كتب أب هذه الرسالة لأبنه الصغير ليلة تسلمه جائزة مدرسية حتى يقرأها في كبره.
صغيري العزيز ،
ـ أبي هل ترافقني لاستلام الجائزة المدرسية ؟
كنت كتلة من الفرح و الحبور و أنت تتوجه إليّ بهذا السؤال ... كنت تعلم حق العلم أني سأرافقك إلى المدرسة ، و لكنك لا تفتأ تتحدث عن الجائزة التي ستحصل عليها لأنك تريد دوما أن تذكّر الآخرين بهذا الحدث الجميل الرائع و أن يشاركوك سعادتك ، تريد أن تذكّرهم أنك متميز ...
أجبتك مبتسما : طبعا يا صغيري ، و هل في هذا شك ؟!
كنت يا صغيري أصرّيت قبل أيام على شراء ملابس جديدة لتحضر بها الحفل المدرسي المخصص لتوزيع الجوائز و تليق بالجائزة التي ستتسلمها . ملابس بمبلغ يفوق مائة دينار لتتسلم و أنت ترتديها جائزة لا تتجاوز قيمتها المادية في أحسن الحالات عشرين دينارا ... الجائزة سحرها غريب جدا ... لا تهم قيمتها المادية ... مفعولها في نفسك لا يقدر بثمن ... حينما تتسلم جائزتك من يد معلمك أو معلمتك فكأنك امتلكت الدنيا بحالها ...
قلت في نفسي : أنا لم أشعر طوال حياتي بذلك الإحساس السحري الذي ينتابك و أنت تتسلم الجائزة لأني ببساطة كنت تلميذا عاديا جدا بمعدل عادي جدا فلم أحصل ولو على جائزة واحدة طيلة مشواري الدراسي..
رافقتك إلى المدرسة التي ازدانت بحلة رائعة ... كل شيء يحيل فيها على البهجة و الفرحة و السعادة ... تسلمت الجائزة من يد معلمك و التُقطت صورة لنا الثلاثة ... احتضنت الجائزة و عدنا إلى البيت و كل الدنيا لا تسع فرحتك ... لم تفتح الجائزة ... تركتها بكرا كما هي لأنك إن فتحتها ستزول فرحتك بها شيئا فشيئا ... هكذا نحن البشر سعادتنا في انتظار الشيء قبل حدوثه ... في استعدادنا له و لكن إذا عشناه فهذا مؤشر أننا سنفتقده ... الطفل يفرح شديدا و هو ينتظر العطلة ، و هو ينتظر الاحتفال بعيد ميلاده أو بعيد
الفطر أو بعيد الأضحى، وهو ينتظر عودة أبيه من الغربة ، و لكن ذلك الفرح يتضاءل في نفسه شيئا فشيئا إلى أن يزول نهائيا إن عاش الحدث المنتظر... لكل ذلك رفضت صغيري العزيز أن تمزق غلاف الجائزة الخارجي ... نمت و أنت تحتضنها فرحا بها و خوفا عليها ... نمت و ابتسامة ملائكية رائعة مرسومة على شفتيك الصغيرتين ... نمت و أحلام عديدة تعج في نفسك ، و آمال كبيرة بمستقبل وضاء تعتمل داخلك ...
أما أنا فتوجهت إلى مخدعي لأنام ... جافاني النوم ... أغمض عيني فتتراءى لي عزيزي الصغير و أنت تحتضن الجائزة ... مشهد لم يفارق عينيّ لحظة واحدة ... أفكار كثيرة ألحت عليّ ... صداع شديد أصابني ... نهضت من على سريري و توجهت إلى مكتبي و تناولت ورقة و قلما و شرعت أكتب :
في اللحظة التي تنام فيها محتضنا جائزتك المدرسية و نفسك المطمئنة تجيش بأحلام كثيرة أصابني أرق شديد مصحوب بصداع كبير لا يُحتمل . لماذا هذا الأرق ؟! إنه نتيجة خوفي عليك و جزعي مما ينتظرك و ينتظر جيلك من مستقبل غامض للغاية . إن ما نعيشه اليوم لا يبشر أبدا بغد مشرق يكون لكم ، لا يبشر أبدا بالسعادة التي شاهدتها على محياك منذ قليل ... إن ما نعيشه اليوم يصيبني بالرعب الشديد و بالإحباط الكبير لأنه مقدمة لأن يزول كل جميل من حياتكم مستقبلا ...
اليوم حياتنا حروب و بؤر توتر و احتلال و موت و دمار و ظلم و تجبّر و مجاعة و أوبئة و جفاف و أعاصير و زلازل و تسونامي و بداية نفاد الموارد الطبيعية و ارتفاع جنوني لأسعار الطاقة و انحباس حراري ينذر بتغيرات مناخية كارثية بدأنا اليوم نعيش بعضا من مظاهرها ... لا أحد اليوم يفكر فيكم ، في حياتكم كيف ستعيشونها ، فالحروب مستمرة و تنتشر هنا و هناك ، و ما فتئ أعداؤكم و أعداء الإنسانية عامة يفكرون في نشر حروب أخرى عبر افتعال الأزمات في الشرق و الغرب ... ما انفك أقوياء هذا الكون و أغنياؤه و ظلمته يمارسون جشعهم اللامحدود فاستمرت انتهاكاتهم لقوانين الطبيعة مما يهدد الكرة الأرضية بالفناء العاجل ، مما ينذر بنشر المآسي و الكوارث و المصائب عاجلا و آجلا مثل العواصف و الأعاصير و البرودة الشديدة و الحرارة القاتلة و الفيضانات الناتجة عن الأمطار الطوفانية و ذوبان الثلوج في المناطق القطبية ....
الخلاصة يا عزيزي ألا شيء اليوم يُفرح و يبعث على التفاؤل و الارتياح و نشرات الأخبار في كل الفضائيات لا مادة لها إلا أخبار الموت و الانفجارات و الدمار و الكوارث ، إلا أخبار الكذب المؤدي إلى المصائب، إلا أخبار أنا و بعدي الطوفان ، لا شيء يُفرح اليوم و الخريف ليس خريفا و الشتاء ليس شتاء و الربيع ليس ربيعا و الصيف ليس صيفا ....
تذكر يا بني أني من الآن أشاركك الألم الذي ستعيشه مع جيلك في قادم أيامك ، أشعر من الآن بالمعاناة التي ستعرفونها ، أشفق عليكم مما ينتظركم من مآس ... و لكل ذلك ليس لي إلا أن أسأل لكم الله اللطف و السلامة و أن يكفيكم شر أعداء الإنسانية ....
ــ الليلة الفاصلة بين 30 جوان و 1 جويلية .....20 ــ الإمضاء : أبوك المثقل بهموم مستقبلك
* سبق أن نشرت هذه الرسالة بجريدة الصريح
صغيري العزيز ،
ـ أبي هل ترافقني لاستلام الجائزة المدرسية ؟
كنت كتلة من الفرح و الحبور و أنت تتوجه إليّ بهذا السؤال ... كنت تعلم حق العلم أني سأرافقك إلى المدرسة ، و لكنك لا تفتأ تتحدث عن الجائزة التي ستحصل عليها لأنك تريد دوما أن تذكّر الآخرين بهذا الحدث الجميل الرائع و أن يشاركوك سعادتك ، تريد أن تذكّرهم أنك متميز ...
أجبتك مبتسما : طبعا يا صغيري ، و هل في هذا شك ؟!
كنت يا صغيري أصرّيت قبل أيام على شراء ملابس جديدة لتحضر بها الحفل المدرسي المخصص لتوزيع الجوائز و تليق بالجائزة التي ستتسلمها . ملابس بمبلغ يفوق مائة دينار لتتسلم و أنت ترتديها جائزة لا تتجاوز قيمتها المادية في أحسن الحالات عشرين دينارا ... الجائزة سحرها غريب جدا ... لا تهم قيمتها المادية ... مفعولها في نفسك لا يقدر بثمن ... حينما تتسلم جائزتك من يد معلمك أو معلمتك فكأنك امتلكت الدنيا بحالها ...
قلت في نفسي : أنا لم أشعر طوال حياتي بذلك الإحساس السحري الذي ينتابك و أنت تتسلم الجائزة لأني ببساطة كنت تلميذا عاديا جدا بمعدل عادي جدا فلم أحصل ولو على جائزة واحدة طيلة مشواري الدراسي..
رافقتك إلى المدرسة التي ازدانت بحلة رائعة ... كل شيء يحيل فيها على البهجة و الفرحة و السعادة ... تسلمت الجائزة من يد معلمك و التُقطت صورة لنا الثلاثة ... احتضنت الجائزة و عدنا إلى البيت و كل الدنيا لا تسع فرحتك ... لم تفتح الجائزة ... تركتها بكرا كما هي لأنك إن فتحتها ستزول فرحتك بها شيئا فشيئا ... هكذا نحن البشر سعادتنا في انتظار الشيء قبل حدوثه ... في استعدادنا له و لكن إذا عشناه فهذا مؤشر أننا سنفتقده ... الطفل يفرح شديدا و هو ينتظر العطلة ، و هو ينتظر الاحتفال بعيد ميلاده أو بعيد
الفطر أو بعيد الأضحى، وهو ينتظر عودة أبيه من الغربة ، و لكن ذلك الفرح يتضاءل في نفسه شيئا فشيئا إلى أن يزول نهائيا إن عاش الحدث المنتظر... لكل ذلك رفضت صغيري العزيز أن تمزق غلاف الجائزة الخارجي ... نمت و أنت تحتضنها فرحا بها و خوفا عليها ... نمت و ابتسامة ملائكية رائعة مرسومة على شفتيك الصغيرتين ... نمت و أحلام عديدة تعج في نفسك ، و آمال كبيرة بمستقبل وضاء تعتمل داخلك ... أما أنا فتوجهت إلى مخدعي لأنام ... جافاني النوم ... أغمض عيني فتتراءى لي عزيزي الصغير و أنت تحتضن الجائزة ... مشهد لم يفارق عينيّ لحظة واحدة ... أفكار كثيرة ألحت عليّ ... صداع شديد أصابني ... نهضت من على سريري و توجهت إلى مكتبي و تناولت ورقة و قلما و شرعت أكتب :
في اللحظة التي تنام فيها محتضنا جائزتك المدرسية و نفسك المطمئنة تجيش بأحلام كثيرة أصابني أرق شديد مصحوب بصداع كبير لا يُحتمل . لماذا هذا الأرق ؟! إنه نتيجة خوفي عليك و جزعي مما ينتظرك و ينتظر جيلك من مستقبل غامض للغاية . إن ما نعيشه اليوم لا يبشر أبدا بغد مشرق يكون لكم ، لا يبشر أبدا بالسعادة التي شاهدتها على محياك منذ قليل ... إن ما نعيشه اليوم يصيبني بالرعب الشديد و بالإحباط الكبير لأنه مقدمة لأن يزول كل جميل من حياتكم مستقبلا ...
اليوم حياتنا حروب و بؤر توتر و احتلال و موت و دمار و ظلم و تجبّر و مجاعة و أوبئة و جفاف و أعاصير و زلازل و تسونامي و بداية نفاد الموارد الطبيعية و ارتفاع جنوني لأسعار الطاقة و انحباس حراري ينذر بتغيرات مناخية كارثية بدأنا اليوم نعيش بعضا من مظاهرها ... لا أحد اليوم يفكر فيكم ، في حياتكم كيف ستعيشونها ، فالحروب مستمرة و تنتشر هنا و هناك ، و ما فتئ أعداؤكم و أعداء الإنسانية عامة يفكرون في نشر حروب أخرى عبر افتعال الأزمات في الشرق و الغرب ... ما انفك أقوياء هذا الكون و أغنياؤه و ظلمته يمارسون جشعهم اللامحدود فاستمرت انتهاكاتهم لقوانين الطبيعة مما يهدد الكرة الأرضية بالفناء العاجل ، مما ينذر بنشر المآسي و الكوارث و المصائب عاجلا و آجلا مثل العواصف و الأعاصير و البرودة الشديدة و الحرارة القاتلة و الفيضانات الناتجة عن الأمطار الطوفانية و ذوبان الثلوج في المناطق القطبية ....
الخلاصة يا عزيزي ألا شيء اليوم يُفرح و يبعث على التفاؤل و الارتياح و نشرات الأخبار في كل الفضائيات لا مادة لها إلا أخبار الموت و الانفجارات و الدمار و الكوارث ، إلا أخبار الكذب المؤدي إلى المصائب، إلا أخبار أنا و بعدي الطوفان ، لا شيء يُفرح اليوم و الخريف ليس خريفا و الشتاء ليس شتاء و الربيع ليس ربيعا و الصيف ليس صيفا ....
تذكر يا بني أني من الآن أشاركك الألم الذي ستعيشه مع جيلك في قادم أيامك ، أشعر من الآن بالمعاناة التي ستعرفونها ، أشفق عليكم مما ينتظركم من مآس ... و لكل ذلك ليس لي إلا أن أسأل لكم الله اللطف و السلامة و أن يكفيكم شر أعداء الإنسانية ....
ــ الليلة الفاصلة بين 30 جوان و 1 جويلية .....20 ــ الإمضاء : أبوك المثقل بهموم مستقبلك
* سبق أن نشرت هذه الرسالة بجريدة الصريح





Houyam Younes - ما بالهو
Commentaires
6 de 6 commentaires pour l'article 28799