بين "الاستقالة" و"سحب الثقة".. قراءة دستورية-قانونية



بقلم: شكري بن عيسى (*)




تطورات متسارعة تشهدها الساحة السياسية وصلت ذروتها الاربعاء 15 جويلية، بتقديم الفخفاخ استقالة من رئاسة الحكومة صادقت عليها رئاسة الجمهورية، أتت مباشرة في نفس اليوم بعد ايداع عريضة ممضاة من 105 نائب، لسحب الثقة من رئيس الحكومة يقودها الحزب الاغلبي (النهضة).



دهشة كبيرة من مختلف الاوساط صاحبت هذه الاحداث الهامة سياسيا، لفهمها وفهم اسسها وخلفياتها وابعادها ولكن ايضا لتفكيك مستوجباتها واثارها القانونية الدستورية، خاصة وانّ النزاعات السياسية التي وصلت ذروتها واحدثت تفجرا حادا، لم يقدر الدستور في نسخته الظاهرة على استيعابها، وتبويب ما سيترتب عنها بالدقة والوضوح المستحق.



فالدساتير كمعايير قانونية عليا وضعت اساسا لتنظيم الحياة السياسية، وقت التأسيس والاشتغال وكذلك وقت الانتقال من وضع الى وضع، ولكن ايضا وقت الازمات والانسدادات التي يقع توقعها (برغم طارئيتها) قدر الامكان، حتى لا يحصل الفراغ المفضي للارتباك الذي قد يصل للفوضى والاضطراب، ويشل السير العادي للسلط العامة ودواليب الدولة.



المؤسسين ذاتهم في الدستور التونسي (او في كل الدساتير) توقعوا وجود حالات الفراغ والتنازع بين السلط المخولة لتأويل وتنفيذ الدستور، فالفصل 146 نظّم مسألة تفسير وتأويل أحكام الدستور في اطار وحدة منسجمة، في حين ان الفصل 101 نظّم مسألة النزاعات المتعلقة بالاختصاص بين رأسي السلطة التنفيذية، التي القى بالبت في حلها للمحكمة الدستورية.



اليوم بعد تداخل حالتي "سحب الثقة" و"الاستقالة" اثيرت عديد نقاط الاستفهام الدستورية، ولكن بالارتباط الوثيق بالاطار والمصالح السياسية بالرغم ان الكل لا يفتىء بتذكيرنا بمرجعية "المصلحة الوطنية" التي يدعي الارتكاز عليها، والسؤال الذي بات يختزل الموضوع: هل سيتم اعتماد مسار سحب الثقة وفقا للفصل 97 للدستور ام مسار الاستقالة وفقا للفصل 98 فقرة أولى ؟



والنزاع يستمد اهميته وحدّته من اعتبارين: الاول هو الاجراءات والتقنيات والاجال، والثاني وهو الاهم وهو الجوهري وهو يرتبط بمن ستؤول له اهلية واختصاص تحديد او تكليف رئيس الحكومة، ففي حالة استقالة رئيس الحكومة حيث يختص رئيس الحمهورية بتكليف "الشخصية الاقدر" لتكوين حكومة، ويسترجع بالتالي زمام المبادرة التي تحوّز بها بموجب الدستور، بعد فشل النهضة لتكوين حكومة من قبل مرشحها الحبيب الجمني.



اما في حالة سحب الثقة من الحكومة فالاحزاب والكتل البرلمانية هي التي سيكون لها القول الفصل في المرشح لرئاسة الحكومة، حيث يشترط الدستور في الفصل 97 لسحب الثقة من الحكومة اضافة لموافقة الاغلبية المطلقة من اعضاء المجلس، تقديم مرشح بديل لرئيس الحكومة يصادق على ترشيحه في نفس التصويت، ليتم تكليفه فيما بعد من قبل رئيس الجمهورية بتكوين حكومة.



ولئن يسجّل انه في كلتا الحالتين في تكوين الحكومة يتم الرجوع لمقتضيات الفصل 89 للدستور، فان الامر يختلف بين ان يختار رئيس الجمهورية (ولو بعد استشارة الاحزاب والائتلافات والكتل النيابية) الشخصية الأقدر، وبين ان يكون ملزما بالشخصية التي يصادق عليها البرلمان لتكليفها، ومن هنا تصاعدت الشكوك حول امكانية فرض رئيس الجمهورية على الفخفاخ الاستقالة الاربعاء 15 جويلية، اثر قرار شورى النهضة قبل يوم سحب الثقة من الفخفاخ.



موضوع طلب الاستقالة من الفخفاخ اشارت اليه اذاعة موزاييك، والخلفية هي حرص سعيد على عدم ضياع زمام الامور من يده سياسيا ودستوريا، وما يدعم ذلك هو التراجع المذهل في الموقف الصادر عن الرئاسة في اجتماعها بالفخفاخ والطبوبي يوم الاثنين 13 جويلية، حيث كان سعيد صارما في انه لن يتشاور مع اي كان في اشارة للنهضة حول حكومة جديدة طالما لم تتم استقالة المعني (الفخفاخ) او سحب الثقة من حكومته.



والرهانات هنا كبرى اذ الاطراف التي تقدمت بلائحة اللوم ضد الحكومة اساسا النهضة وقلب تونس شككت في سلامة الاستقالة من الفخفاخ ونزاهتها، وتمسكت بمسار سحب الثقة برغم تداخل الاستقالة معه، والخوف هو من ضياع زمام المسك بتحديد المرشح لرئاسة الحكومة، خاصة وان من جهة الفاعلية والامر الواقع والاجال، اجراءات الاستقالة ونفاذها اسرع من سحب الثقة.



وطرحت هنا مسألة الاسبقية بين المسارين، ولئن لا يوجد دليل على اسبقية اي من الحدثين الاستقالة من جهة وطلب سحب الثقة من الحكومة من اخرى، المؤرخين في نفس اليوم (15 جويلية)، فان الدلائل التي بحوزتنا تصب في ان اجراءات سحب الثقة كانت الاسبق، ودليلنا في ذلك هو البلاغات الصادرة عن الطرفين، اذ تم تقديم طلب سحب الثقة في حدود الساعة الثانية ظهرا، في حين لم يعلن موقعا رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية عن تقديم الاستقالة سوى بعد السادسة مساءًا.



الدستور لم يحسم الجدل برغم تقديم الفصل 97 موضوع سحب الثقة عن الفصل 98 موضوع الاستقالة، وهو فراغ واضح لا يمكن ملؤه الا بالرجوع للفقه المقارن ونظرية الامر الواقع، حيث تعتمد في عديد الدول تسبيق الاستقالة على اجراءات سحب الثقة، لان سحب الثقة يصبح لا معنى له عند استقالة الحكومة، بحيث تصبح عملية اللوم والسحب بلا موضوع، خاصة وان الرئاسة سارعت في الموافقة عليها، كما سارعت في ارسالها للبرلمان لطلب تفاصيل الاحزاب والكتل والائتلافات النيابية التي سيتشاور معها رئيس الجمهورية وفقا للفصل 89 للدستور.



نظرية الامر الواقع ونفاذ الحق تجعل الاستقالة مستنفذة واسرع من سحب الثقة، فالاستقالة "استهلكت" فعليا في مقابل اجراءات سحب ثقة لا زالت قيد التنفيذ، ولا بد من انتظار خمسة عشرة يوما على الاقل للتصويت عليها، وتحديد بديل (مرشح) لرئيس الحكومة، في مقابل الانتهاء من تحديد وتكليف رئيس حكومة من قبل رئيس الجمهورية في حالة الاستقالة، في اجل عشرة ايام فقط من تسجيل الاستقالة، ما يجعل سحب الثقة خارج اطار الدستور، ولو ان الدستور ذاته اذ فصل بين حالتي الاستقالة وسحب الثقة فلم يمنع عدم وقوعهما بالتوازي.



من جهة اخرى قد لا يصار الى سحب الثقة من قبل البرلمان، اما لعدم توفر النصاب او الاغلبية المستوجبة او عدم تقديم مرشح بديل لرئيس الحكومة او عدم المصادقة عليه بالاغلبية المستوجبة، لكن نظرية الاسبقية وفقا لاعتبار الامر الواقع، اذ تعطي الاسبقية لرئاسة الجمهورية في تفعيل الاستقالة وما بعدها، باعتبارها جهة مبادرة وباعتبارها متحكمة في اجراءات صلب المسارين الاول والثاني، فهي ايضا يمكن ان تعطل المسارين.



اذ ان كان من امكان البرلمان الذهاب الى اخر حد في تفعيل سحب الثقة، فان بيد رئيس الجمهورية مفصلا هاما يمكن من خلاله ان يعطل عبره المسار، وهو توقيف عملية التكليف بتكوين الحكومة للشخصية التي تتم المصادقة عليها من البرلمان، وهذا بالرغم انه ملزم (اختصاص مقيّد) بتكليفها ولكن الدستور لا يرتب اي جزاء عن الامتناع وعدم التكليف.



في نفس الاطار وهو الحاصل الان يمكن للبرلمان تعطيل مسار الاستقالة، بعدم اجابة رئيس الجمهورية عن طلبه حول الاحزاب والكتل والائتلافات النيابية، او في مرحلة اخرى رفض التشاور حول الشخصية الاقدر التي يمكن تكليفها من قبل رئيس الجمهورية لتكوين الحكومة.



والحقيقة ان الاستقالة جاءت في توقيت وظروف مسترابة، مثلما اشار الى ذلك بعض نواب وقيادات الكتل المقدمة للائحة اللوم بالتشكيك في نزاهتها، فان نظرية التعسف في استعمال الحق، لا تسمح باستعمال حق ظاهر، ان كان فيه تعسّف وقصد من اجل الانحراف بالقانون من اجل دوس حق مقابل.



واضافة الى ذلك فالاستقالة وما يستتبعها من اجراءات تقطع مسار سحب الثقة، سيحرم من ممارسة رقابية ومحاسبية للحكومة، واطلاع الشعب على الحقائق المرتبطة بآدائها، وتحميلها المسؤوليات القانونية والسياسية والاخلاقية، ولا تسمح بالشفافية اللازمة في ظرف حساس من مسار سياسي، تعتبر فيه عملية سحب الثقة تقليدا هاما في ترسيخه تكريس لمبادىء ديمقراطية ناشئة.



لكن في المقابل الاستقالة في حد ذاتها هي اقرار بالفشل والمسؤولية، ولو انه تم التلاعب بمحتواها بادراج تبريرات من نوع تجنب التنازع وغيره، بل انها تاتي بعد بلاغ سابق قبل يومين في اتجاه مغاير باستمرار الحكومة، ما يصب في عدم جدية المبررات التالية، ويزيد في ابراز المسؤولية عن الاخفاق السياسي.



وهو ما يمكن معه تجاوز والتنازل عن مسار سحب الثقة من منطلق هذا الاعتبار، ولكن لاعتبارات اخرى لا تقل اهمية ووزنا، لعل اهمها هو فعالية وسرعة اجراءات الانتقال الى حكومة جديدة بعد الاستقالة، ولكن ايضا حصول مشاورات مع المعنيين من احزاب وكتل وائتلافات نيابية، مع رئيس جمهورية هذه المرة في وضع اضعف، من ناحية فشله في التكليف الاول المتعلق بالفخفاخ، وتسارع الاحداث عكس خياراته التي تم كبحها بطريقة قيصرية وليس ارادية، فيها في كل الحالات نوع من الالتفاف على الدستور، لن يجعل ساكن قرطاج ولو انه استرجع المبادرة في وضع التوازن المستقر.



وفي كل الحالات فالانسداد الدستوري الحالي هو في الاصل نتيجة انسداد سياسي، ان تم التوصل لحله بصعوبة بالغة، فلن تقدر الحقيقة الحكومة القادمة على الصمود، في ظل عنصر غياب الثقة بين الاحزاب وبين المؤسسات الدستورية، وبين الشعب واغلبية الطبقة السياسية، وفي ظل العجز الكبير للكفاءة الحالي فضلا عن النزاهة والمصداقية، هذا ان تم تكوين الحكومة وتم تجاوز امتحان المصادقة عليها وتمت الولادة، فستكون صعبة ولن يقدر المولود على الاغلب بالاستمرار طويلا !!



(*) باحث في الفلسفة السياسية والقانون العام

Commentaires


6 de 6 commentaires pour l'article 207306

Nouri  (Switzerland)  |Vendredi 17 Juillet 2020 à 22h 23m |           

Nouri  (Switzerland)  |Vendredi 17 Juillet 2020 à 21h 48m |           

Nouri  (Switzerland)  |Vendredi 17 Juillet 2020 à 11h 36m |           
هل كورت النهضة بقيس، نعم حسب تصريحات البعض، المعلومة ان قيس اراد دفع النهضة في خندق وبعد ان رفض قيس طلب استقالة الفخفاخ اجتمعت النهضة لطلب عدم الثقة في الفخفاخ عند البرلمان ونجحت في جمع الاصوات لكن قيس تراجع واراد جلب الكفة لديه واجتمع بالغنوشي والفخفاخ والطبوبي ليعلن ان الفخفاخ استقال وفي هذه الحالة رئيس الجمهورية هو الذي يختار رئيس الحكومة في حين لو تم جلب الثقة من الفخفاخ عبر البرلمان فرئيس البرلمان هو الذي يختار.
بل قيس وهذا ما يدل قلة خبرته وضعفه سياسيا حتى ولو هو رجل قانون لم يتفطن ان من يسجل الاول في الرائد الرسمي "الجهة الرسمية" هو الذي يتعامل به والقانوني وهذا ما فعلته النهضة وكورت بقيس
والله اعلم

Nouri  (Switzerland)  |Vendredi 17 Juillet 2020 à 11h 25m |           
هل كورت النهضة بقيس، نعم حسب تصريحات البعض، المعلومة ان قيس اراد دفع النهضة في خندق وبعد ان رفض قيس طلب استقالة الفخفاخ اجتمعت النهضة لطلب عدم الثقة في الفخفاخ عند البرلمان ونجحت في جمع الاصوات لكن قيس تراجع واراد جلب الكفة لديه واجتمع بالغنوشي والفخفاخ والطبوبي ليعلن ان الفخفاخ استقال وفي هذه الحالة رئيس الجمهورية هو الذي يختار رئيس الحكومة في حين لو تم جلب الثقة من الفخفاخ عبر البرلمان فرئيس البرلمان هو الذي يختار.
بل قيس وهذا ما يدل قلة خبرته وضعفه سياسيا حتى ولو هو رجل قانون لم يتفطن ان من يسجل الاول في الرائد الرسمي "الجهة الرسمية" هو الذي يتعامل به والقانوني وهذا ما فعلته النهضة وكورت بقيس
والله اعلم

Nouri  (Switzerland)  |Vendredi 17 Juillet 2020 à 10h 45m |           

Nouri  (Switzerland)  |Vendredi 17 Juillet 2020 à 10h 42m |           
هل كورت النهضة بقيس، نعم حسب تصريحات البعض، المعلومة ان قيس اراد دفع النهضة في خندق وبعد ان رفض قيس طلب استقالة الفخفاخ اجتمعت النهضة لطلب عدم الثقة في الفخفاخ عند البرلمان ونجحت في جمع الاصوات لكن قيس تراجع واراد جلب الكفة لديه واجتمع بالغنوشي والفخفاخ والطبوبي ليعلن ان الفخفاخ استقال وفي هذه الحالة رئيس الجمهورية هو الذي يختار رئيس الحكومة في حين لو تم جلب الثقة من الفخفاخ عبر البرلمان فرئيس البرلمان هو الذي يختار.
بل قيس وهذا ما يدل قلة خبرته وضعفه سياسيا حتى ولو هو رجل قانون لم يتفطن ان من يسجل الاول في الرائد الرسمي "الجهة الرسمية" هو الذي يتعامل به والقانوني وهذا ما فعلته النهضة وكورت بقيس
والله اعلم