كلما عاشت كرة القدم التونسية خيبة أو فضيحة إلا وارتفعت أصوات هنا وهناك تؤكد على أن ذاك هو مستوى كرتنا وتلك هي حدود إمكانياتنا وعلى أننا نفتقد إلى لاعبين كبار أفذاذ قادرين على تقديم الإضافة وعلى تشريف كرتنا ورفع رأسها عاليا، وقد تكرر مثل هذا الحديث إثر خيبة المنتخب الوطني وخسارته في الملعب الأولمبي بالمنزه ضد منتخب بوتسوانا، ولئن كان هذا الكلام صحيحا وصائبا في الكثير منه فإنه في جانب آخر يجانب الصواب لسبب بسيط وهو أن مستوى كرتنا ومستوى منتخبنا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون أقل من مستوى الكرة البوركينية أو البينينية أو الموزمبيقية أو البوتسوانية أو المالية على الرغم من أن كرة القدم في القارة السمراء أحرزت تقدما واضحا. ثم لا ننسى أن بعد مباراة السودان التحضيرية وبعد صابة الأهداف التي سجلها المنتخب الوطني في المرمى السوداني ارتفعت أصوات مهللة لهذه النتيجة العريضة ولهذه البداية الموفقة ولهذا المستوى المرموق الذي ظهر عليه المنتخب في نسخته المارشانية ولهذا النفس الهجومي الذي لم نعهده في المنتخب، وسمعنا حديثا عن صفحة جديدة تفتح في تاريخ المنتخب وفي تاريخ كرة القدم التونسية خاصة بعد ترشح منتخب اللاعبين المحليين إلى نهائيات السودان. فهل يعقل أن بعد عشية و ضحاها وبعد كل ما ذُكر سنتحدث عن محدودية إمكانياتنا وعن ضعف كرتنا وعن عجزها عن منافسة كرة هي أصلا أقل منها في كل شيء ولا تــُـقارن بها بأي شكل من الأشكال؟! هل كرتنا ضعيفة إلى الحد الذي لا تقدر فيه على الصمود أمام كرة بوتسوانية نكرة إفريقيا ومازالت تخطو خطواتها الأولى؟!
المشكلة في منتخبنا أنه يفتقر إلى التقاليد والثوابت التي لا حياد عنها والهيكلة الواضحة الضرورية، فكل مكتب جامعي يأتي يبدأ من الصفر وكأن المنتخب وُلد معه. وكل مدرب للمنتخب يلغي ما سبق ويبدأ من جديد، ولذلك نظل دائما نبني لنهدم ما بنيناه بعد كل خيبة ، ودائما شعارنا فسخ و عاود وابن من جديد ، وهكذا تغيب المكاسب في المنتخب وتنطفئ فيه النقاط المضيئة ويغيب التواصل بين مرحلة وأخرى ونهدر الوقت في ما لا يعني وفي تقعيد العود .... المشكلة في المنتخب أنه تنقصه إدارة قارة خاصة به تسهر على الإحاطة به وتوفير كل عوامل النجاح المادية والمعنوية لإطاره
الفني ولاعبيه وإطاره الطبي وتحاسب هؤلاء جميعا عند كل تقصير في القيام بالواجب أو فشل في تحقيق الأهداف المرسومة محاسبة عاجلة ومحاسبة آجلة ... المشكلة في المنتخب أنه ملك للجميع بمعنى أنه رزق البيليك ، وما كان ملكا للجميع لا يحظى بالمتابعة الدقيقة وبالعناية الكاملة وبالحرص على مصالحه، ولذا من السهل جدا أن تتهاون بعض الأطراف التي هي على علاقة بالمنتخب عن القيام بواجبها وأن تتخاذل بجميع الأشكال وفي كل الوضعيات لأن المنتخب رزق البيليك وكأنه بلاشي أمالي ...!!
فإذا ما عدنا إلى مباراة منتخبنا ضد المنتخب البوتسواني سنلاحظ تهاونا على جميع المستويات ومن جميع الأطراف . فاللاعبون تهاونوا وتخاذلوا كيفما أحبوا ، وكانوا انهزاميين بصورة واضحة جدا بما أن مصطلحات الهزيمة و الخيبة و الفشل دخلت إلى قاموسهم و صاروا يؤمنون بمفاهيمها بعد كل الخيبات التي عاشوها، فلم يقدموا ما هو منتظر منهم في مثل تلك المباراة وغلّبوا مصالحهم الشخصية على مصلحة المنتخب، ولا يمكن أن يكون ما شاهدناه في تلك المباراة هو مستواهم الحقيقي، ولو كانت المباراة التي خاضوها ضد المنتخب البوتسواني كان أحد أنديتهم طرفا فيها فهل كانوا سيقدمون ذلك المردود الهزيل وذلك المستوى الكارثي المخيب للآمال ؟؟!! قطعا لا . لماذا ؟؟!! لأنهم سيحاسبون حسابا عسيرا جدا من أكثر من طرف ولا أحد يقبل منهم ذلك التهاون وذلك التخاذل، بينما في المنتخب أمر عادي جدا و يحدث مثل ذلك بصفة مستمرة و أربعون نمالة دخلت هاك الغار ....!!
و بعد المباراة ـ مباراة المنزه بين المنتخبين التونسي والبوتسواني بدأت أخبار الفضائح والتجاوزات تفوح في وسائل الإعلام المختلفة على الرغم من تكذيب تلك الأخبار من قبل المحيطين بالمنتخب ، وبدأنا نفهم لماذا شاهدنا ذلك المردود الهزيل المهزوز وذلك الكاراكوز، وقد كان عدد من لاعبي المنتخب أبطالا لتلك الفضائح والتجاوزات، والسؤال أين المسؤولون عن المنتخب ؟! أين المرافقون؟! كيف يسمحون بهكذا تجاوزات أثناء التربصات والإقامة بالنزل ؟؟!! ألا يعتبر هذا شكلا من أشكال التهاون؟! كيف سيشرّف هؤلاء اللاعبون كرة القدم التونسية إذا لم يكونوا منضبطين وإذا لم يقع تأطيرهم كما يجب ولم يوضعوا أمام مسؤولياتهم ؟؟!!
ولا شك أن من شاهد مباراة تونس وبوتسوانا ذهب في اعتقاده أن اللاعبين المنتمين إلى المنتخب لم يتدربوا بل لم يكن لهم مدرب أصلا وقد وقع تجميعهم من الشواطئ والنزل والأعراس و العلب الليلية قبيل المباراة بساعات ثم زُج بهم في الملعب فجأة ليواجهوا البوتسوانيين، فلا تخطيط ولا تنظيم ولا انضباط ولا تحضير بدني ولا تحضير نفسي والحصيلة انهيار تام على جميع المستويات و فضيحة بجلاجل. فأين المدرب؟! وماذا يفعل طيلة فترة التحضيرات ؟! وكيف يقبل أن يشرك في المباراة لاعبن غير جاهزين إلا لصنع الفضيحة؟! هل كان المدرب ـ على الرغم من أن الفترة التي قضاها بالمنتخب قصيرة ـ جديا في عمله ناجعا في ما قدمه للمنتخب؟! هل كان المدرب في مستوى المنتخب وفي مستوى الانتظارات؟! هل كان قادرا على تسيير المجموعة و السيطرة عليها و فرض الانضباط و الجدية على من فيها ؟!
إن من المفروض أن يكون المدرب ـ أي مدرب ـ مسيطرا على المجموعة التي يدربها ويقنعها بعمله وآرائه وأفكاره وأن لا ينزل مستواها تحت قيادته ـ مهما تكن الظروف والمبررات ـ إلى الحد الذي يصبح كارثيا كذاك الذي شاهدناه في مباراة تونس وبوتسوانا . والثابت أن الجميع بمن فيهم المدرب لم يتعاملوا مع المباراة بالجدية المطلوبة معتقدين أن المنتخب البوتسواني لقمة سائغة و في المكتوب على الرغم من أن المدرب شرك طوال المباراة لاعبي ارتكاز اثنين هما خالد القربي وحسين الراقد وأضاف إليهما في ما بعد وسام يحي . فلقد اعتدنا في المنتخب مع مختلف المدربين أن يقع التعامل مع المباريات بطريقتين: فإذا كان المنافس من وزن الريشة مثل بوتسوانا وناميبيا والبينين فإنه يعامل باحتقار وتعال ولا يقع الاستعداد له بالجدية المطلوبة والنتيجة أن نعيش الخيبات والنكبات والفضائح ، أما إذا كان المنافس من كبار القارة وعمالقتها مثل غانا ونيجيريا والكاميرون فإنه يعامل أكبر من حجمه ونرى أن الخوف يدب في قلوب لاعبينا وترتعش سيقانهم ويوصيهم مدربهم بالحذر والتراجع إلى الخلف وإقامة الجدران والسدود الدفاعية وعدم المجازفة بالهجوم والنتيجة أن نخيب أيضا والمرارة في حلوقنا والحسرة في قلوبنا ...
ولذا فإن القول إن كرتنا ضعيفة إلى أبعد الحدود إلى درجة أن المنتخب البوتسواني وجد فينا يوما قول تنقصه الدقة والموضوعية وإلا لوجدنا أنفسنا نلغي بطولتنا ونوقف نشاط كرة القدم نهائيا في بلادنا مادمنا لسنا قادرين على مواجهة بوتسوانا أو التشاد، وهذا ليس ممكنا و ليس منطقيا لأن الواقع يكذبه، هناك أخطاء ونقائص كثيرة هذا أمر مؤكد ، ولكن هي أخطاء ونقائص متراكمة على مدى السنين وأخطاء ونقائص آنية وجب رصدها وكشفها ومعالجتها والقضاء عليها بصفة نهائية أو على الأقل الحد منها حتى تستقيم حال كرتنا وحال منتخبنا، و تلك الأخطاء و النقائص لا تبرر أبدا ما وقع أمام بوتسوانا و لا تبرر أبدا الهزيمة أمام منتخب نكرة أحببنا أم كرهنا و لا تبرر أبدا ذلك المردود الهزيل جدا الذي تنعدم فيه حتى أبسط قواعد كرة القدم و أكثرها بدائية ، ومن المفروض أن هناك حدا أدنى لا ينزل مستوى المنتخب تحته أبدا أبدا ....
ـ ياسين الوسلاتي ـ
* نشر هذا المقال بجريدة الصريح
المشكلة في منتخبنا أنه يفتقر إلى التقاليد والثوابت التي لا حياد عنها والهيكلة الواضحة الضرورية، فكل مكتب جامعي يأتي يبدأ من الصفر وكأن المنتخب وُلد معه. وكل مدرب للمنتخب يلغي ما سبق ويبدأ من جديد، ولذلك نظل دائما نبني لنهدم ما بنيناه بعد كل خيبة ، ودائما شعارنا فسخ و عاود وابن من جديد ، وهكذا تغيب المكاسب في المنتخب وتنطفئ فيه النقاط المضيئة ويغيب التواصل بين مرحلة وأخرى ونهدر الوقت في ما لا يعني وفي تقعيد العود .... المشكلة في المنتخب أنه تنقصه إدارة قارة خاصة به تسهر على الإحاطة به وتوفير كل عوامل النجاح المادية والمعنوية لإطاره
الفني ولاعبيه وإطاره الطبي وتحاسب هؤلاء جميعا عند كل تقصير في القيام بالواجب أو فشل في تحقيق الأهداف المرسومة محاسبة عاجلة ومحاسبة آجلة ... المشكلة في المنتخب أنه ملك للجميع بمعنى أنه رزق البيليك ، وما كان ملكا للجميع لا يحظى بالمتابعة الدقيقة وبالعناية الكاملة وبالحرص على مصالحه، ولذا من السهل جدا أن تتهاون بعض الأطراف التي هي على علاقة بالمنتخب عن القيام بواجبها وأن تتخاذل بجميع الأشكال وفي كل الوضعيات لأن المنتخب رزق البيليك وكأنه بلاشي أمالي ...!! فإذا ما عدنا إلى مباراة منتخبنا ضد المنتخب البوتسواني سنلاحظ تهاونا على جميع المستويات ومن جميع الأطراف . فاللاعبون تهاونوا وتخاذلوا كيفما أحبوا ، وكانوا انهزاميين بصورة واضحة جدا بما أن مصطلحات الهزيمة و الخيبة و الفشل دخلت إلى قاموسهم و صاروا يؤمنون بمفاهيمها بعد كل الخيبات التي عاشوها، فلم يقدموا ما هو منتظر منهم في مثل تلك المباراة وغلّبوا مصالحهم الشخصية على مصلحة المنتخب، ولا يمكن أن يكون ما شاهدناه في تلك المباراة هو مستواهم الحقيقي، ولو كانت المباراة التي خاضوها ضد المنتخب البوتسواني كان أحد أنديتهم طرفا فيها فهل كانوا سيقدمون ذلك المردود الهزيل وذلك المستوى الكارثي المخيب للآمال ؟؟!! قطعا لا . لماذا ؟؟!! لأنهم سيحاسبون حسابا عسيرا جدا من أكثر من طرف ولا أحد يقبل منهم ذلك التهاون وذلك التخاذل، بينما في المنتخب أمر عادي جدا و يحدث مثل ذلك بصفة مستمرة و أربعون نمالة دخلت هاك الغار ....!!
و بعد المباراة ـ مباراة المنزه بين المنتخبين التونسي والبوتسواني بدأت أخبار الفضائح والتجاوزات تفوح في وسائل الإعلام المختلفة على الرغم من تكذيب تلك الأخبار من قبل المحيطين بالمنتخب ، وبدأنا نفهم لماذا شاهدنا ذلك المردود الهزيل المهزوز وذلك الكاراكوز، وقد كان عدد من لاعبي المنتخب أبطالا لتلك الفضائح والتجاوزات، والسؤال أين المسؤولون عن المنتخب ؟! أين المرافقون؟! كيف يسمحون بهكذا تجاوزات أثناء التربصات والإقامة بالنزل ؟؟!! ألا يعتبر هذا شكلا من أشكال التهاون؟! كيف سيشرّف هؤلاء اللاعبون كرة القدم التونسية إذا لم يكونوا منضبطين وإذا لم يقع تأطيرهم كما يجب ولم يوضعوا أمام مسؤولياتهم ؟؟!!
ولا شك أن من شاهد مباراة تونس وبوتسوانا ذهب في اعتقاده أن اللاعبين المنتمين إلى المنتخب لم يتدربوا بل لم يكن لهم مدرب أصلا وقد وقع تجميعهم من الشواطئ والنزل والأعراس و العلب الليلية قبيل المباراة بساعات ثم زُج بهم في الملعب فجأة ليواجهوا البوتسوانيين، فلا تخطيط ولا تنظيم ولا انضباط ولا تحضير بدني ولا تحضير نفسي والحصيلة انهيار تام على جميع المستويات و فضيحة بجلاجل. فأين المدرب؟! وماذا يفعل طيلة فترة التحضيرات ؟! وكيف يقبل أن يشرك في المباراة لاعبن غير جاهزين إلا لصنع الفضيحة؟! هل كان المدرب ـ على الرغم من أن الفترة التي قضاها بالمنتخب قصيرة ـ جديا في عمله ناجعا في ما قدمه للمنتخب؟! هل كان المدرب في مستوى المنتخب وفي مستوى الانتظارات؟! هل كان قادرا على تسيير المجموعة و السيطرة عليها و فرض الانضباط و الجدية على من فيها ؟!
إن من المفروض أن يكون المدرب ـ أي مدرب ـ مسيطرا على المجموعة التي يدربها ويقنعها بعمله وآرائه وأفكاره وأن لا ينزل مستواها تحت قيادته ـ مهما تكن الظروف والمبررات ـ إلى الحد الذي يصبح كارثيا كذاك الذي شاهدناه في مباراة تونس وبوتسوانا . والثابت أن الجميع بمن فيهم المدرب لم يتعاملوا مع المباراة بالجدية المطلوبة معتقدين أن المنتخب البوتسواني لقمة سائغة و في المكتوب على الرغم من أن المدرب شرك طوال المباراة لاعبي ارتكاز اثنين هما خالد القربي وحسين الراقد وأضاف إليهما في ما بعد وسام يحي . فلقد اعتدنا في المنتخب مع مختلف المدربين أن يقع التعامل مع المباريات بطريقتين: فإذا كان المنافس من وزن الريشة مثل بوتسوانا وناميبيا والبينين فإنه يعامل باحتقار وتعال ولا يقع الاستعداد له بالجدية المطلوبة والنتيجة أن نعيش الخيبات والنكبات والفضائح ، أما إذا كان المنافس من كبار القارة وعمالقتها مثل غانا ونيجيريا والكاميرون فإنه يعامل أكبر من حجمه ونرى أن الخوف يدب في قلوب لاعبينا وترتعش سيقانهم ويوصيهم مدربهم بالحذر والتراجع إلى الخلف وإقامة الجدران والسدود الدفاعية وعدم المجازفة بالهجوم والنتيجة أن نخيب أيضا والمرارة في حلوقنا والحسرة في قلوبنا ...
ولذا فإن القول إن كرتنا ضعيفة إلى أبعد الحدود إلى درجة أن المنتخب البوتسواني وجد فينا يوما قول تنقصه الدقة والموضوعية وإلا لوجدنا أنفسنا نلغي بطولتنا ونوقف نشاط كرة القدم نهائيا في بلادنا مادمنا لسنا قادرين على مواجهة بوتسوانا أو التشاد، وهذا ليس ممكنا و ليس منطقيا لأن الواقع يكذبه، هناك أخطاء ونقائص كثيرة هذا أمر مؤكد ، ولكن هي أخطاء ونقائص متراكمة على مدى السنين وأخطاء ونقائص آنية وجب رصدها وكشفها ومعالجتها والقضاء عليها بصفة نهائية أو على الأقل الحد منها حتى تستقيم حال كرتنا وحال منتخبنا، و تلك الأخطاء و النقائص لا تبرر أبدا ما وقع أمام بوتسوانا و لا تبرر أبدا الهزيمة أمام منتخب نكرة أحببنا أم كرهنا و لا تبرر أبدا ذلك المردود الهزيل جدا الذي تنعدم فيه حتى أبسط قواعد كرة القدم و أكثرها بدائية ، ومن المفروض أن هناك حدا أدنى لا ينزل مستوى المنتخب تحته أبدا أبدا ....
ـ ياسين الوسلاتي ـ
* نشر هذا المقال بجريدة الصريح





Houyam Younes - ما بالهو
Commentaires
2 de 2 commentaires pour l'article 27862