حول عرض التّحوير الوزاري على البرلمان



إبراهيم البَرتاجي
أستاذ تعليم عال في القانون العامّ


عادت هذه المسألة إلى السّطح بعد أن اعتقدنا أنّ الأمر استقرّ في شأنها في اتّجاه وجوب التّقدّم إلى مجلس نوّاب الشّعب عند إجراء تحوير على تركيبة الحكومة. فقد دأبت الحكومات السّابقة على احترام هذا الإجراء وأمكن بذلك، في كلّ مرّة، للبرلمان أن يقوم بدور يُعتبر طبيعيا في ظلّ النّظام السّياسي الّذي أفرزه دستور 27 جانفي 2014. كما مكّن هذا الإجراء أعضاء الحكومة الجدد من شرف نيل ثقة نوّاب الشّعب ومن الانطلاق في عملهم بزاد من المشروعية لا يستهان به.


ويبدو من الوهلة الأولى أنّ المسألة لا يمكن أن تكون محلّ إشكال باعتبارها محكومة بنصّ صريح وهو الفصل 144 من النّظام الدّاخلي لمجلس نوّاب الشّعب الصّادر بتاريخ 2 فيفري 2015. فقد جاء في هذا الفصل : " إذا تقرّر إدخال تحوير على الحكومة الّتي نالت ثقة المجلس إما بضمّ عضو جديد أو أكثر أو بتكليف عضو بغير المهمّة الّتي نال الثّقة بخصوصها فإنّ ذلك يتطلّب عرض الموضوع على المجلس لطلب نيل الثّقة ". وهو نصّ تمّ تطبيقه في عدّة مناسبات ولم يرتئي البرلمان التّخلّي عنه، كما لم نسمع أصواتا تدفع نحو ذلك.

لكن بالرّغم من هذا الوضوح، وجد البعض سبيلا للقول أو للإيحاء بأنّه بالإمكان تجاهل هذا النّصّ بتعلّة أنّ الدّستور لم يتضمّن ما جاء فيه. وفي الحقيقة، تكشف هذه الرّؤية عن خلط بين مسألتين مختلفتين. تتعلّق الأولى بالامتثال لما جاء في الفصل 144 المذكور، وهي مسألة لا يمكن أن تكون محلّ نقاش. أمّا الثّانية فتتعلّق بإمكانية إبداء الرّأي في سلامة هذا النّصّ، وهو أمر متاح لكلّ متابع للشّأن القانوني ويمكن أن نجد فيه الرّأي والرّأي المخالف.

I- في الامتثال للفصل 144 من النّظام الدّاخلي

قد يكون رئيس الحكومة غير متأكّد من نيل التّحوير الوزاري ثقة النّوّاب. وقد يتساءل تبعا لذلك إن كان لزاما عليه التّقدّم للبرلمان. لا يمكن هنا للإجابة سوى أن تكون صريحة وواضحة وضوح النّصّ الّذي يضبط هذه المسالة، وهو الفصل 144 من النّظام الدّاخلي لمجلس نوّاب الشّعب. فالأمر يتعلّق بنصّ قانوني نافذ لا يمكن التّغاضي عنه والالتفات لغيره ولا حتّى التّساؤل إن كان منسجما مع الدّستور. فالنّصوص القانونية تحمل قوّتها الإلزامية في ذاتها ولا يمكن البتّة لمن هو مطالب بإنفاذها التّشكيك في تلك الإلزامية. غاية ما يمكن القيام به هو مناقشة المسألة أمام القضاء، إن كان الأمر متاحا، وانتظار ما سيقوله في الأمر، علما وأنّه خلال فترة الانتظار يتواصل تطبيق القانون بشكل عادي.

ومن الخطإ هنا التّشكيك في مسألة الإلزامية بالرّجوع إلى الدّستور وبالتّاكيد على أنّه لم يتعرّض صراحة لقاعدة طلب الثّقة عند القيام بتحوير وزاري، ثمّ الذّهاب بعد ذلك إلى القول بتغليب الدّستور، عملا بمبدإ هرمية القواعد القانونية. فمسألة الهرمية تُطرح عند وضع القواعد، حيث يتمّ الحرص على أن تحترم كلّ قاعدة ما يعلوها. كما تُطرح كذلك عند التّقاضي، حيث يجوز للقاضي، في بعض الحالات وحسب ضوابط محدّدة، إلغاء أو إزاحة القاعدة الّتي تُخلّ بالهرمية. أمّا عند تطبيق القاعدة والامتثال لها فيتمّ الاستناد إلى القاعدة الأدنى دون الالتفات إلى ما يعلوها إلّا في حدود ما تقتضيه قواعد التّأويل. فتجاه الأمر التّرتيبي الّذي يأتي تنفيذا للقانون، لا يمكن للسّلط والأشخاص المعنيين به سوى الامتثال لما جاء فيه حتّى وإن كان يبدو مخالفا للقانون الّذي استند إليه، ما لم يقرّ القضاء خلاف ذلك.
أمّا إذا سمحنا لكلّ من هبّ ودبّ بأن يصرّح بعدم إلزامية هذه القاعدة أو تلك، فسيؤدّي الأمر إلى الدّخول في حالة من الفوضى القانونية، باعتبار أنّ كلّ من يهمّه الأمر سيتبنّى الاجتهاد الّذي يناسبه، حسب نظرة انتقائية للقواعد القانونية تؤول، لا محالة، إلى اندثار مفهوم القانون في حدّ ذاته. فعلى سبيل المثال، هل يعقل أن نعتبر أنّ السّلط والأشخاص في حلّ من تطبيق أمر 26 جانفي 1978 المتعلّق يتنظيم حالة الطّوارئ، وذلك بالقول أنّ هذا الأمر مخالف للدستور ؟

والمسألة شبيهة بما نجده في خصوص الأحكام القضائية الّتي، وإن كان بالإمكان مناقشتها قضائيا حسب الضّوابط الّتي يحدّدها القانون، فإنّه يتعيّن الإذعان لها حتّى وإن كانت تبدو مختلّة. وفي هذا الشّأن، سبق أن تمّت استشارة المحكمة الإدارية في خصوص الأذون الّتي تصدر أحيانا عن القاضي العدلي تجاه الإدارة. فأجابت المحكمة الإدارية بالقول، أوّلا، أنّ القاضي العدلي غير مختصّ مبدئيا للقيام بذلك. ثمّ أضافت أنّه إذا صدر الإذن يتعيّن الامتثال له (الرّأي الصّادر بتاريخ 15 ديسمبر 2009، فقه قضاء المحكمة الإدارية لسنة 2009، ص 879).

II- في إمكانية إبداء الرّأي في سلامة الفصل 144 من النّظام الدّاخلي

هنا يمكن لكلّ من تهمّه المسألة أن يُدلي بدلوه لمناقشة مدى سلامة ما جاء به هذا النّصّ، وذلك بالرّجوع أساسا إلى الدّستور نصّا وروحا. لكن يجب أن يكون النّقاش ذا معنى، وذلك بعدم الاكتفاء بالقول أنّ الإجراء المضمّن في الفصل 144 من النّظام الدّاخلي غير مذكور في الدّستور، والتّشكيك تبعا لذلك في دستوريته! منذ متى أصبحت النّصوص القانونية الّتي تحتوي على قواعد غير موجودة في الدّستور، تعتبر مخالفة له ؟ أليس من طبيعة النّصّ الأدنى أن يأتي بقواعد غير موجودة في النّصّ الأعلى ؟ وإلّا ما الجدوى من وجوده ؟ أمّا إذا ذهبنا في الاتّجاه الخاطئ وقلنا أن النّصّ القانوني لا يمكن أن يأتي بما لم يذكره النّصّ الّذي يعلوه، فجميع النّصوص القانونية ستصبح غير سليمة!

فعلى سبيل المثال، هل يُعقل اليوم أن نؤاخذ رئيس الجمهورية إذا هو أعلن حالة الطّوارئ، بحجّة أنّ هذه الحالة غير مذكورة في الدّستور ؟ وهل يعقل كذلك أن نترك جانبا شرطا أو إجراء يتعلّق بتركيبة المحكمة الدّستورية، بتعلّة أنّ الدّستور لم يذكر ذلك ؟ وعسى أن يتمّ الكفّ عن هذا الكلام الغريب الّذي يوحي بأنّ كلّ ما لم يأت به الدّستور هو مخالف له.

إنّما يتطلّب الأمر، في كلّ مرّة، أن يتمّ النّظر في المسألة بجدّية لمعرفة إن كان الجديد الّذي أتى به النّصّ القانوني يتعارض مع نصّ الدّستور أو هو لا يتلاءم مع روحه. وإذا ثبت ذلك، سنكون إزاء حالة لا دستورية. أمّا إذا تعذّر الإثبات فلا مناص من الاحتكام إلى الفصل 559 من مجلّة الالتزامات والعقود الّذي جاء فيه : " الأصل في الأمور الصّحّة والمطابقة للقانون حتّى يثبت خلافه ".
وإذا رجعنا إلى الفصل 144 من النّظام الدّاخلي لمجلس نوّاب الشّعب، في إطار إبداء الرّأي لا غير، نرى أوّلا أنّه لا يخالف أيّ فصل من فصول الدّستور، أي أنّنا لا نجد في الدّستور قاعدة تنصّ على أنّه لا يتمّ عرض التّحوير الوزاري على موافقة مجلس النّوّاب. كما لا يمكن القول أنّ هذا الإجراء لا يتلاءم مع روح دستور 27 جانفي 2014. بل على العكس من ذلك، يعتبر هذا الإجراء من طبيعة الأشياء في ظلّ النّظام السّياسي الّذي أقرّه الدّستور وهو نظام ينتمي إلى عائلة الأنظمة البرلمانية.

وككلّ مرّة، في حالة الشّكّ، يحسن الاحتكام إلى المنطق. هل يُعقل أن نعتبر أنّ الدّستور يسمح لرئيس الحكومة بأن يتنكّر للثّقة الممنوحة لحكومته وأن يتصرّف في تركيبتها كما يريد ؟ أم أنّ الثّقة أصبحت تُمنح لرئيس الحكومة لا غير ؟ ولا شكّ أنّ التّفكير بالأقصى يمكّن من توضيح الرّؤية. والأقصى هنا هو أن تحصل الحكومة على الثّقة، ثمّ أن يتولّى رئيس الحكومة من الغد تغيير كامل الفريق دون أن يرجع أمام نوّاب الشّعب. هل حقّا يمكن أن نقول أنّ الدّستور يسمح بمثل هذا العبث ؟
نرى أنّه يصعب التّشكيك في دستورية الفصل 144 من النّظام الدّاخلي لمجلس النّوّاب. بل أكثر من ذلك، يتعلّق الأمر بإجراء تحتمّه روح الدّستور ويكون النّظام الدّاخلي مقصّرا لو أنّه لم ينصّ عليه. وقد يرى البعض خلاف ذلك، إنّما في غياب إمكانية التّقاضي في هذا الشّأن، على الأقلّ في الوقت الحاضر، تبقى الآراء آراء إلى أن يتمّ، ربّما، اعتمادها من طرف السّلط المؤهّلة لوضع القواعد القانونية.
كلّ هذا لا يهمّ في شيء إلزامية الفصل 144 تجاه رئيس الحكومة وكذلك تجاه مجلس نوّاب الشّعب. ففي خصوص هذه الإلزامية هامش المناورة هو صفر.

Commentaires


1 de 1 commentaires pour l'article 207251

BenMoussa  (Tunisia)  |Jeudi 16 Juillet 2020 à 13h 49m |           
الفصل 144 لا يتعارض مع الدستور فما المشكل في تطبيقه
ومن لم يعجبه هذا الفصل فليقم بمبادرة لالغائه او تنقيح الدستور بصغة تعارضه
ثم منطقيا كيف تمنح الثقة لبعض الوزراء وترفض للبعض الاخر ثم ياتي غيرهم ويدخلون الوزارة دون منحهم الثقة من البرلمان لا يقول بهذا الا خبيث متحايل او اهبل