* حدث الراوي قال: البحر هادئ ساكن لا حركة فيه يغري بالسفر والإبحار نحو المجهول، وهذه فرصة لن تعوض، وهذا هو موسم تحقيق الحلم حيث الضفة الأخرى. فالخريف بتقلباته آت ولا ريب والأمواج العاتية ستغرق الحلم حتما... فكّر جيدا وأعاد التفكير مرارا وتكرارا وقال لنفسه الأمّارة بالسفر والمغامرة والمرتمية في أحضان المجهول والرانية إلى أفق أوسع والحالمة بوضع أفضل: لا بد من الحسم والقرار وكفانا ترددا والعودة إلى البداية . فقالت له بحزم: لا بد من الحسم والقرار . فحرق إلى الشمال وصار من الحارقين...
* حدثت أمه قالت: كان ابني منذ البدايات يعشق البحر وما وراء البحر... كان يسألني: هل للبحر نهاية؟ فكنت أجيبه: لكل شيء نهاية يا صغيري .فيقول بصوت خافت كأنه يخاطب نفسه: هل أقدر يوما على الوصول إلى النهاية؟ فينتابني خوف شديد... كنت صيفا وعلى الساعة الرابعة صباحا أنتبه إليه وقد استيقظ من النوم وانسحب من بين أحضاني ـ وهو ابن ثلاث ـ ليشهد طلوع الشمس من وراء تلك الصخرة الصامدة أبد الدهر وسط الماء... كنت أتبعه وأرقبه... كان يجلس على الشاطئ واضعا خده الصغير على كف يده ويرابط هناك ينظر القرص الأحمر المتلألئ ويحدق في الأفق كأن نظراته تخترق البحر والزمن لتنفذ إلى هناك حيث الحلم والأمل المرتقب... كنت أحيانا أنهاه عن فعل ذلك خشية عليه، ولكنه لا يجيبني بالموافقة ولا بالاعتراض والاستنكار كأنه مسلوب الروح والإرادة، وكأني استبطنت مراميه آنذاك. وها أنه فعلها فحرق فأسكن في قلبي اللوعة والحرقة...
* حدث أحد رفاقه قال: كان في المدة الأخيرة وقبل أن يحرق لا شاغل له إلا هناك أو غادي ، فسعى إلى تكوين ملف للحصول على تأشيرة قانونية تسمح له بالسفر القانوني. ولكن طلبه رُفض على الرغم من أنه قرر أن يتعلم اللغة الإيطالية، وقد اقتنى كتابا لذاك الغرض، وقد كان سعيدا كما لم أره كذلك حينما أودع ملفه للحصول على تأشيرة السفر. وكان مهموما كئيبا كما لم أره كذلك أبدا حينما علم أن طلبه مرفوض. فصار منفعلا دوما وقد أحاط به الدجاج الأسود ولم يعد يحتمل كلمتين أخوات . وكنت دائما أسعى إلى الرفع من معنوياته وإدخاله في جو الأصدقاء في تلك الفترة ولكنه كان يصد تلك المحاولات التي تبوء في النهاية بالفشل المرير كأنه سعيد بأزمته تلك وبهمومه وكآبته وكأنه يتلذذ أحزانه...
* حدث ابن عمه قال: فشل في الحصول على التأشيرة فقرر أن ينكفئ على نفسه ويعتزل كل الناس. ولكن ما أخرجه من وحدته وعزلته وانكفائه على نفسه عودة أحد أترابه وأصدقائه من إيطاليا مصحوبا برأس ماله: شقراء وسيارة. وأصبح يلازمه حيث حل، وكان الصديق يحدثه عن غادي (بلاد الغربة) بشيء من الافتخار وبكثير من التزيد: العمل متوفر بيسر، السكن كله رفاهية، لا تشعر بثقل وقت الفراغ لأن الملاهي كثيرة لا تحصى ولا تعد. وفتح له في الجنة كيلومترات وفي آخر حديثه يردد نفس الإسطوانة: أنت عليك بالسفر والمجيء إلى هناك وأنا ألتزم بالبقية. وكان ابن عمي يصدقه في كل كلمة
قالها مرددا في قرارة نفسه الأمارة بالحرقان : حلم ولا بد أن يتحقق. ولكن اكتشف زيف حديث صديقه الفشلام حينما حرق ووصل إلى هناك حيث وجده عاطلا عن العمل مسجلا في الشوماج ولا موظفا في إحدى المؤسسات الخاصة ويقطن في غرفة ضيقة جدا ولا فيلا فاخرة مطلة على البحر. وعرف أن تلك الشقراء ليست زوجته مثلما كان يدّعي. وفي الأخير أنكر معرفته إياه طالبا منه العودة من حيث أتى، فلم يجد مكانا ينام فيه. وتلك هي الصفعة الأولى التي تلقاها ابن عمي المسكين في بلد أحلامه بعد أن غامر بحياته وركب البحر وعرض نفسه لأهواله وأخطاره. واحترق الجزء الأول من الفيلم الذي كتب له السيناريو وأخرجه في خياله. وكم نصحته ألا يصدق ولو كلمة واحدة مما كان يقوله تربه وصديقه الفشلام ....
* حدث أبوه قال: كان عاطلا عن العمل لأنه لا يحب أن يعمل. وكان دائم النقمة على مدينته وسكانها وكان يدعو عليها بالوبال مرددا: متى يغرقها البحر؟ .... يعرض عليه كثير من أصدقائه أعمالا مختلفة ولكنه دائما يرفض. ولم تتعلق همته إلا بالسفر للعودة بسيارة فاخرة وبالقدرة على بناء بيت فخم. وكنت أقول له: يا بني، يا عزيزي، من لا يعمل في بلده لا يقدر على العمل في بلاد الناس. فيرد علي قائلا دون أن ينظر إلي: ما يلزك على المر كان إلي أمرّ منه ، والحق أني لم أكن أفهم مقاصده....
* حدث دخاخني الحي قال: كان كل صباح يدخل المحل دون أن ينبس ولو بكلمة واحدة ولا بصباح الخير، فيتناول جريدة وأناوله علبة السجائر التي تعود على اقتنائها ثم يناولني النقود ويمرّ، وأحيانا يقول وكأنه يخاطب نفسه: لا بد أن يأتي يوم أتخلى فيه عن هذا النوع من السجائر وأستبدله بآخر رفيع وأن أقرأ جريدة بلغة القوّرة التي أعشقها. ووقتها كنت لا أفهم مغزى كلامه، أما الآن ففهمت...
* حدثت زوجته قالت: كان لا يعجبه طبخي وخاصة السباقيتي ، فأسمعه دائما منتقدا إياه قائلا بكل حنق: سآكل حتما السباقيتي الحقيقية. وإني لأتساءل في كل مرة: ماذا يقصد بقوله ذاك؟ بينما كان في الواقع يهيئ نفسه ويخطط للذهاب إلى بلد السباقيتي . وقال لي ذات مرة وعيناه تحدقان في المجهول: أنت قيد في عنقي لا بد من إزالته. ولقد أخافني بقوله ذاك ويبدو أنه حقا انتزعني وابنه ليس من عنقه وإنما من حياته كلها. فليذهب إلى الجحيم حيث الشقراوات و إلي باعك بالفول ....
* حدث القهواجي قال: كان كل صباح يدخل المقهى ممسكا في يمناه جريدة ويطلب مني أن أحضر له قهوة سريعة صافية دون حليب ولا سكر. وفكرت عدة مرات أن أنصحه بعدم الإكثار من شرب مثل تلك القهوة ولكن عبوسه الدائم يمنعني من ذلك. ثم يفتح الجريدة على صفحة هي نفسها في كل مرة. فيقرأها ثم يلقي بها جانبا. ودفعني الفضول في عدد من المرات إلى معرفة ماذا يقرأ فاكتشفت أنه يبحث عن آخر أخبار الهجرة. وكان في أحيان كثيرة يطلب مني بكل أدب أن أفتح له التلفاز على إحدى القنوات التلفزيونية الإيطالية، فأفعل، فأراه يحرك شفتيه و لم أع سبب ذلك ...
* حدث أحد الصيادين قال: كنت أشاهده كثيرا يتجول على شاطئ البحر، وكان يسألني أحيانا عن أحوال الطقس واتجاه الريح، وأنا أعجب لمثل هذه الأسئلة، و لم يدر بخلدي أبدا أنه ينوي الحرقان ، ولكنه فعلها على الرغم من أن القارب الذي استقله كان صغير الحجم. وما أعرفه عنه أنه سباح ماهر ....
* قال ابنه الصغير: بابا... بابا... بابا...
ـ ياسين الوسلاتي ـ
( * ) مع الاعتذار للروائي السوداني الراحل
الطيب صالح و روايته الشهيرة موسم الهجرة إلى الشمال .
نشرت هذه الحكاية بجريدة الصريح .
* حدثت أمه قالت: كان ابني منذ البدايات يعشق البحر وما وراء البحر... كان يسألني: هل للبحر نهاية؟ فكنت أجيبه: لكل شيء نهاية يا صغيري .فيقول بصوت خافت كأنه يخاطب نفسه: هل أقدر يوما على الوصول إلى النهاية؟ فينتابني خوف شديد... كنت صيفا وعلى الساعة الرابعة صباحا أنتبه إليه وقد استيقظ من النوم وانسحب من بين أحضاني ـ وهو ابن ثلاث ـ ليشهد طلوع الشمس من وراء تلك الصخرة الصامدة أبد الدهر وسط الماء... كنت أتبعه وأرقبه... كان يجلس على الشاطئ واضعا خده الصغير على كف يده ويرابط هناك ينظر القرص الأحمر المتلألئ ويحدق في الأفق كأن نظراته تخترق البحر والزمن لتنفذ إلى هناك حيث الحلم والأمل المرتقب... كنت أحيانا أنهاه عن فعل ذلك خشية عليه، ولكنه لا يجيبني بالموافقة ولا بالاعتراض والاستنكار كأنه مسلوب الروح والإرادة، وكأني استبطنت مراميه آنذاك. وها أنه فعلها فحرق فأسكن في قلبي اللوعة والحرقة...
* حدث أحد رفاقه قال: كان في المدة الأخيرة وقبل أن يحرق لا شاغل له إلا هناك أو غادي ، فسعى إلى تكوين ملف للحصول على تأشيرة قانونية تسمح له بالسفر القانوني. ولكن طلبه رُفض على الرغم من أنه قرر أن يتعلم اللغة الإيطالية، وقد اقتنى كتابا لذاك الغرض، وقد كان سعيدا كما لم أره كذلك حينما أودع ملفه للحصول على تأشيرة السفر. وكان مهموما كئيبا كما لم أره كذلك أبدا حينما علم أن طلبه مرفوض. فصار منفعلا دوما وقد أحاط به الدجاج الأسود ولم يعد يحتمل كلمتين أخوات . وكنت دائما أسعى إلى الرفع من معنوياته وإدخاله في جو الأصدقاء في تلك الفترة ولكنه كان يصد تلك المحاولات التي تبوء في النهاية بالفشل المرير كأنه سعيد بأزمته تلك وبهمومه وكآبته وكأنه يتلذذ أحزانه...
* حدث ابن عمه قال: فشل في الحصول على التأشيرة فقرر أن ينكفئ على نفسه ويعتزل كل الناس. ولكن ما أخرجه من وحدته وعزلته وانكفائه على نفسه عودة أحد أترابه وأصدقائه من إيطاليا مصحوبا برأس ماله: شقراء وسيارة. وأصبح يلازمه حيث حل، وكان الصديق يحدثه عن غادي (بلاد الغربة) بشيء من الافتخار وبكثير من التزيد: العمل متوفر بيسر، السكن كله رفاهية، لا تشعر بثقل وقت الفراغ لأن الملاهي كثيرة لا تحصى ولا تعد. وفتح له في الجنة كيلومترات وفي آخر حديثه يردد نفس الإسطوانة: أنت عليك بالسفر والمجيء إلى هناك وأنا ألتزم بالبقية. وكان ابن عمي يصدقه في كل كلمة
قالها مرددا في قرارة نفسه الأمارة بالحرقان : حلم ولا بد أن يتحقق. ولكن اكتشف زيف حديث صديقه الفشلام حينما حرق ووصل إلى هناك حيث وجده عاطلا عن العمل مسجلا في الشوماج ولا موظفا في إحدى المؤسسات الخاصة ويقطن في غرفة ضيقة جدا ولا فيلا فاخرة مطلة على البحر. وعرف أن تلك الشقراء ليست زوجته مثلما كان يدّعي. وفي الأخير أنكر معرفته إياه طالبا منه العودة من حيث أتى، فلم يجد مكانا ينام فيه. وتلك هي الصفعة الأولى التي تلقاها ابن عمي المسكين في بلد أحلامه بعد أن غامر بحياته وركب البحر وعرض نفسه لأهواله وأخطاره. واحترق الجزء الأول من الفيلم الذي كتب له السيناريو وأخرجه في خياله. وكم نصحته ألا يصدق ولو كلمة واحدة مما كان يقوله تربه وصديقه الفشلام .... * حدث أبوه قال: كان عاطلا عن العمل لأنه لا يحب أن يعمل. وكان دائم النقمة على مدينته وسكانها وكان يدعو عليها بالوبال مرددا: متى يغرقها البحر؟ .... يعرض عليه كثير من أصدقائه أعمالا مختلفة ولكنه دائما يرفض. ولم تتعلق همته إلا بالسفر للعودة بسيارة فاخرة وبالقدرة على بناء بيت فخم. وكنت أقول له: يا بني، يا عزيزي، من لا يعمل في بلده لا يقدر على العمل في بلاد الناس. فيرد علي قائلا دون أن ينظر إلي: ما يلزك على المر كان إلي أمرّ منه ، والحق أني لم أكن أفهم مقاصده....
* حدث دخاخني الحي قال: كان كل صباح يدخل المحل دون أن ينبس ولو بكلمة واحدة ولا بصباح الخير، فيتناول جريدة وأناوله علبة السجائر التي تعود على اقتنائها ثم يناولني النقود ويمرّ، وأحيانا يقول وكأنه يخاطب نفسه: لا بد أن يأتي يوم أتخلى فيه عن هذا النوع من السجائر وأستبدله بآخر رفيع وأن أقرأ جريدة بلغة القوّرة التي أعشقها. ووقتها كنت لا أفهم مغزى كلامه، أما الآن ففهمت...
* حدثت زوجته قالت: كان لا يعجبه طبخي وخاصة السباقيتي ، فأسمعه دائما منتقدا إياه قائلا بكل حنق: سآكل حتما السباقيتي الحقيقية. وإني لأتساءل في كل مرة: ماذا يقصد بقوله ذاك؟ بينما كان في الواقع يهيئ نفسه ويخطط للذهاب إلى بلد السباقيتي . وقال لي ذات مرة وعيناه تحدقان في المجهول: أنت قيد في عنقي لا بد من إزالته. ولقد أخافني بقوله ذاك ويبدو أنه حقا انتزعني وابنه ليس من عنقه وإنما من حياته كلها. فليذهب إلى الجحيم حيث الشقراوات و إلي باعك بالفول ....
* حدث القهواجي قال: كان كل صباح يدخل المقهى ممسكا في يمناه جريدة ويطلب مني أن أحضر له قهوة سريعة صافية دون حليب ولا سكر. وفكرت عدة مرات أن أنصحه بعدم الإكثار من شرب مثل تلك القهوة ولكن عبوسه الدائم يمنعني من ذلك. ثم يفتح الجريدة على صفحة هي نفسها في كل مرة. فيقرأها ثم يلقي بها جانبا. ودفعني الفضول في عدد من المرات إلى معرفة ماذا يقرأ فاكتشفت أنه يبحث عن آخر أخبار الهجرة. وكان في أحيان كثيرة يطلب مني بكل أدب أن أفتح له التلفاز على إحدى القنوات التلفزيونية الإيطالية، فأفعل، فأراه يحرك شفتيه و لم أع سبب ذلك ...
* حدث أحد الصيادين قال: كنت أشاهده كثيرا يتجول على شاطئ البحر، وكان يسألني أحيانا عن أحوال الطقس واتجاه الريح، وأنا أعجب لمثل هذه الأسئلة، و لم يدر بخلدي أبدا أنه ينوي الحرقان ، ولكنه فعلها على الرغم من أن القارب الذي استقله كان صغير الحجم. وما أعرفه عنه أنه سباح ماهر ....
* قال ابنه الصغير: بابا... بابا... بابا...
ـ ياسين الوسلاتي ـ
( * ) مع الاعتذار للروائي السوداني الراحل
الطيب صالح و روايته الشهيرة موسم الهجرة إلى الشمال .
نشرت هذه الحكاية بجريدة الصريح .





Fayza Ahmed - تعالى وشوف
Commentaires
1 de 1 commentaires pour l'article 26757