بقلم سفيان فرحات
ترامت سهام النقد – ككل عام – على الإنتاج الدرامي التونسي في رمضان، بين ضعف البناء الفني، وتمرير صور نمطية عن المجتمع ناهيك عن الانتهاكات الصارخة للتاريخ في حال استدعائه. وقد يربط بين مختلف هذه الجوانب السلبية خيط ناظم وحيد ألا وهو شعور المتلقي باستخفاف صنّاع الفرجة الدرامية، وهو الشعور نفسه الذي يشعر به معظم التونسيين تجاه البرامج الترفيهية، والحوارية في أحيان كثيرة، خاصة وأن ترابطا بات يجمع بين هذه القطاعات يتجلى في حضور نفس الوجوه هنا وهناك واستسهال العمل في مواقع متنوعة، من التنشيط إلى التمثيل وصولاً إلى الإخراج.
هكذا فإن تعميم المادة الخفيفة بات الطبق الأساسي، ويكاد يكون الوحيد، للمواطن التونسي، وهذه المادة الخفيفة تسهر عليها شبكة موسّعة من مصالح النافذين في قطاعات الإعلام والفن وحتى الدولة ممثلة في وزارة الثقافة. وحين نرى هذا "الأسطول" الذي يحمي ظهر المنتجين والمخرجين لا مجال لأن نستغرب تلك التحريفات التاريخية في مسلسل "قلب الذيب"، أو البذاءة في "أولاد مفيدة"، أو حصر المجتمع التونسي بين عصابات المخدرات في "نوبة".
من بين أبرز ما يلفت في هذه الأعمال تواتر حضور عمليات الاغتصاب، والغريب أن جميعها يقدّم مجتمعا يقبل بنتاج هذا النوع من العلاقات غير الشرعية على الرغم مما نعرفه من كون المجتمع التونسي (في الواقع) لا يزال يتخذ مواقف قطعية تجاهها. وبذلك تبدو المسلسلات محاولة للتطبيع مع صورة المجتمع التونسي كما هي في أذهان منتجي هذا النوع من الأعمال.
يمتدّ التلاعب إلى القراءات التاريخية، فيقترح علينا "قلب الذيب" قصة إطارها السنوات الأخيرة من الاستعمار الفرنسي (نهاية أربعينيات القرن الماضي). منذ الحلقات الأولى تفطّن المشاهد العادي، أي غير المتخصّص في التاريخ، إلى حجم المغالطات، وهو ما جعل المنتجين يضعون شارة "هذا العمل درامي ولا يمتّ بصلة للواقع" منذ الحلقة الرابعة.
لن نخوض في تلك الأخطاء ومحاولة تصحيحها فقد تكفّل بها المؤرخون، ما يهمنا في هذا المقال هو الانطباع الذي يُحشر حول الشخصيات المقاومة والتي تقدّم للمتفرّج تحت غطاء العمل التخييلي. حيث يجري إظهارهم دون القدرة على حمل عبء الوطن واستقلاله، مثل الشخصية الرئيسية في العمل (أداء: بسام حمراوي، وهو المخرج) كان انتماؤه إلى المقاومة ليس ضمن قرار عميق أو انضواء تحت راية المقاومة المسلحة ضد الاستعمار، وإنما بعد فرار من الجنود الفرنسيين على خلفية ردة فعله من إعدام والده. ولا ندري كيف أن هذه الشخصية التي سبقها آخرون إلى الجبل قد تزعّمت الفصيل منذ وصولها.
أما باقي المقاومين فلا نجد لهم منطوقا ذو دلالات عميقة تشير إلى ارتباط بالقضية الوطنية، فيما عدا بعض الكليشيهات اللفظية من قبيل: تحيا تونس، واستدعاء معجم الشرف.
بخصوص المقاومين في العاصمة ومنهم خاصة الدور الذي لعبه فتحي الهداوي كشخصية محورية غير أن النص أسقط بين صفاته الهوس المفرط بالخمور، وريادة الكباريه بشكل يومي وهو خيار لا تهيّء له أي سياقات تبرره ضمن العمل، أو الصورة المعروفة عن زعماء النضال ضد الاستعمار.
أما عمل "النوبة" فيأتي من محولة لتوثيق عقد التسعينات في المدينة العتيقة، وفيه أغفل أو تغافل المخرج عبد الحميد بوشناق عن جزء كبير من الفسيفساء المكونة للأحياء الشعبية واختصرها في فئة تعيش بين فلكيْ الفن الشعبي والمخدرات. معظم الفنانين التشكيلين أو الموسيقيّين من الذين طبعوا ولوّنوا الحياة الثقافية التونسية ترعرعوا بين أزقة "باب سويقة" و"باب جديد"، بل إن والد المخرج نفسه الفنان الكبير لطفي بوشناق ابن حي "الحلفاوين"، وجزء كبير من القضاة والمحامين هم جيل تخرّج من "الحفصيّة" و"نهج الباشا" و"حومة السواحل" والأسواق المحيطة بجامع الزيتونة.
في جميع المسلسلات التونسية غاب كل أثر للهوية التونسية، وخصوصاً منها الديني. فلا يظهر الجامع إلا مثل ديكور باهت ولا يحضر أي بُعد عقائدي لدى الشخصيات فيما عدا بعض الكليشيهات من قبيل الاستسلام للقدر. كل ذلك يحيلنا إلى سؤال: عن أي مجتمع يتحدّث هؤلاء؟ ومن يكتب الدراما في تونس؟ وهل أن من يفعل ذلك يكتب عن الواقع ويحاول إعادة بناءه أم تراه يكتب عن بيئته ونظرته الشخصية ويسقطها في العمل؟
ربما علينا أن نلاحظ أن مخرجي هذه الأعمال هم نفسهم كتّاب السيناريو، ولهم أدوار يؤدونها كممثلين أيضا، وهو ما يجعلنا نتساءل عن مثل هذا الاحتكار لصناعة الدراما التلفزيونية، لماذا يغيب تأطير المؤرخين عن هؤلاء، وماذا عن كتّاب الرواية؟ ولماذا يجري الاختيار على مواضيع بعينها من التاريخ، فيما أن مواضع أخرى تحظى بالإجماع ويمكن أن تساهم في صياغة هوية جماعية متوازنة يحتاجها التونسيون اليوم بقوة. علينا أن ننتبه ربما إلى أن الدولة قد اختارت منذ أعوام أن تنسحب من كل دور تعديلي، وأن تترك الساحة لمن يقتحمها من حيتان المال والمصالح، وهؤلاء قد أوكلوا صناعة الفرجة لكثير من المتسلقين وضعاف الحال ثقافيا.
في أحد تعليقاته حول ما يحدث للثقافة من سطوة التسطيح والأعمال الخفيفة ونجومية أشباه الفنانين، أورد المفكر الإيطالي أومبرتو إيكو مثلا طريفا حين أشار إلى أن الشخص الذي كان يهذي كيفما اتفق حول الشأن العام كان يفعل ذلك في إطار ضيّق، بين أفراد أسرته أو مع أصدقائه في المقهى، أما اليوم فقد بات له حساب فيسبوك، وليس نادرا أن تتوفر له فرص الحضور الإعلامي. لكن فلنتخيّل أن هذا الشخص الذي يشير إليه إيكو تتوفّر له فرصة أكبر: أن يُخرج مسلسلاً تلفزيونيا. هذا تقريبا ما يحدث في تونس.
ترامت سهام النقد – ككل عام – على الإنتاج الدرامي التونسي في رمضان، بين ضعف البناء الفني، وتمرير صور نمطية عن المجتمع ناهيك عن الانتهاكات الصارخة للتاريخ في حال استدعائه. وقد يربط بين مختلف هذه الجوانب السلبية خيط ناظم وحيد ألا وهو شعور المتلقي باستخفاف صنّاع الفرجة الدرامية، وهو الشعور نفسه الذي يشعر به معظم التونسيين تجاه البرامج الترفيهية، والحوارية في أحيان كثيرة، خاصة وأن ترابطا بات يجمع بين هذه القطاعات يتجلى في حضور نفس الوجوه هنا وهناك واستسهال العمل في مواقع متنوعة، من التنشيط إلى التمثيل وصولاً إلى الإخراج.
هكذا فإن تعميم المادة الخفيفة بات الطبق الأساسي، ويكاد يكون الوحيد، للمواطن التونسي، وهذه المادة الخفيفة تسهر عليها شبكة موسّعة من مصالح النافذين في قطاعات الإعلام والفن وحتى الدولة ممثلة في وزارة الثقافة. وحين نرى هذا "الأسطول" الذي يحمي ظهر المنتجين والمخرجين لا مجال لأن نستغرب تلك التحريفات التاريخية في مسلسل "قلب الذيب"، أو البذاءة في "أولاد مفيدة"، أو حصر المجتمع التونسي بين عصابات المخدرات في "نوبة".
من بين أبرز ما يلفت في هذه الأعمال تواتر حضور عمليات الاغتصاب، والغريب أن جميعها يقدّم مجتمعا يقبل بنتاج هذا النوع من العلاقات غير الشرعية على الرغم مما نعرفه من كون المجتمع التونسي (في الواقع) لا يزال يتخذ مواقف قطعية تجاهها. وبذلك تبدو المسلسلات محاولة للتطبيع مع صورة المجتمع التونسي كما هي في أذهان منتجي هذا النوع من الأعمال.
يمتدّ التلاعب إلى القراءات التاريخية، فيقترح علينا "قلب الذيب" قصة إطارها السنوات الأخيرة من الاستعمار الفرنسي (نهاية أربعينيات القرن الماضي). منذ الحلقات الأولى تفطّن المشاهد العادي، أي غير المتخصّص في التاريخ، إلى حجم المغالطات، وهو ما جعل المنتجين يضعون شارة "هذا العمل درامي ولا يمتّ بصلة للواقع" منذ الحلقة الرابعة.
لن نخوض في تلك الأخطاء ومحاولة تصحيحها فقد تكفّل بها المؤرخون، ما يهمنا في هذا المقال هو الانطباع الذي يُحشر حول الشخصيات المقاومة والتي تقدّم للمتفرّج تحت غطاء العمل التخييلي. حيث يجري إظهارهم دون القدرة على حمل عبء الوطن واستقلاله، مثل الشخصية الرئيسية في العمل (أداء: بسام حمراوي، وهو المخرج) كان انتماؤه إلى المقاومة ليس ضمن قرار عميق أو انضواء تحت راية المقاومة المسلحة ضد الاستعمار، وإنما بعد فرار من الجنود الفرنسيين على خلفية ردة فعله من إعدام والده. ولا ندري كيف أن هذه الشخصية التي سبقها آخرون إلى الجبل قد تزعّمت الفصيل منذ وصولها.
أما باقي المقاومين فلا نجد لهم منطوقا ذو دلالات عميقة تشير إلى ارتباط بالقضية الوطنية، فيما عدا بعض الكليشيهات اللفظية من قبيل: تحيا تونس، واستدعاء معجم الشرف.
بخصوص المقاومين في العاصمة ومنهم خاصة الدور الذي لعبه فتحي الهداوي كشخصية محورية غير أن النص أسقط بين صفاته الهوس المفرط بالخمور، وريادة الكباريه بشكل يومي وهو خيار لا تهيّء له أي سياقات تبرره ضمن العمل، أو الصورة المعروفة عن زعماء النضال ضد الاستعمار.
أما عمل "النوبة" فيأتي من محولة لتوثيق عقد التسعينات في المدينة العتيقة، وفيه أغفل أو تغافل المخرج عبد الحميد بوشناق عن جزء كبير من الفسيفساء المكونة للأحياء الشعبية واختصرها في فئة تعيش بين فلكيْ الفن الشعبي والمخدرات. معظم الفنانين التشكيلين أو الموسيقيّين من الذين طبعوا ولوّنوا الحياة الثقافية التونسية ترعرعوا بين أزقة "باب سويقة" و"باب جديد"، بل إن والد المخرج نفسه الفنان الكبير لطفي بوشناق ابن حي "الحلفاوين"، وجزء كبير من القضاة والمحامين هم جيل تخرّج من "الحفصيّة" و"نهج الباشا" و"حومة السواحل" والأسواق المحيطة بجامع الزيتونة.
في جميع المسلسلات التونسية غاب كل أثر للهوية التونسية، وخصوصاً منها الديني. فلا يظهر الجامع إلا مثل ديكور باهت ولا يحضر أي بُعد عقائدي لدى الشخصيات فيما عدا بعض الكليشيهات من قبيل الاستسلام للقدر. كل ذلك يحيلنا إلى سؤال: عن أي مجتمع يتحدّث هؤلاء؟ ومن يكتب الدراما في تونس؟ وهل أن من يفعل ذلك يكتب عن الواقع ويحاول إعادة بناءه أم تراه يكتب عن بيئته ونظرته الشخصية ويسقطها في العمل؟
ربما علينا أن نلاحظ أن مخرجي هذه الأعمال هم نفسهم كتّاب السيناريو، ولهم أدوار يؤدونها كممثلين أيضا، وهو ما يجعلنا نتساءل عن مثل هذا الاحتكار لصناعة الدراما التلفزيونية، لماذا يغيب تأطير المؤرخين عن هؤلاء، وماذا عن كتّاب الرواية؟ ولماذا يجري الاختيار على مواضيع بعينها من التاريخ، فيما أن مواضع أخرى تحظى بالإجماع ويمكن أن تساهم في صياغة هوية جماعية متوازنة يحتاجها التونسيون اليوم بقوة. علينا أن ننتبه ربما إلى أن الدولة قد اختارت منذ أعوام أن تنسحب من كل دور تعديلي، وأن تترك الساحة لمن يقتحمها من حيتان المال والمصالح، وهؤلاء قد أوكلوا صناعة الفرجة لكثير من المتسلقين وضعاف الحال ثقافيا.
في أحد تعليقاته حول ما يحدث للثقافة من سطوة التسطيح والأعمال الخفيفة ونجومية أشباه الفنانين، أورد المفكر الإيطالي أومبرتو إيكو مثلا طريفا حين أشار إلى أن الشخص الذي كان يهذي كيفما اتفق حول الشأن العام كان يفعل ذلك في إطار ضيّق، بين أفراد أسرته أو مع أصدقائه في المقهى، أما اليوم فقد بات له حساب فيسبوك، وليس نادرا أن تتوفر له فرص الحضور الإعلامي. لكن فلنتخيّل أن هذا الشخص الذي يشير إليه إيكو تتوفّر له فرصة أكبر: أن يُخرج مسلسلاً تلفزيونيا. هذا تقريبا ما يحدث في تونس.





Hedi Kallel - انتي انتي
Commentaires
0 de 0 commentaires pour l'article 204612