الرجال مواقف "لزهاري" صاحب مكتبة عرفان بالكاف أحدهم



الطاهر العبيدي

بداية سنة 1991 اشتدّت القبضة الأمنية في كل اتجاه. وشنّت حملة شعواء على المحجّبات، وكانت ابنة عمي وابنة خالتي "منيرة العبيدي" إحدى الضحايا. إذ طردت بسبب ارتدائها للحجاب، وهي في سنة "البكالوريا" علوم بمعهد مدينة "تاجروين"، التي تبعد عن محافظة "الكاف" حوالي أربعين دقيقة. حيث كانت تحت أضواء الوشاية الراصدة التي تفوق كاميرات المراقبة، خصوصا وكل عائلتها مشبوهة، ومصنّفة معارضة للنظام. علمت بالخبر اتصلت بالمرحوم صاحب - مكتبة عرفان بالكاف - "يونس لزهاري"، الذي كانت تربطني به علاقة ودّ واحترام هو وأحد معاونيه المسمى "ساسي". بسطت عليه الأمر، فلم يتأخر في مهاتفة المندوب الجهوي للتعليم بالكاف، ويحدّد لي معه موعدا.


دخلت مع ابنة عمي وابنة خالتي "منيرة العبيدي" إلى مكتب المندوب الجهوي، الذي من حسن حظي لا يعرفني شخصيا، مقدّما نفسي أني أخوها، مستفسرا عن سبب طردها من المعهد. فأعلمني أنها لم تمتثل لقرار نزع الحجاب. وهنا هجمت عليها بالصفعات والضرب في كل اتجاه صارخا " أنت تعرفي خير من الدولة ".. "الدولة هي أم الناس الكل، الدولة قالتك نحّي الحجاب، وهي مستعدة تمشي لجهنم في "بلاصتنا".. وفوجئ المندوب بهذا المواطن "البوهالي" الذي مثله تعشقه دولة "الكرفاش". وواصلت تقمّص دور الأخ الساذج المطيع لأوامر الجهاز الإداري، حتى ولو يرمونا في بالوعة أوساخ، ممّا جعل المندوب يحاول أن يفصلني عن "منيرة" التي خبأت رأسها بين يديها، وهي تحاول أن تضغط على نفسها كي لا تنفجر ضحكا، وينكشف حالنا. ارتاح لي المندوب جدا، وأعجب بنضجي الغبي، وطاعتي العمياء للدولة. ثم أضفت له أنا اشتغل "بالمرمة" في "صفاقس"، وليس لي علم أنها أصبحت "عايقة" للدولة. وازداد المندوب انشراحا حين كنت أصرخ في وجهها، وملتفتا له بطريقة بلهاء هذي بطاقة انخراطي في حزب التجمّع الحاكم، وهممت بالتفتيش في جيوبي الستة بشكل بطيء وبطريقة تمنع أيّ شك من أني لا أملكها، ممّا جعله يترجاني لا داعي لإخراجها فكل تصرّفاتك تبيّن أنك مثالا للوطنية، ونعوّل عليك أن تنقذ أختك من حالة العقوق والانحراف. ولأجل موقفك الشريف فإني امنحها فرصة العودة للدراسة ولكن بمعهد "الطويرف"، الذي يبعد عن سكناها حوالي سبعين كلم . وبسماعي لهذا النبأ واصلت مسرحية الأخ الذي هلاكه حلال في سبيل حماية النظام، وأجبته من اليوم ستبقى في البيت ولا خروج منه لأيّ مكان، ولا حاجة لنا بالدراسة إذا كان فيها مضرّة لدولتنا. وهنا رأيت الإعجاب في وجه المندوب، الذي همّ بتقبيل رأس هذا المواطن "البيوع" الذي هو نموذجا ومثالا لدولة التخلف والوشاية والنفاق..وإزاء إصراري على الرفض المفتعل، وأمام جهلي المطلوب والمستحب لدى مسئولي الطبل والمزمار، أراد المندوب مكافئتي فاقترح أن يلحقها بمعهد "جريصة" الذي يبعد عن بيتها تسع كيلومترات وهذا ما كنا نتمناه ونرغب فيه. أجبته إكراما لك سيد المندوب سأقبل قرارك. ومن اليوم ستكون تحت رقابتي اللصيقة. صافحني بحرارة كبيرة قبل خروجنا. وأثنى عليّ كثيرا وعلى وطنيتي وحرصي على حماية البلد. موجّها الكلام إلى "منيرة" كي تستمدّ الفهم والنضج مني أنا أخوها المواطن "الغول" الذي يشرّف الدولة على حد وصفه. وأضنه يقول في نفسه ليت كل المواطنين أغبياء وحمقى مثل هذا البغل أخو "منيرة"...

وللإشارة فان "منيرة العبيدي" وفقا لقرار المندوب نجت من قرار الطرد، والتحقت بمعهد "جريصة" وتحصلت على "البكالوريا" وتخرجت قابلة. وتشتغل في قطر هي وزوجها الطبيب المختص في أمراض الأطفال، ولهما أربعة أبناء - محمد واصل- فراس - لينا- منة الله. وطبعا تلبس الحجاب، وأخيرا تحصلت على "الماجستير".

وما كان تدخلي بهذا الشكل المسرحي إلا انحناء للعاصفة، وتجنبا لمرور الرياح، فكان التوفيق من الله، الذي سخّر لنا صاحب "مكتبة عرفان" المرحوم "الحاج يونس لزهاري" الذي توفي يوم 21 نوفمبر 2020، هذا الرجل الشهم، الذي رغم دقة المرحلة خاطر، ولم يتأخر في فتح الطريق، ليكون فعله هذا جراية حسنات دائمة، تضيء قبره، وتلحق له الرحمة والغفران..

ومن جانبي لم اطالب "منيرة " "بمكافأة ولا علاوة ولا بنسبة مئوية" من راتبها طيلة كل هذه السنوات.. ذلك لأن جهودي كانت استثمارا لصالح الإنسان.

Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 216648