من حكابا هذا الزمان: فاكس الذنوب



كانت شركة تجارية ناجحة،وتمتلك فروعا عديدة حتّى خارج الوطن، وأرقام معاملاتها تسبح في المليارات ، ومجال عملها الصناعات الغذائية ، وقد أسّسها الحاج عبد الستّار و ورثها عنه أبناؤه الخمسة الذين عاشوا في رفاه كبير بفضل إيراداتها الضخمة ، وقد كوّنوا مجلس إدارة لمؤسّستهم بقيادة أخيهم الأكبر. إلاّ أنّ بعد سنوات من النجاح المنقطع النظير و بعد تضاعف المداخيل طغت المشاكل على الشركة وكادت تصير بها إلى الإفلاس المحقق ، واحتار الإخوة في تحديد أسباب ذلك التراجع . و ذات ليلة بينما كان الأخ الأكبر ورئيس مجلس الإدارة نائما إذ استمع إلى صوت غريب قائلا له : إنّ أعمالكم في تراجع مخيف ، وإن تواصلت على هذا النحو فإنّكم ستصيرون مفلسين ولا ريب. ولكن لتعلم أنّ الحلّ بأيديكم أو بالأحرى بيد أحد منكم ارتكب ذنبا عظيما عليه أن يعترف به ويستقيل من المؤسّسة ، وعندها فقط ستعود مؤسّستكم إلى نجاحها و أرباحها الطائلة ....
فكّر الأخ الأكبر في ما سمعه و فهم أنّه المقصود بهذا الأمر لأنّه قد اقترف ذنبا عظيما في حقّ مؤسّستهم وحقّ إخوته وقد أخفاه عنهم . و ها هو الآن يطالَب بالتكفير عنه ومغادرة مجلس الإدارة. ولكن كيف سينفّـذ هذا الأمر و الفضيحة في انتظاره ؟ هل يضحّي بسمعته و كرامته أم يضحّي بمستقبل الشركة ؟ وفكّر و فكّر و قرّر في آخر المطاف أن يعرض الأمر على إخوته . و في الصباح اجتمع بهم في مقرّ المؤسّسة و أخبرهم بأمر الصوت وقال لهم : الأفضل أن يعترف المذنب منّا بذنبه و أقترح عليكم أن نضع الفاكس في غرفة مستقلّة و نضع على بابها خمسة أقفال وكلّ واحد منّا يأخذ مفتاحا و لا تـُفتح الغرفة إلاّ بحضورنا جميعا بعد أن يكون المذنب قد اعترف بذنبه عبر الفاكس من بيته و يكون اجتماعنا يوم غد في مثل هذا الوقت ...
ساد الجماعة وجوم رهيب و صمت مفزع و وافقوا على اقتراح أخيهم . و قبل أن يفترقوا قال لهم الأخ الأكبر : سأروي لكم قصّة كنت قد استمعت إليها وأنا صغير : ففي قديم الزمان و سالف العصر و الأوان كانت هناك قرية صغيرة جدّا في الهند أو في الصين لا يتجاوز عدد سكّانها مائة نفر كلّهم من الكهول و الشيوخ و لاوجود لأطفال بينهم ، وكانوا يعيشون في رغد ، والأرض تدرّ عليهم بخيراتها الوفيرة و لا يعرفون للجوع أو العطش معنى . وذات سنة احتبست الأمطار و عمّ الجفاف وزالت الخيرات وجفّت الأنهار و الجداول الرقراقة و ماتت الأشجار والحيوانات و صارت الأرض قاحلة جدباء و السكّان يتعجّبون لهذا الأمر فاجتمعوا أمام المعبد و طرحوا الأمر على الكاهن الأعظم فقام بينهم خطيبا وقال لهم : لقد بحثت في الأمر و سألت أولي العلم فأخبروني أنّ أحدا يقطن هذه القرية اقترف ذنبا عظيما و لن تزول هذه المصيبة الّتي حلّت بنا إلاّ إذا اعترف المذنب بذنبه و غادرنا على أن يعود إلينا بعد سنتين ، و حتّى لا نُحرج ذلك المذنب فعليه أن يأخذ ورقة و يكتب عليها اسمه و الذنب الّذي اقترفه و يأتي إلى المعبد ليلا و يضع الورقة في هذا الصندوق و يغادرنا قبل انبلاج الفجر و نحن من جهتنا سنتسامح معه ... فقبل الناس بهذا الاقتراح ، و عادوا إلى بيوتهم . وكانت تلك الليلة حالكة الظلمة و ليس هناك إلاّ مصباح صغير قرب الصندوق الّذي ستوضع فيه الورقة . وعند انبلاج الصبح فرغ المعبد من كهّانه و القرية من سكّانها و قد التقى الجميع في الطريق مغادرين القرية . فعادوا جميعا إلى المعبد فوجدوا صندوق الذنوب مملوء بالأوراق و قد سقط داخلها المصباح و قد بدأت في الاحتراق . ونظر السكّان و الكهّان إلى بعضهم البعض وسؤال يتبادر إلى ذهن كلّ واحد منهم : هل يغادرون جميعا القرية بما أنهم كلهم مذنبون ليعود إليها الخير؟! وفي هذه الحالة من سيستمتع بتلك الخيرات ؟! أم يبقون في قريتهم ؟! و في هذه الحالة يموتون جوعا و عطشا ..؟!
صمت الأخ الأكبر و غادر الإخوة المكان إلى بيوتهم . و من الغد عادوا إلى مقرّ الشركة و اشتركوا جميعا في فتح باب الغرفة الّتي يوجد بها فاكس الذنوب . ويا للمفاجأة المذهلة لقد وجدوا ستّة فاكسوات . و لعلّ المفاجأة الّتي فغرت لها أفواه الإخوة هي أنّ الفاكس الأوّل يتضمّن نصّا قصيرا صادرا عن أبيهم المتوفّى منذ سنتين و قد اعترف بذنب اقترفه في حقّ جيرانه الّذين استولى على أرضهم مقابل مبلغ مالي زهيد وهذه الشركة الّتي ينعم بها الأبناء الآن الفضل فيها يعود إلى تلك الأرض المغتصبة . ولم يستوعب الأبناء بعد كيف وصل إليهم هذا الفاكس .

و أمّا الفاكس الثاني فقد اعترف فيه الابن الأكبر بذنب اقترفه في حقّ إخوته إذ أنّه كان يقتطع كلّ مرّة نسبة هامة من المداخيل خفية عن إخوته و يودعها في حساب بنكيّ سرّي خاص به . و الفاكس الثالث فيه اعتراف بذنب أحدهم وهو أنه استولى دون علم من إخوته على مبلغ مالي هام تركه الأب عند موته . والفاكس الرابع تضمّن اعترافا صريحا بتزوير أحد الإخوة لعقد ملكيّة عمارة كبيرة أصبحت بموجب ذلك العقد المزوّر ملكا له . و أمّا الفاكس الخامس فاشتمل على إقرار من الأخ الرابع بأنّ الصفقة الأخيرة الّتي عقدتها الشركة مع أحد الأجانب أودع إيراداتها الضخمة في حسابه الخاص دون علم من مجلس الإدارة. أمّا الفاكس الأخير فصرّح فيه الأخ الأصغر أنّه كان على علم بكلّ تلك التجاوزات وكان يطلب مقابل صمته عنها مبالغ كبيرة جدّا أودعها بحساب سرّي بسويسرا. فاحتار الجماعة في أمرهم و أصابهم ذهول لم يستفيقوا منه إلاّ على ورقة تصدر عن جهاز الفاكس يعلمهم فيها أحد البنوك أنّ عليهم تسديد الديون المتخلّدة بذمّتهم و إلاّ فإنّ الأمر سيصبح من أنظار العدالة ......
ـ ياسين الوسلاتي ـ




Commentaires


1 de 1 commentaires pour l'article 26995

Dorra  (Tunisia)  |Lundi 17 Mai 2010 à 16h 20m |           
زعمة تونس عندها نومرو فاكس هي زادة باش اللي يسرقوا فيها واللي أذنبوا في حقها يبعثولها فاكس يعترفوا فيه بذنوبهم ويهجوا من غدوة من البلاد؟