منجي المازني
تحلّ الذكرى العاشرة للثورة في ظلّ لا فقط، أزمة اقتصادية خانقة وغياب حلول تنموية ناجعة و تنامي الاعتصامات والإضرابات المفتوحة في كلّ القطاعات، بل كذلك وفي ظلّ ضعف غير مسبوق للدولة، ممّا جرّأ فئات واسعة من المجتمع وخصوصا من الشباب والمعطّلين عن العمل على تحدّي الدولة. فما إن ينتهي اعتصام حتّى تعقبه اعتصامات وإضرابات أخرى. قد تقوم بهذه الاعتصامات والإضرابات قطاعات تروم تحسين وضعها، وقد تكون من طرف الشباب المطالب بالتشغيل والتنمية. وفي كل الحالات فقد أصبحنا نعيش على وقع الاعتصامات والإضرابات المتناسلة من بعضها. وما يثير الإستغراب والدهشة والتساؤل الحائر، هو أن يحدث كل ذلك في ظلّ بهتة من مؤسسات الدولة المطالبة بإيجاد الحلول الجذرية لكلّ المعضلات القائمة.
واللافت أنّه بخلاف الكتل السياسية المناهضة للحزام السياسي للحكومة التي تنادي بإسقاط الحكومة وبحلّ البرلمان في كلّ مناسبة تتاح لهم فإنّ الجماهير المنتفضة والمعتصمة لا تريد إسقاط الحكومة. ولا هي تنادي بإسقاط الحكومة، بل هي تريد فقط وبوضوح، أن تتشكّل حكومة قوية من رحم الصندوق حتّى تجد لها حلولا وتحقّق لها مطالبها في القريب العاجل إن لم يكن في الحال. ولكن لسائل أن يسال ما الذي دفع في اتجاه بروز وظهور حكومات ضعيفة لا تقدر على إعداد منوال تنموي جديد يقطع مع سابقه وفرضه باعتباره يقضي على التهميش ويبثّ الأمل في نفوس المواطنين ؟
الفخاخ التي نصبت للثورة ، ابتداء من نظام انتخابي يجزّأ ولا يجمّع ويحيل على الفوضى، مرورا بإعلام فاسد ووصولا إلى الاغتيالات والعمليات الإرهابية لمنع الإصلاحات مع شعب أغلبه شبه أمّي سياسيا بمفعول الاستبداد والإعلام المضاد، ساهمت جميعها في كبح جماح الثورة والتخفيض من وهجها و نسقها. على أنّ السؤال المطروح بإلحاح اليوم إنّما هو لماذا لم يتم تفكيك رموز وشفرات الثورة المضادة مبكّرا لغاية التحذّر منها واجتنابها مبكّرا وأخذها بعين الاعتبار في طرح الحلول الممكنة. فالخطأ الذي وقعت فيه الثورة والجماهير الثائرة كان ولا شك عدم كشفها،مبكّرا، رموز الثورة المضادة الحقيقيين وهم رموز اليسار الاستئصالي. الذين رفعوا شعارات الثورة ومحاربة الفساد فيما هم أكبر الفاسدين والمفسدين في الأرض رغم تستّرهم بمتاريسهم وراء الثورة زمن انطلاقتها.. فمنذ انتخابات 2011، رفض نواب اليسار الاستئصالي المشاركة في حكومة الثورة ونصبوا لها العداء. وكذلك فعل نواب الجبهة في 2014. ليس هذا فقط بل وعملوا على عزل النّهضة سياسيا واشترطوا مشاركتهم في أي حكومة بضرورة عزل النهضة ومنع مشاركتها فيها. ثمّ وفي 2019 صمّ آذاننا محمد عبّو بشعارات محاربة الفساد، وفوّت على النّهضة فرصة تكوين حكومة سياسية قوية وهي صاحبة المرتبة الأولى في الإنتخابات. وهنا يتبدّى لنا بوضوح وجلاء، أنّ يد الغدر امتدّت من الجهة التي كنّا نظنّها محسوبة على الثورة. ولعلّه من المفارقات العجيبة وغير المألوفة أن يكون النّداء هو من مدّ يده إلى النهضة ولم يغدر بها، ويكون قلب تونس لاحقا هو من يمدّ يده إلى النهضة من أجل المشاركة في بناء منظومة جديدة أساسها القطع مع الاستبداد وإشاعة روح التوافق والتداول السلمي على السّلطة. وهو منجز إيجابي يحسب في رصيد انتصارات الثورة. علما وأنّ الحلول التنموية الحقيقية لا يمكن أن تنجز وترى النّور إلاّ بعد الاتفاق على الحلول السياسية واستكمال بناء المؤسسات الدستورية. ولكن كيف نبلغ هذا الهدف ورموز اليسار الاستئصالي لم يخدعوا قوى الثورة فقط، بل خدعوا كذلك الجماهير اليسارية المناصرة للثورة. ففي انتخابات 2011 لم تنتخب هذه الجماهير حزب نجيب الشابي وحزب حمّة الهمامي اللذين ملآ الدنيا صراخا وعويلا. وانحازت هذه الجماهير لحزب التكتّل (20 مقعدا)ولحزب المؤتمر(29 مقعد). ولكن ما أن مال مصطفى بن جعفر قليلا لقوى الثورة المضادّة وأمر بغلق المجلس التأسيسي إبّان اعتصام "الروز بالفاكية" حتّى عاقبته الجماهير اليسارية وانحازت للجبهة الشعبية حديثة التكوين التي تحصّلت على 15 مقعدا. وعندما تيقّنت هذه الجماهير من عدمية الجبهة انفضّت عنها وانحازت لحزب التيار الديمقراطي ولرئيسه المنادي بمحاربة الفساد. ولكن تبيّن فيما بعد أنّ شعار محاربة الفساد لم يكن من أجل الثورة وإنّما كان غطاء لمحاربة الإسلام السياسي ومتراسا وراء الحقد الإيديولوجي الدفين. لذلك أنا على يقين من أنّ الجماهير اليسارية لن تختار التيّار الذي تنكّر لمبادئ الثورة. فالانتخابات الثلاثة المتلاحقة (2011 2014 2019 ) أبرزت وجود ثلاث تيّارات رئيسية : التيار الإسلامي والمنظومة القديمة والتيار اليساري. ففي انتخابات 2019 تحصّل التيار الإسلامي على ثلث المقاعد وتحصّلت المنظومة القديمة على ثلث المقاعد فيما تحصّلت المنظومة اليسارية ومن يدور في فلكها على حوالي خمس المقاعد. وخلاصة القول أنّ نجاح الثورة يقتضي التواصل مع القوى اليسارية المعتدلة والدّاعمة للثورة واستقطابها إلى حضيرة التحالف القائم اليوم والعمل على تحيين القانون الانتخابي والموافقة على قانون العتبة لإفراز ثلاثة أحزاب أو تكتّلات حزبية متوافقة على الخطوط العريضة للثورة.
تحلّ الذكرى العاشرة للثورة في ظلّ لا فقط، أزمة اقتصادية خانقة وغياب حلول تنموية ناجعة و تنامي الاعتصامات والإضرابات المفتوحة في كلّ القطاعات، بل كذلك وفي ظلّ ضعف غير مسبوق للدولة، ممّا جرّأ فئات واسعة من المجتمع وخصوصا من الشباب والمعطّلين عن العمل على تحدّي الدولة. فما إن ينتهي اعتصام حتّى تعقبه اعتصامات وإضرابات أخرى. قد تقوم بهذه الاعتصامات والإضرابات قطاعات تروم تحسين وضعها، وقد تكون من طرف الشباب المطالب بالتشغيل والتنمية. وفي كل الحالات فقد أصبحنا نعيش على وقع الاعتصامات والإضرابات المتناسلة من بعضها. وما يثير الإستغراب والدهشة والتساؤل الحائر، هو أن يحدث كل ذلك في ظلّ بهتة من مؤسسات الدولة المطالبة بإيجاد الحلول الجذرية لكلّ المعضلات القائمة.
واللافت أنّه بخلاف الكتل السياسية المناهضة للحزام السياسي للحكومة التي تنادي بإسقاط الحكومة وبحلّ البرلمان في كلّ مناسبة تتاح لهم فإنّ الجماهير المنتفضة والمعتصمة لا تريد إسقاط الحكومة. ولا هي تنادي بإسقاط الحكومة، بل هي تريد فقط وبوضوح، أن تتشكّل حكومة قوية من رحم الصندوق حتّى تجد لها حلولا وتحقّق لها مطالبها في القريب العاجل إن لم يكن في الحال. ولكن لسائل أن يسال ما الذي دفع في اتجاه بروز وظهور حكومات ضعيفة لا تقدر على إعداد منوال تنموي جديد يقطع مع سابقه وفرضه باعتباره يقضي على التهميش ويبثّ الأمل في نفوس المواطنين ؟
الفخاخ التي نصبت للثورة ، ابتداء من نظام انتخابي يجزّأ ولا يجمّع ويحيل على الفوضى، مرورا بإعلام فاسد ووصولا إلى الاغتيالات والعمليات الإرهابية لمنع الإصلاحات مع شعب أغلبه شبه أمّي سياسيا بمفعول الاستبداد والإعلام المضاد، ساهمت جميعها في كبح جماح الثورة والتخفيض من وهجها و نسقها. على أنّ السؤال المطروح بإلحاح اليوم إنّما هو لماذا لم يتم تفكيك رموز وشفرات الثورة المضادة مبكّرا لغاية التحذّر منها واجتنابها مبكّرا وأخذها بعين الاعتبار في طرح الحلول الممكنة. فالخطأ الذي وقعت فيه الثورة والجماهير الثائرة كان ولا شك عدم كشفها،مبكّرا، رموز الثورة المضادة الحقيقيين وهم رموز اليسار الاستئصالي. الذين رفعوا شعارات الثورة ومحاربة الفساد فيما هم أكبر الفاسدين والمفسدين في الأرض رغم تستّرهم بمتاريسهم وراء الثورة زمن انطلاقتها.. فمنذ انتخابات 2011، رفض نواب اليسار الاستئصالي المشاركة في حكومة الثورة ونصبوا لها العداء. وكذلك فعل نواب الجبهة في 2014. ليس هذا فقط بل وعملوا على عزل النّهضة سياسيا واشترطوا مشاركتهم في أي حكومة بضرورة عزل النهضة ومنع مشاركتها فيها. ثمّ وفي 2019 صمّ آذاننا محمد عبّو بشعارات محاربة الفساد، وفوّت على النّهضة فرصة تكوين حكومة سياسية قوية وهي صاحبة المرتبة الأولى في الإنتخابات. وهنا يتبدّى لنا بوضوح وجلاء، أنّ يد الغدر امتدّت من الجهة التي كنّا نظنّها محسوبة على الثورة. ولعلّه من المفارقات العجيبة وغير المألوفة أن يكون النّداء هو من مدّ يده إلى النهضة ولم يغدر بها، ويكون قلب تونس لاحقا هو من يمدّ يده إلى النهضة من أجل المشاركة في بناء منظومة جديدة أساسها القطع مع الاستبداد وإشاعة روح التوافق والتداول السلمي على السّلطة. وهو منجز إيجابي يحسب في رصيد انتصارات الثورة. علما وأنّ الحلول التنموية الحقيقية لا يمكن أن تنجز وترى النّور إلاّ بعد الاتفاق على الحلول السياسية واستكمال بناء المؤسسات الدستورية. ولكن كيف نبلغ هذا الهدف ورموز اليسار الاستئصالي لم يخدعوا قوى الثورة فقط، بل خدعوا كذلك الجماهير اليسارية المناصرة للثورة. ففي انتخابات 2011 لم تنتخب هذه الجماهير حزب نجيب الشابي وحزب حمّة الهمامي اللذين ملآ الدنيا صراخا وعويلا. وانحازت هذه الجماهير لحزب التكتّل (20 مقعدا)ولحزب المؤتمر(29 مقعد). ولكن ما أن مال مصطفى بن جعفر قليلا لقوى الثورة المضادّة وأمر بغلق المجلس التأسيسي إبّان اعتصام "الروز بالفاكية" حتّى عاقبته الجماهير اليسارية وانحازت للجبهة الشعبية حديثة التكوين التي تحصّلت على 15 مقعدا. وعندما تيقّنت هذه الجماهير من عدمية الجبهة انفضّت عنها وانحازت لحزب التيار الديمقراطي ولرئيسه المنادي بمحاربة الفساد. ولكن تبيّن فيما بعد أنّ شعار محاربة الفساد لم يكن من أجل الثورة وإنّما كان غطاء لمحاربة الإسلام السياسي ومتراسا وراء الحقد الإيديولوجي الدفين. لذلك أنا على يقين من أنّ الجماهير اليسارية لن تختار التيّار الذي تنكّر لمبادئ الثورة. فالانتخابات الثلاثة المتلاحقة (2011 2014 2019 ) أبرزت وجود ثلاث تيّارات رئيسية : التيار الإسلامي والمنظومة القديمة والتيار اليساري. ففي انتخابات 2019 تحصّل التيار الإسلامي على ثلث المقاعد وتحصّلت المنظومة القديمة على ثلث المقاعد فيما تحصّلت المنظومة اليسارية ومن يدور في فلكها على حوالي خمس المقاعد. وخلاصة القول أنّ نجاح الثورة يقتضي التواصل مع القوى اليسارية المعتدلة والدّاعمة للثورة واستقطابها إلى حضيرة التحالف القائم اليوم والعمل على تحيين القانون الانتخابي والموافقة على قانون العتبة لإفراز ثلاثة أحزاب أو تكتّلات حزبية متوافقة على الخطوط العريضة للثورة.





Abdelhalim Hafed - موعود
Commentaires
0 de 0 commentaires pour l'article 217517