منجي المازني
كان الحزب الاشتراكي الدستوري غداة تسلمه الحكم إثر الاستقلال يزخر بقيادات فكرية وسياسية واقتصادية وازنة من أمثال الحبيب بورقيبة وأحمد بن صالح والهادي نويرة والباهي لدغم والحبيب عاشور ومنجي سليم والطيب المهيري وعلي البلهوان ومحمّد المزالي وأحمد المستيري (وغيرهم ) جعلت تونس تتبوّأ مكانة مرموقة بين الدول خاصّة في مجال العلم والمعرفة رغم تسلّط الحزب واحتكاره للسلطة السياسية وفرضه لمشروعه التغريبي.
وكانت هذه الكفاءات ذات خصائص قيادية وكاريزمية رفيعة عالية مكّنتها من تصوّر وبلورة ملامح مشروع مجتمعي قابل للتنفيذ لتونس الغد رغم الزّلاّت والهنّات. ونكتفي في هذا السياق بالإشارة إلى أنّ الدينار في عهد الوزير الأول الهادي نويرة كان يفوق في قيمته ثلاثة دولارات. وكانت هذه القيادات ذات خصائص قيادية وإشعاع دولي يجعلها قادرة على معارضة بورقيبة عندما يجب معارضته على غرار الحبيب عاشور وأحمد المستيري وغيرهم.
ولمّا جاء انقلاب 7 نوفمبر ورث منظومة الحكم واستبدل اسم "الحزب الاشتراكي الدستوري" باسم "التجمع الدستوري الديمقراطي". وما لبث أن تخلّص بن علي من القيادات الفاعلة والمؤثّرة والقادرة على التصوّر وإعادة البناء من ناحية وعلى استقطاب وتجميع الجماهير من أمثال الأستاذ الباجي قايد السبسي والهادي البكّوش وغيرهم. ولم يبق في التجمّع الدستوري الديمقراطي من يقدر على استقطاب الجماهير سياسيا وفكريا. وكدليل على ذلك لم يقدر حامد القروي مؤسس حزب الحر الدستوري ما بعد الثورة وعبد الرحيم الزواري من مجاراة الواقع السياسي واستمالة في الحد الأدنى جماهير التجمع الدستوري الديمقراطي، ومنيا بهزيمة قاسية. وتمكّن الأستاذ الباجي قايد السبسي،الذي استبعد من التجمّع الدستوري الديمقراطي بعد ثلاث سنوات من انقلاب 7 نوفمبر، من استقطاب كل المنظومة القديمة بفضل حنكته السياسية والكاريزما التي يتمتّع بها.
وأصبح حزب التجمّع الذي يقود البلاد خال من الكفاءات القيادية ذات التصوّرات الخلاّقة التي يمكنها إخراج البلاد من الأزمات. وأصبحت الدولة لا تسير وفق رأية وتصوّرات استراتيجية لمفكّرين وقياديين في الحزب الحاكم، وإنّما في الأغلب الأعمّ تسير وفق تصوّرات خبراء صندوق النقد الدولي التي تملى على المسؤولين التجمعيين ويقع اعتمادها وتمريرها في مشاريع الميزانية.
تكوّن إذن حزب الحر الدستوري الذي ترأسه الآن عبير موسي على أشلاء التجمّع بعناصر مفلسة فكريا وسياسيا وأخلاقيا. تفرّق ولا تجمّع. تهدم ولا تبني. وكلّ ما عرف عن عبير موسي أنّ بن علي كان يستعملها في فضّ اجتماعات المعارضة كما تستعملها اليوم الإمارات المتّحدة في نشر الفوضى وترذيل الحياة السياسية في البلاد وفي هرسلة البرلمان.
ما نودّ الإشارة إليه بوضوح هو أنّ المنظومة القديمة، بعد تخلّصها من القيادات الوازنة في الحزب، أفلست ولم تستطع أن تخرج للناس بعد الثورة قيادات جديدة وازنة جامعة مفكّرة ذات فكر وثقل سياسي كبير. وكل ما أنجزته هذه المنظومة إنّما يختزل في دفعها إلى الواجهة بعناصر من الصّف الأخير للتجمّع لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا. وكلّ ما يستذكرونه هو شعار "الله أحد الله أحد وبن علي ما كيفو حد" ويتلخّص منجزهم في السهر على تفريق اجتماعات المعارضة في العهد البائد وفي محاولة تعطيل سير دواليب مرافق الدولة بالاعتصامات المتكرّرة في مجلس نواب الشعب ومهاجمة أحزاب وجمعيات ذات بعد ثوري وديني مثل حركة النهضة وائتلاف الكرامة واتحاد علماء المسلمين وتوعّدها لهم بالقتل والزجّ بهم في غياهب السجون. وكان من نتائج ذلك ثلاثة حقائق مؤلمة وصادمة. فأمّا الحقيقة الأولى فتتمثّل في أن يتقدّم لريادة الشأن العام أقلّ النّاس شأنا وأرذلهم وأحقرهم وأجرأهم على محاربة الحق والفضيلة. فترأس عبير موسي المنتهية سياسيا وفكريا وأخلاقيا المنظومة القديمة يعتبر عار ومعرّة لا على الثورة بل على المنظومة القديمة برمّتها. وأمّا الحقيقة الثانية فتمثّلاتها بارزة في فشل قيادات الثورة ومنظومة الحكم ما بعد الثورة على الأقل في استبعاد هؤلاء المجانين من عالم السياسة أو على الأقل تحييدهم ولجم أفواههم. وأمّا الحقيقة الثالثة فتتجلّى في إفلاس المنظومة القديمة بشكل عام والعائلة الدستورية بشكل خاص في العثور على خلف في قيمة ووزن وكاريزما الأستاذ الباجي قايد السبسي. ألم تجد الدولة العميقة والعائلة الدستورية من ترشّح لقيادتها وتزعّمها سوى عبير موسي ؟ وقد صرّح الأستاذ الباجي قايد السبسي ذات يوم أنّ نداء تونس له من الكفاءات ما يمكن أن يكوّن أربع حكومات. ولكن بموت الباجي قايد السبسي وجدت الدولة العميقة نفسها في أزمة حادّة حيث لم تجد من ترشّح لقيادة السفينة غير عبير موسي التي لم تعرف على السّاحة السياسة إلاّ من خلال الرقص والعربدة والتهوّر والاعتصامات المدفوعة الأجر بالليل والنهار لترذيل الحياة السياسية. وما يؤكّد هذا الرأي هو نفخ أغلب الأذرع الإعلامية ومراكز سبر الآراء في صورة عبير موسي، بحيث جعلوا منها أهم شخصية سياسية يمكن أن تقود البلاد في المرحلة القادمة. وهو ما يثبت أيضا أنّ رجال الدولة العميقة هم من طينة الغثاء الذين تربّوا على الخوف والمناشدة والانبطاح وعلق الأحذية والوشاية ولهم القابلية بأن يحكمهم ويقودهم أغبى الأغبياء.
كان الحزب الاشتراكي الدستوري غداة تسلمه الحكم إثر الاستقلال يزخر بقيادات فكرية وسياسية واقتصادية وازنة من أمثال الحبيب بورقيبة وأحمد بن صالح والهادي نويرة والباهي لدغم والحبيب عاشور ومنجي سليم والطيب المهيري وعلي البلهوان ومحمّد المزالي وأحمد المستيري (وغيرهم ) جعلت تونس تتبوّأ مكانة مرموقة بين الدول خاصّة في مجال العلم والمعرفة رغم تسلّط الحزب واحتكاره للسلطة السياسية وفرضه لمشروعه التغريبي.
وكانت هذه الكفاءات ذات خصائص قيادية وكاريزمية رفيعة عالية مكّنتها من تصوّر وبلورة ملامح مشروع مجتمعي قابل للتنفيذ لتونس الغد رغم الزّلاّت والهنّات. ونكتفي في هذا السياق بالإشارة إلى أنّ الدينار في عهد الوزير الأول الهادي نويرة كان يفوق في قيمته ثلاثة دولارات. وكانت هذه القيادات ذات خصائص قيادية وإشعاع دولي يجعلها قادرة على معارضة بورقيبة عندما يجب معارضته على غرار الحبيب عاشور وأحمد المستيري وغيرهم.
ولمّا جاء انقلاب 7 نوفمبر ورث منظومة الحكم واستبدل اسم "الحزب الاشتراكي الدستوري" باسم "التجمع الدستوري الديمقراطي". وما لبث أن تخلّص بن علي من القيادات الفاعلة والمؤثّرة والقادرة على التصوّر وإعادة البناء من ناحية وعلى استقطاب وتجميع الجماهير من أمثال الأستاذ الباجي قايد السبسي والهادي البكّوش وغيرهم. ولم يبق في التجمّع الدستوري الديمقراطي من يقدر على استقطاب الجماهير سياسيا وفكريا. وكدليل على ذلك لم يقدر حامد القروي مؤسس حزب الحر الدستوري ما بعد الثورة وعبد الرحيم الزواري من مجاراة الواقع السياسي واستمالة في الحد الأدنى جماهير التجمع الدستوري الديمقراطي، ومنيا بهزيمة قاسية. وتمكّن الأستاذ الباجي قايد السبسي،الذي استبعد من التجمّع الدستوري الديمقراطي بعد ثلاث سنوات من انقلاب 7 نوفمبر، من استقطاب كل المنظومة القديمة بفضل حنكته السياسية والكاريزما التي يتمتّع بها.
وأصبح حزب التجمّع الذي يقود البلاد خال من الكفاءات القيادية ذات التصوّرات الخلاّقة التي يمكنها إخراج البلاد من الأزمات. وأصبحت الدولة لا تسير وفق رأية وتصوّرات استراتيجية لمفكّرين وقياديين في الحزب الحاكم، وإنّما في الأغلب الأعمّ تسير وفق تصوّرات خبراء صندوق النقد الدولي التي تملى على المسؤولين التجمعيين ويقع اعتمادها وتمريرها في مشاريع الميزانية.
تكوّن إذن حزب الحر الدستوري الذي ترأسه الآن عبير موسي على أشلاء التجمّع بعناصر مفلسة فكريا وسياسيا وأخلاقيا. تفرّق ولا تجمّع. تهدم ولا تبني. وكلّ ما عرف عن عبير موسي أنّ بن علي كان يستعملها في فضّ اجتماعات المعارضة كما تستعملها اليوم الإمارات المتّحدة في نشر الفوضى وترذيل الحياة السياسية في البلاد وفي هرسلة البرلمان.
ما نودّ الإشارة إليه بوضوح هو أنّ المنظومة القديمة، بعد تخلّصها من القيادات الوازنة في الحزب، أفلست ولم تستطع أن تخرج للناس بعد الثورة قيادات جديدة وازنة جامعة مفكّرة ذات فكر وثقل سياسي كبير. وكل ما أنجزته هذه المنظومة إنّما يختزل في دفعها إلى الواجهة بعناصر من الصّف الأخير للتجمّع لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا. وكلّ ما يستذكرونه هو شعار "الله أحد الله أحد وبن علي ما كيفو حد" ويتلخّص منجزهم في السهر على تفريق اجتماعات المعارضة في العهد البائد وفي محاولة تعطيل سير دواليب مرافق الدولة بالاعتصامات المتكرّرة في مجلس نواب الشعب ومهاجمة أحزاب وجمعيات ذات بعد ثوري وديني مثل حركة النهضة وائتلاف الكرامة واتحاد علماء المسلمين وتوعّدها لهم بالقتل والزجّ بهم في غياهب السجون. وكان من نتائج ذلك ثلاثة حقائق مؤلمة وصادمة. فأمّا الحقيقة الأولى فتتمثّل في أن يتقدّم لريادة الشأن العام أقلّ النّاس شأنا وأرذلهم وأحقرهم وأجرأهم على محاربة الحق والفضيلة. فترأس عبير موسي المنتهية سياسيا وفكريا وأخلاقيا المنظومة القديمة يعتبر عار ومعرّة لا على الثورة بل على المنظومة القديمة برمّتها. وأمّا الحقيقة الثانية فتمثّلاتها بارزة في فشل قيادات الثورة ومنظومة الحكم ما بعد الثورة على الأقل في استبعاد هؤلاء المجانين من عالم السياسة أو على الأقل تحييدهم ولجم أفواههم. وأمّا الحقيقة الثالثة فتتجلّى في إفلاس المنظومة القديمة بشكل عام والعائلة الدستورية بشكل خاص في العثور على خلف في قيمة ووزن وكاريزما الأستاذ الباجي قايد السبسي. ألم تجد الدولة العميقة والعائلة الدستورية من ترشّح لقيادتها وتزعّمها سوى عبير موسي ؟ وقد صرّح الأستاذ الباجي قايد السبسي ذات يوم أنّ نداء تونس له من الكفاءات ما يمكن أن يكوّن أربع حكومات. ولكن بموت الباجي قايد السبسي وجدت الدولة العميقة نفسها في أزمة حادّة حيث لم تجد من ترشّح لقيادة السفينة غير عبير موسي التي لم تعرف على السّاحة السياسة إلاّ من خلال الرقص والعربدة والتهوّر والاعتصامات المدفوعة الأجر بالليل والنهار لترذيل الحياة السياسية. وما يؤكّد هذا الرأي هو نفخ أغلب الأذرع الإعلامية ومراكز سبر الآراء في صورة عبير موسي، بحيث جعلوا منها أهم شخصية سياسية يمكن أن تقود البلاد في المرحلة القادمة. وهو ما يثبت أيضا أنّ رجال الدولة العميقة هم من طينة الغثاء الذين تربّوا على الخوف والمناشدة والانبطاح وعلق الأحذية والوشاية ولهم القابلية بأن يحكمهم ويقودهم أغبى الأغبياء.





Abdelhalim Hafed - موعود
Commentaires
6 de 6 commentaires pour l'article 216143