رسالة مفتوحة إلى السيد قيس سعيد رئيس الجمهورية التونسية





ليون في 18 أوت 2020


السيد قيس سعيد : تحية واحتراما يليقان بمقامكم، أما بعد :


نتابع الشأن الوطني التونسي ببذل كثير من الجهد لمحاولة الفهم والتفكيك للوضع الذي تمر به بلادنا تونس. يتسم هذا الوضع بصعوبة كبيرة على جميع المستويات وخاصة على المستوى الاجتماعي الذي يهدد بالانفجار والتردي مع إمكانية تخليف ضحايا كثر وأضرار كبيرة، وهذا ما لا نرضاه لبلادنا ولمجتمعنا ولمستقبلها وللأجيال الحالية واللاحقة.
إن الوضعية السياسية جد خطيرة، حيث أن ما يبدو للعيان هو حرص جميع الأطراف السياسية على الإطاحة ببعضها دون مراعاة حقيقية لمصلحة البلاد والعباد. أن تكون الإطاحة سياسية بمعنى أن يكون الصراع على أساس نجاح أو فشل البرامج والمقترحات والرؤى والتصورات التي يمكن تقديمها وقدرتها على خدمة البلاد والمواطنين فذلك أمر عادي وطبيعي. أما أن تكون الوسائل هي غير ما وقع ذكره سابقا وتتعلق بعرقلة المسارات والزج بمؤسسات الدولة في الصراعات السياسية فهذا ما لا نرضاه لبلادنا. ففي هذا المسار، تعطيل لعمل مؤسسات الدولة والزج بها في صراعات سياسية، لا يمكن إلا أن تخلف الخراب والدمار ولا يمكن إلا أن يعبر عن حالة من التخلف الفكري والقيمي والأخلاقي الرهيب.
إن مؤسسة الرئاسة تمتلك العديد من الصلاحيات وعدد من مؤسسات الدولة موضوعة تحت تصرفها وتخضع لأوامرها، فهي من هذه الناحية يمكن لها أن تحدد العديد من المسارات السليمة التي تحافظ على مصالح البلاد وعلى التعامل الأخلاقي المنضبط بين مختلف مكونات المشهد السياسي مع احترام تام للدستور الذي توافق عليه الجميع. إن دور مؤسسة الرئاسة لا يتمثل في ترجيح كفة طرف سياسي على حساب طرف آخر ولو كان الطرف الذي يقع العمل على أبعاده أو إقصائه، حسب تصور معارضيه، لا يمكنه أن يخدم مصالح البلاد ولا أن يحمل مشروعا وطنيا.
سيدي الرئيس قيس سعيد، إن الصلاحيات السياسية الممنوحة لكم كرئيس للدولة التونسية لا تهدف إلى ترجيح كفة مشروع سياسي على حساب مشروع آخر، ولا تهدف إلى تغليب طرف سياسي على حساب طرف آخر، وإن توفرت لكم جميع الإمكانيات والظروف للقيام بذلك العمل. فموقعكم يتطلب منكم عدلا واتباعا للحق ومساواة في التعامل وعدم انحياز إلى أي طرف كان، ولو كنتم بداخلكم تميلون إلى طرف دون آخر، أو تتعاطفون مع أحد الأطراف وتبغضون أخرى.
إننا نعتبر أنكم في مرتبة عالية وسامية وراقية ورفيعة من مكارم الأخلاق التي لا تسمح لكم باستعمال مؤسسات الدولة أو الدستور للإطاحة بطرف أو تغليب طرف آخر، ولا نريد أن يسجلك التاريخ في غير هذه المرتبة. لكم أن تتأولوا الدستور كما شئتم، ولكم أن تتعاملوا مع مؤسسات الدولة بالشكل الذي تسمح لكم به صلاحياتكم، ولكن استعملوا هذا التأويل وهذا التعامل في مصلحة البلاد والعباد ولا تجعلوه في مصلحة طرف دون طرف آخر. إنه لمن سمو الخلق ورفعته أن لا يستعمل الشخص المسؤول الموقع الذي يحتله أو المرتبة التي يتمتع بها لفرض رؤيته أو تصوره أو اختياراته، ولو كان يتصورها حقا محضا، ولكن عليه احترام إرادة المواطنين وترك حرية الاختيار لهم.
إن الاستبداد لا يتمثل فقط في إرادة فرض رؤية شخص أو مجموعة من الأشخاص على الآخرين عن طريق القوة والإكراه، بل يمكن أن يحصل الاستبداد عن طريق وسائل ديمقراطية من مثل الاستعمال المنحاز للدستور. إن أسلم الأساليب للتعامل الحضاري الراقي مع المواطنين هو عرض الأفكار والمشاريع والتصورات عليهم، وترك الحرية كاملة لهم في اختيار ما يرونه صالحا ومناسبا لهم. إنكم لو استعملتم الدستور لفرض تصوركم أو رؤيتكم أو مشروعكم السياسي أو للعمل على إقصاء طرف أو أطراف، فإن ذلك يعتبر ظلما واستبدادا وتعد على حقوق المواطنين ولو توفرت لكم جميع الظروف والإمكانيات لتحقيقه وإنجازه.
إننا يا سيادة الرئيس نعبر عن آرائنا لأننا مواطنين نحب بلادنا وشعبنا، وليس لنا غير هذه الوسيلة في التعامل مع الوضعية التي تمر بها بلادنا، فاعتبروها شكلا راقيا في تبليغ الآراء والأفكار واجعلوا الأجيال اللاحقة تنظر إلينا باحترام وتقدير ولا تنظر إلينا نظرة ازدراء واحتقار وامتعاض. يكون الاحترام إن تعالينا عن مشاعرنا وأحاسيسنا وتعاملنا مع الواقع بكل حيادية ونزاهة وانحياز تام للحق وللوطن. ويكون الاحتقار والازدراء لو استعمل المسؤول الأول في البلاد الوسائل التي هي تحت تصرفه، أي مؤسسات الدولة وإمكانياتها، في غير محلها أو لفرض رؤاه وتصوراته على الآخرين أو على الشعب، ولو كان مقتنع تمام الاقتناع بصحتها ونجاعتها وبسلامة مضمونها.

إنه لا سبيل للتونسيين لحسم الاختلافات والتناقضات بينهم إلا الصراع السياسي الراقي والحضاري الذي يكون على أساس المشاريع والبرامج لا على أساس الإمكانيات الممتلكة أو تلك التي هي تحت التصرف. ربما يخيل إلينا أن بعض المسالك أسرع لتحقيق الأهداف أو المشاريع، ولكن ذلك خطأ فادح ولا يمكن أن يؤدي إلى استقرار سياسي أو اجتماعي مهما كان الطرف المتضرر من الإقصاء. ثم إن الهدف الحقيقي لكل عمل سياسي هو الارتقاء المادي والمعنوي، ما في ذلك أي أدنى شك، ولكن احترام إرادة الشعب يمثل كذلك هدفا ساميا لا يجب التغاضي أو التغافل عنه. إننا لا نؤيد مطلقا أولوية المسألة السياسية والحريات المتعلقة بها وغض الطرف، ولو ظرفيا، عن الوضعية الاقتصادية المتردية ولكننا نؤكد بشكل صريح على تلازم المسارين.

إن لشعبنا القدرة الفكرية الكافية التي تجعله يكتشف أفضل المسالك التي يمكن أن تنتهجها بلادنا ليرتقي بها مع الاحترام التام لإرادة المواطنين. إننا لدينا ثقة تامة لا تتزعزع بقدرة شعبنا على التمييز بين البرامج المطروحة ومن ثم اختيار أفضلها للنهوض بالبلاد. ويمكن لكم يا سيادة الرئيس الاستفادة من موقعكم المساهمة للارتقاء بوعي شعبنا وتوجيهه التوجيه السليم الذي يساهم في تحرره العقلي والفكري، كما يمكن أن يكون لكم دور فعال في تشجيع المبادرات المبدعة والمتألقة والتي تهدف إلى الارتفاع والارتقاء بشأن الوطن. إنه لبمتناولكم ومن صلاحياتكم الاتصال المباشر بالشعب من أجل تحصينه فكريا وغرس حب الوطن والتضحية في سبيله والتنبيه الشديد إلى الإخلاص في العمل والتركيز على بقية القيم الكبرى التي بإمكانها النهوض بالمجتمعات. إننا نأمل من سيادتكم أن تختاروا هذا التوجه السامي الراقي النبيل ولا تختاروا توجها تنتصروا به لمشروع على حساب مشروع آخر أو لفئة على حساب فئة أخرى. إن التوجه الأول يمثل فعلا حضاريا راقيا يستمر مع الوقت ويأتي أكله كل حين، بينما يكون النجاح في التوجه الثاني ظرفيا غير دائم مع نتائج غير مضمونة وطبيعة استبدادية استعبادية.
سيادة الرئيس قيس سعيد، إن وطنا يعبر أبنائه عن مثل هذه الأفكار السامية يستحق عزا وكرامة واحتراما ورقيا وهم أهل لكل ذلك. إن أبناء وطننا مؤهلون لرفع التحديات ومواجهتها مهما كانت طبيعتها، وقادرون على الارتقاء ببلادهم إلى أعلى المستويات. إن رسالتنا هذه نابعة من حس وطني صادق وتمثل انحيازا واضحا وصريحا للحق والعدل والسلام والوطن، ولا تمثل انحيازا لأي طرف كان.

سيادة الرئيس قيس سعيد، وفقكم الله تعالى إلى ما فيه الحق والخير والصواب ودمتم في حفظ الله تعالى ورعايته حاميا للبلاد والعباد.

حافظ جويرو دكتور في علم الاجتماع الحضري
عبد العزيز عقوبي مناضل سياسي، مسؤول بمنظمة حقوق الإنسان



Commentaires


1 de 1 commentaires pour l'article 209149

BenMoussa  ()  |Mercredi 19 Août 2020 à 12h 14m |           
رسالة طويلة مملة تغلب عليها الثرثرة فضاعت الفائدة ان وجدت اصلا
لا اظن ان قيس سعيد له وقت لقراءة هذه الرسال