فظلّ ينتج خطابا تلفزيونيا لم يتقدّم فيه قيدَ أنملة إلى الأمام منذ أكثر من عقدين من الزمن، وهو خطاب تلفزيوني لم يَـعُدْ صالحا البتةَ للاستهلاك الآدمي، وإذا ما قورن بما تقدمه ذاتُ التلفزةِ في سهراتها الأخرى سيشعر المتفرجُ حقا أنه إزاء تلفزتين مختلفتين وروحين متباعدتين وزمنين متضادّيـن...
عامر بوعزة






Commentaires
11 de 11 commentaires pour l'article 30978