هل تسمح أحكام الدستور لحكومة مستقيلة بتصريف الأعمال؟



بقلم: فوزي الجلاصي
متصرف عام- باحث في القانون


صدر بالرائد الرسمي عدد 68 الأمر الرئاسي عدد 68 لسنة 2020مؤرخ في 15 جويلية 2020 المتعلق بقبول استقالة رئيس الحكومة، والذي تضمن:

"الفصل الأول - تقبل استقالة السيد الياس الفخفاخ، رئيس الحكومة ابتداء من 15 جويلية 2020
الفصل الثاني: تواصل الحكومة تصريف الأعمال إلى غاية تولي حكومة جديدة مهامها."

وبالتأمل في ظاهر الأمر الرئاسي يتضح أنه استند إلى أحكام الفصل 98 من الدستور الذي اقتضى " تعد استقالة رئيس الحكومة استقالة للحكومة بكاملها. وتقدم الاستقالة كتابة إلى رئيس الجمهورية الذي يعلم بها رئيس مجلس نواب الشعب "
فهل أن ما قضى به الأمر الرئاسي بالفصلين الأول والثاني ينسجم تماما مع أحكام الفصل 98 من الدستور؟

1-الفصل الأول:
بالنظر إلى ما تضمنه الفصل الأول من الأمر الرئاسي القاضي بقبول استقالة السيد إلياس الفخفاخ يتضح انه ينسجم تماما مع أحكام الفقرة الأولى من الفصل 98 من الدستور طالما أن قبول استقالة رئيس الحكومة تمثل تجسيدا لأحد الخيارات الممنوحة لرئيس الجمهورية في مثل هذه الحال وبالتالي فمتى باشره عد ذلك من مطلق صلاحياته، ما يجعل أحكام الفصل الأول من الأمر الرئاسي متلائمة مع مقتضيات الفصل 98 من الدستور ولا تثير ملاحظات خاصة في هذا الشأن.
ولكن هل أن النتيجة ذاتها تنسحب على مضمون الفصل الثاني من الأمر الرئاسي الذي تقرر من خلاله: أن تواصل الحكومة (المستقيلة) تصريف الأعمال؟

2-الفصل الثاني:
بالنظر إلى بنية نص الفصل 98 من الدستور يتضح أنه تضمن فقرات ثلاث .تعلقت الأولى بحالة استقالة الحكومة (بمبادرة كتابية من رئيسها) فيما تعلقت الثانية بحالة استقالة الحكومة بموجب عدم تجديد مجلس نواب الشعب الثقة فيها ، أما الفقرة الأخيرة فقد تعلقت ببيان الأثر المباشر في حالتي الاستقالة وهو أن " يكلف رئيس الجمهورية الشخصية الأقدر لتكوين حكومة طبق مقتضيات الفصل 89"، وبالنتيجة فان الفصل 98 لا يشير تلميحا أو تصريحا إلى إمكانية تكليف الحكومة المستقيلة بمواصلة تصريف الأعمال ،ما يرجح أن لجنة صياغة الدستور تعتبر الحكومة المستقيلة غير مؤهلة لمواصلة أعباء تصريف الأعمال إلى حين مباشرة الحكومة الجديدة مهامها .وهي مسألة لا يمكن أخذها بغلبة الظن ، إذ لو انصرف اختيار لجنة الصياغة إلى تلك الإمكانية لتم التنصيص عليها صراحة،ما يرجح أن مضمون الفصل الثاني من الأمر الرئاسي عدد 68 (القاضي بتكليف حكومة السيد إلياس الفخفاخ بتصريف الأعمال ) لا يتلاءم مع أحكام الفصل 98 من الدستور.
فهل من الممكن اعتماد أحكام الفصل 100 من الدستور كسند لتكليف الحكومة المستقيلة بمهام تصريف الأعمال، إلى حين تركيز حكومة جديدة؟
فقد اقتضت الفقرة الثانية من الفصل 100 من الدستور أن " تواصل الحكومة المنتهية مهامها تصريف الأعمال تحت إشراف عضو منها يختاره مجلس الوزراء ويسميه رئيس الجمهورية إلى حين مباشرة الحكومة الجديدة مهامها ".

ولئن تبدو أحكام هذه الفقرة بمثابة السند الدستوري لتفعيل آلية التكليف بتصريف الأعمال في حالة الاستقالة، فإنه لا يمكن اعتمادها بمعزل عن أحكام الفقرة الأولى من الفصل المذكور (100) التي اقتضت صراحة أنه " عند الشغور النهائي لمنصب رئيس الحكومة لأي سبب عدا حالتي الاستقالة وسحب الثقة ...... تواصل الحكومة المنتهية مهامها تصريف الأعمال تحت إشراف عضو منها يختاره مجلس الوزراء......"
وبالتالي فان الإجراءات الواردة بالفصل 100 من الدستور تنطبق في حال الشغور النهائي لمنصب رئيس الحكومة لأي سبب عدا حالتي الاستقالة وسحب الثقة.

والملاحظ أن نص الفصل 100 يستعمل لفظ "عدا" الذي يفيد الحصر والاستثناء، ما يؤكد أن لجنة صياغة الدستور قد أقصت واستثنت صراحة الحكومة المستقيلة من إمكانية تكليفها بمواصلة تصريف الأعمال، وهي أحكام تنسجم مع مضمون الفصل 98من الدستور من هذه الناحية، وبالنتيجة فإن أحكام الدستور لا تسمح للحكومة المستقيلة بتحمل أعباء تصريف الأعمال، فهل أن تكليف حكومة السيد إلياس الفخفاخ بمواصلة تصريف الأعمال بموجب الفصل الثاني من الأمر الرئاسي عدد68 لسنة 2020 بات مخالفا للدستور ويقتضي المراجعة؟
وبصرف النظر عن دواعي هذا الاختيار الذي ارتأته لجنة الصياغة وما إذا كان يستند إلى فكرة الحرمان أو الجزاء أو العقاب فالثابت و من خلال قراءة متبصرة للفصلين 98 و100 من الدستور، أن لجنة الصياغة ارتأت عن قصد إعفاء الحكومة المنسحبة بموجب الاستقالة أو سحب الثقة، من مهمة تصريف الأعمال وهو بالتالي اختيار يتوجب احترامه، إلا أنها بالمقابل لم تقترح حلا لذلك ، فكيف من الممكن مجابهة حالة الفراغ إذا ما تقرر (احتراما للدستور) عدم تكليف الحكومة المستقيلة بمواصلة تصريف الأعمال ،عندها سنكون في وضعية فراغ وهي وضعية بذاتها تمثل مأزقا قد يؤدي بالبلاد إلى ما لا تحمد عقباه ؟

فهل غاب عن حسابات لجنة الصياغة إيجاد البدائل المنطقية لمعالجة هذا المأزق؟ وفي غياب ذلك هل سيكون تكليف الحكومة المستقيلة من قبيل ارتكاب أخف الأضرار (مقابل دفع الضرر الأكبر حالة الفراغ)؟

لا شك أن لجنة الصياغة محمولة على التناسق وعلى عدم التضارب وبالتالي فان ما قضى به الدستور بإعفاء الحكومة المستقيلة من تصريف الأعمال، وجب احترامه ولا يمكن بحال مخالفته حتى وان كان بداعي التصدي الى حالة الفراغ لأن ذلك لن يمنح الحكومة المستقيلة الأهلية القانونية لتصريف الأعمال.

فهل من حل ينسجم مع أحكام الدستور؟
بالنظر الى موقف لجنة الصياغة الواضح والحاسم الوارد بالفصل 100 من الدستور بشأن عدم أهلية الحكومة المنسحبة،لتصريف الأعمال، يبدو أن تلك اللجنة تكرس دعوة ضمنية لتفعيل حكومة الظل كآلية بديلة في مثل هذه الحال، ولو من خلال عرف دستوري، فنحقق بذلك هدفا مزدوجا: تأمين استمرارية الدولة واحترام الدستور. وهو ما يقتضي بداهة توفر المناخ والأسباب الموضوعية لإيجادها. وهي مهمة وإن تبدو صعبة فإنها ليست مستحيلة.
فهل يكون الحل -مستقبلا- في حكومة الظل، تلك الجوهرة المطلوبة في صرحنا الدستوري؟

Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 208337