منبر الجمعة / أثر المعاصي والذنوب على الأمم والشعوب



بقلم / منجي باكير

بسم الله ، الحمدلله و كفى و صلى الله على النبي المصطفى وآله وصحبه أُولُو النُّهى و رضى الله عن التابعين ومن اقتفى ، اشهد ان لا إله الا الله الذي قَدَر فَعفا وانّ محمدا رسول الله الذي بلّغ واوفى ... قال عزّ من قائل : ( إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ )


أما بعد ، فإنّ الحــال الذي آل إليه وضع مجتمعنا ، حال قد يسرّ العدوّ لكنّه حتما لا يسرّ أيّ صديق و لا أيّ حامل لذرّة من عقل نيّر و صفاء بصيرة ... مجتمع ببُنية إجتماعيّة تنزع إلى التفكّك ، قوامها المصلحة الشخصيّة و الرشوة في العلاقات العامّة و الخاصّة ، تملّصت من كثير من القيم و الضوابط لتتّخذ من البوهيميّة مرجعيّة ، مجتمع غابت عنده بوصلة الحقيقة و اختلطت عليه السّبل ، سبُل الغواية والتجاذبات والإغراءات وأثقلته تفاصيل الحياة المملّة ومتطلّباتها المجحفة حتّى أصبح يعيش ليومه وأينما مالت الرّيح مال ، مجتمع في أغلب مكوّناته أصبح لا يفرّق بين الصحّ و الخطإ ، بين الحقيقة والخيال، لا يفْرٍقُ بين الحقّ والباطل ولا يميز أيضا بين الحلال والحرام حتّى سهُل عليه الوقوع في كثير من المعاصي والموبقات التي تُؤدّي إلى معاندة شرائع الله وانتهاك محارمه والوقوع في المحظور جهلا أو دفعا أو بإفتاءات شخصية خاطئة .
مجتمع غواغائيّ الملامح إعتباطي السلوكات والتصرّفات ضائع لا هو إلى هؤلاء ولا هو إلى هؤلاء ، ضائع بين حراك ثقافي عام أجوف و فاسد لا يرتقي بالفكر ولا يهذّب الذوق بل ينادي في جلّه للرذائل ويقطع مع الفضائل ، و بين سياسة تعليميّة فاشلة اجتثّت كل معالم الهويّة والدّين من مراجعها . أيضا هذا المجتمع – يتولاّه – إعلام فاسد مفسِدٌ ، موجِّه و موجَّه نحو صناعة الغباء والإستبلاه و نشر الرّذائل والتطبيع مع الشّذوذات الجسديّة والفكريّة .
زدْ عليه إقتصاد رَبوي مهتريء ترقيعيّ يقوم في كلّ تفاصيله على القروض الربويّة الفاحشة من رأس الدّولة إلى المواطن البسيط ، إقتصاد تحكمه مافيات برعت في التهريب و التهرّب و اللّعب بأقوات العباد و إغراق المجتمع بالموبقات و المفسدات ، لا وازع عندها و لا ضمير . ايضا اختلال حادّ في الأخلاق و رواج للإنحلال و التبرّج و المعاصي علنا على رؤوس الأشهاد و بسابق الإضمار و الإشهار بتعلّة الحقوق والحريّات .

اليس حريّ بنا ان نسأل أنفسنا أمام هذا الحال السقيم و المعيشة الضنكى عن الأسباب ، ألا نخشى أن يحلّ علينا غضب من الله ؟ ألم يكن هذا مصير كثير من الأقوام قبلنا ؟ ألا نعتبر من انحباس الغيث النّافع عنّا و رفع البركة في الرّزق و تكاثر البلايا و الجرايم و الإنتحار و الأمراض و الفقر و الخصاصة ؟
امَا نظرنا و اعتبرنا من الأقوام التي سبقتنا ،
فما الذي أغرق أهل الأرض كلهم في عهد نوح حتى علا الماء فوق رءوس الجبال؟
وما الذي سلّط الريح العقيم على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض : كأنهم أعجاز نخل خاوية ( سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ / الحاقة:7 ) ريح دمّرت كلّ ما مرت عليه من ديارهم وزروعهم ودوابهم ، حتى صاروا عبرة للأمم إلى يوم القيامة؟
وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم، وماتوا عن اخرهم؟
وما الذي رفع القُرى التي كانت تعمل الخبائث و تاتي اللواط ثم قَلبها عليهم فجعل عاليها سافلها، فأهلكهم جميعا، ثم أتبعهم حجارة من سجيل أمطرها عليهم ( فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ) [هود:83].
وما الذي أرسل على قوم شعيب سحابة العذاب كالظلل، فلما صار فوق رءوسهم أمطر عليهم نارا تلظى؟
وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر ثم نقلت أرواحهم إلى جهنم، فالأجساد للغرق والأرواح للحرق؟
وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بأنواع العقوبات، ودمرها تدميرا؟
وما الذي سلط على بني إسرائيل لما عصوا أنواع العذاب والعقوبات مرة بالقتل والسبي وخراب البلاد، ومرة بجور الملوك، ومرة بمسخهم قردة وخنازير ؟؟
أليس هو تفشي الظلم و انتشار المعاصي و الذنوب و الخطايا ، اليس هو طغيان منكر تلك الأقوام على معروفهم ، اليس هو الكبر و التكبر عن الحق و معاندة مراد الله و شرائعه ؟

إنّ سنن الله سبحانه و تعالى في عباده لا تتبدل ولا تتغير لا بالزمان و لا بالمكان ، فلا يردها قوي مهما بلغت قوته، ولا تتعجل لمستعجل حتى تبلغ أجلها الذي ضربه الله تعالى لها {سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب:62]

ولهذا فإنّ هذا الحال لن يصلحه إلاّ الرّجوع إلى الله الخالق المدبّر الرزّاق ، تصلحه التوبة و الإستغفار و أنْ نَفيء إلى أمر الله و مُراده و أن نجتنب أن نعصيه او أن نعاند مراده او ان نغير خلقه ، ان نجتنب غضب الله علينا و ان نتقي سخطه عسى ان يبدلنا حالا احسن منه و يتوب علينا و يتجاوز عنا في الدنيا و الآخرة .
ربنا اغفر لنا و الهمنا مراشد امورنا وردنا إليك ردا جميلا ، اللهم اهد الامة وأزل الغمة واجمع الامة .آمين .

Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 205509