تونس-بيروت-تونس دول مربوطة بالتّلّ

Photo Yassine Gaidi/AA


بقلم حامد الماطري


يفعل الجاهل بنفسه ما لا يفعله العدوّ بعدوّه.


يفعل الفاسد بنفسه ما لا يفعله العدوّ بعدوّه...


عندما تكون أحمقاً وغير مسؤول، لكن النّظام أعطاك فرصة تبوّأ منصب جعل منك صاحب قرار، فمن العادي ان تخزّن آلاف الاطنان من المتفجرات في مرفأ استراتيجي وسط منطقة سكنية.. يمكنك حتى أن تعود بقنبلة نووية لتخبّئها في منزلك، تحت المخدّة ولا في الثلاجة...

لا شكّ في أن الجميع يتّفق على كون اللبنانيين شعب متعلّم وواع، بل أنّه يزخر بكفاءات من مستوى عالمي في كلّ المجالات.. لذا، من العادي أن يستغرب الناس كيف تقع حوادث كهذه هناك، في وقت اللي لم نرا لها مثيلاً في الدول المتخلّفة...

الجواب سهل: هي الخلطة بين الفساد المهيكل، وتعويم المسؤوليات في مناخ سياسي واجتماعي هشّ وداخل بعضه، يكون فيه المؤقّت دائماً، حتى تصبح الدّولة بكلّ مكوّناتها "مربوطة بالتّلّ"!

يجب ان نفهم ان الواقع المتردّي الذي يعيشه لبنان هو عبارة عن مسلسل هو نفسه الذي تعيشه تونس... هم فقط سابقينّا بحلقتين او ثلاثة...
مكوّنات الخلطة متشابهة: فراغ سياسي وتعويم للمسؤوليات، الحكومات تتغير باستمرار والحكّام فعليّاً هم أنفسهم.. فساد مهيكل ومناخ اجتماعي يشجّع على الانحلال، مقابل "صورة خارجيّة" منمّقة، خادعة تعطي شعوراً غدّاراً بالطمأنينة، وكوننا "ديما نعرفوا كيفاش نسلّكوها" مهما رقصنا على حافة الهاوية...

المنطق يقول انه -وبما اننا نسير على نفس الطريق - سننتهي حتماً الى نتائج متشابهة... أننا كلما قضّينا وقتاً أطول نرقص على حافّة الهاوية، زادت فرص سقوطنا فيها، إلى أن تصبح مسألة حتميّة.

الإفلاس الذي أعلنته لبنان بداية السّنة، ليس إلا مسألة وقت بالنسبة لتونس، بل اننا نستعجله بأنفسنا، وبكلّ تصميم، عبر ما يحدث هنا وهناك من توقيف لباقي القطاعات المنتجة من نفط وفسفاط...

أقول انه مسألة وقت، ليس لأنه قضاء وقدر، ولكنه نتيجة طبيعية لمنوال اقتصادي يسجّل تراجعاً واضحاً منذ عشرين سنة ولا يتجرّأ أحد على لمسه.. نتيجة طبيعية لشعب لا ينتج، لا يجتهد، لا يتألّق، عايش على "عشرة الحاكم" من الكتّاب وحتى التقاعد.. هو نتيجة لرأس مال "وطني" تعوّد على الرّبح السّهل ولم يعد يستسيغ المخاطرة، يقتات منذ عقود على اقتصاد ريعي عقيم، وإدارة تؤدّي ادواراً معطّلة، ومنظومة سياسية ترفض اي نفس اصلاحي، بل وهي مستعدّة لمعاقبة اي حكومة تتجرّأ على زحزحة -أو مجرّد تحدّي- النظام القائم!

الكوارث عندنا لازالت تحدث "بستر ربّي"، على اساس انها نستهلك رصيدنا الاستراتيجي من "سيدي محرز" وباقي الاولياء الصالحين..

لكن لا ننسى ان بواخرنا كانت طرفاً في حوادث غبيّة في عرض البحر، و"جوّنا فسفس" وما من أحد تعرّض للمحاسبة.

طائراتنا أصبحت لها سمعة عالميّة في التأخير، وهي دائمة العطب والتّصليح، تقريباً قبل كل رحلة هناك فرصة أن تجدها محلّ تصليح في آخر لحظة، و"هزّ قطعة من هنا وركّبها غادي وأنده"...

قطاراتنا تعرف حوادث بمعدّل حادث في السّنة، وهو معدّل غير طبيعي بالنظر الى حجم أسطول القطارات عندنا، تمامًا كما هو غير عادي ان يكون عدد المديرين في الشركة اكثر من عدد القاطرات، كأحد عناوين حسن الحوكمة في الشركة..

حافلة عمدون فتح لأجلها مأتم وطني منذ سنة... لكننني اليوم أتحدّى إن تصلّح شيء واحد منذ ذاك التاريخ.. من الفحص الفني الذي يمرّر بالرشوة، الي الطرقات الخطرة، او امكانيات الاسعاف السّريع.

مشاريع بسيطة لشباب واعد لكن من جهات مهمّشة، هي معطّلة منذ سنوات، باستهتار مزعج، لم تتحرّك للأسف إلا يوم تحرّك أصحابها وقرّروا ان يتحوّلوا بدورهم إلى قطّاع طرق ليعطّلوا الإنتاج ويفرضوا على الدّولة سماع صوتهم.

في لبنان، منذ أشهر، الشّعب سخن وتمرّد وخرج إلى الشارع ليلفظ المنظومة السياسية كاملة، عن بكرة أبيها... قال لهم جميعاً: "كلّكن يعني كلّكن"!

لكن في تونس، تحسّ أنّ الأزمة أخطر وأعقد، لأنّ ما من "فصيل" او "طائفة" تنظّمهم وتضمن حدّاً ادنى من التمثيلية والانضباط. حتى في عصبيّتنا، نحن اشبه ببناء فوضوي يتداخل فيه الجهوي بالفئوي بالقبلي بالسياسي، لتتعالى عربدة الضوضاء وليتجلّى تشنّج الهويّات، كما قال أحدهم ذات يوم!

في تونس او في لبنان، الحال من بعضه... تحسّ بأنّك جالس على برميل بارود معرّض للانفجار في اي لحظة.
للأسف، في لبنان، الانفجار حصل في معناه الحقيقي لا المجازي. ربّي يستر تونس من انفجارها، كيف سيكون...؟




Commentaires


7 de 7 commentaires pour l'article 208521

Kerker  (France)  |Samedi 08 Août 2020 à 16h 18m |           
تقوم, الدّولة بعلماءها لا بأحزابها. هم رجال الدولة من المفروض أن يكونوا ساهرين مدى الحياة على المنشآت و النّاشئات و كافّّة الكائنات. ثمّّ إنّ للبنان تاريخ عريق و أثبتت في االعديد من الأزمات و الحروب أنّ لها إدارة قوية ثابتة تقوم بواجبها التّوجيهي و الإعلامي و الإصلاحي و لا ننسى دور النّشر و الثّّقافة لإنارة المجتمع العريي في بداية االنّّهضة الفكرية. لبنان الأخضرلا يقلّ مكانة و جمالا من عدّة بلدان عالمية و لا ننسى بيروت عروس االبحر الأبيض
المتوسّط.

Mandhouj  (France)  |Samedi 08 Août 2020 à 14h 34m |           
محاولة لفهم ما حدث ... بالأساس الإنفجار هو مسؤولية اللامبالاة ، في دولة تحكمها مصالح متضاربة ... مؤسسات الدولة، الرقابية وووو تغيب في الدولة الضعيفة ... على اللبنانيين أن يتحلوا بمسؤولية جماعية لمعالجة الأوضاع ... الفرد يذهب، و المجتمع يبقى .. لنبني الدولة التي تحتضن ابنائها ..

نحن في تونس منذ اسابيع نعيش عديد حرائق شماتة .. أين الأمن؟ أين القضاء ؟ أين المسؤول السياسي ؟ حرائق الأسواق، المصانع، قطار الفسفاط ،.... لا تقولوا لي بفعل مرضى نفسيين .

لنستيقظ.

Seifoun  ()  |Samedi 08 Août 2020 à 11h 30m |           
مقال ممتاز لخصت فيه التشابه الكبير في الوضع بين البلدين لكن ثمة نقطة تشابه كبيرة لم تذكرها و هي النظام البرلماني القاسم المشترك بين البلدين هذا النظام الذي يحول البلاد الي غنيمة ينخرها الصراع بين الاحزاب و الطوائف

BenMoussa  ()  |Vendredi 07 Août 2020 à 18h 25m |           
نظرة تشاؤمية لا مبرر لها ولم نعدها من الكاتب
وارجو انها ليست نتيجة قربه الاخير من السلطة
وما يدعيه من تشابه تام بين لبنان وتونس مبني على معرفة سطحية بالامور وجهل بحقيقة الوضع في لبنان
فالاختلافات كثيرة ومتنوعة بدءا بالمحيط الدولي وتأثيراته الى التركيبة السكانية وتنافراتها الى نوعية الاقتصاد وتركيباته الى الثقافة ومكوناتها
صحيح هناك تشابه في بعض الامور مثل الفساد او الاعتماد على السياحة ولكن المتمعن في الامر يجد اختلافات كبيرة حتى في هذه الميادين فمثلا السياحة في تونس تعتمد على السياح الاوروبيين من المستوى الشعبي بينما تعتمد في لبنان على السياح العرب وخاصة الطبقة الغنية ولكل تداعياتها ومشاكلها المختلفة
ونفس الامر ينطبق ايضا على للوضع السياسي فالاختلاف كبير جدا في التىكيلة السياسية وخلفياتها وبرامجها وتعاملاتها

Delavant  (France)  |Vendredi 07 Août 2020 à 18h 05m |           

Sarramba  (Tunisia)  |Vendredi 07 Août 2020 à 14h 12m |           
@Karimyousef (France)
La politique, est un mal nécessaire sans elle aucune gouvernance n'est possible en dehors la dictature. Sans elle pas de démocratie, encore mois de Liberté surtout individuelle!!! La liberté individuelle est une condition sine quoi non pour que l'individu s'épanoui, crée, invente, s'exprime, et excelle! sans sa Liberté l'Homme est en état de mort intellectuelle !!!
Par contre la corruption est le cancer absolu, qu'il faudrait exterminer!!!!!!

Karimyousef  (France)  |Vendredi 07 Août 2020 à 13h 40m |           
Je partage une grande partie de votre article.
J'ai toujours pensé à ce parallélisme entre les deux pays.
Si rien n'est fait en Tunisie,on sera dans le même l'Etat que le Liban,un pays miné par la corruption et la politique.