عندما يُغيب الدغباجي وبن غذاهم وتُختزل تونس في بورقيبة ! قلب الذيب وياسر فينا..



نصرالدّين السويلمي

هرج ومرج حول قلب الذيب الذي أساء إلى الحركة الوطنيّة والدم الوطني وطمس التضحيات وشوّهها وقدّمها في شكل عصابات وقراصنة.. وماذا كان المرتجى والتضحيات التي امتدّت لأكثر من ثمانية عقود تمّ اختزالها في بورقيبة كرمز لكلّ شيء، والشّهداء لا شيء! والمجاهدون الذي صارعوا فرنسا تحوّلوا في الذاكرة العامّة إلى فلاڨة وقطّاع طرق بحكم المدوّنة التي فرضها بورقيبة، ذلك الزعيم الذي مسح كلمة ثورة وشطب كلمة جهاد وأغلظ لمن كتب أو تحدّث بذلك من الدّائرة التي كُلفت بصياغة الجهاد التونسي ضدّ الاستعمار الفرنسي، خاصّة تلك الأقلام التي تكفّلت بترسيخ المصطلحات وتكريسها خلال الــ 20 سنة الأولى من عمر الاستقلال.


ثمّ ماذا كنّا نترقّب من ذاكرة ثقافيّة فنيّة غير هذا، تماما كما الواجهة السياسية كما الواجهة الثقافية، كان بورقيبة يعمل على هرسلة الثّوار ويمعن في تجريد المجتمع من خصوصيّاته، وينزع عنه اخلاقه العربية الاسلامية ويحيله إلى ديشي فرنسي، فجاء قلب الذيب مطابقا إلى رمز الحركة الوطنيّة وغلافها وواجهتها وتعبيراتها الأكثر وضوحا، وإن كانت مخاتلة، وإن ألغت غيرها، وإن اختزلت مجهود وطن في شخص لا ننكر ذكاءه وثقافته لكن قلبه أقرب إلى فرنسا وثقافتها وأبعد ما يكون عن عمق هذا الوطن وموروثه وخزّانه التّاريخي.
كان الزعيم يطلق على الصبايا التّفاح ويرغب في مداعبتهن، وتتكفّل سعيدة ساسي بإحضار ما لذّ وطاب، فكان قلب الذيب وتحول المجاهد الى بزناس! وكانت الأكاذيب على الدم والذاكرة والشّهداء بل على الوطن، لو كانت العناوين مختلفة لاختلف قلب الذيب، بل لكان قلب الأسد وليس أقل، تماما كما ثورة جيراننا اسمها "ثورة" ومن ينحرف عن التسمية يجرّم بجريرة الاساءة للشّهداء وللتاريخ وللجزائر، ومن ينال من ينال من الدم الطاهريجرّم بقوة الدستور والقانون، للمجاهدين في الجزائر وزارة خالصة لهم، والفعل الثوري في الجزائر اسمه الجهاد! اي نعم الجهاد ضد المستعمر الفرنسي، هي أيضا لا تسمى ثورة بومدين بل ثورة المليون ونصف المليون شهيد، وحتى عندما احتاجت إلى الاختزال والترميز المفيد، اختارت الشّهادة والذّكاء والإخلاص والصّبر والحداثة والأصالة، اختارت شخصيّة أذهلت فرناس بشجاعتها، شخصيّة جمعت بين مرونة المدني وحزم العسكري، شخصيّة حفظت القرآن الكريم ثمّ ذهبت إلى المسرح لتناضل من على الخشبة ثمّ الرّياضة لتتسرّب إلى الجمعيّات وغيرها من الفضاءات، عندما أرادت الجارة الغربيّة الجزائر أن تجسّد الثّورة في رمز اختارت العربي بن مهيدي الذي قال " إذا ما استشهدنا دافعوا عن أرواحنا، نحن خُلقنا من أجل أن نموت لكي تستخلفنا أجيال لاستكمال المسيرة" أليس هو صاحب المقولة الخالدة التي أطلقها بعد أن كثرت الآراء بين إخوانه حول قوّة فرنسا وقلّة عددهم واستحالة تفجير ثورة بتلك الإمكانيّات البشريّة والماديّة المتواضعة، أليس هو من قال حينها "ألقوا بالثورة إلى الشارع سيحتضنها الشعب"، أليس بن مهيد هو الذي دفع بمجرم الحرب الفرنسي الجنرال مارسال بيجار الى القول "لو كان لي 3 من أمثال العربي بن مهيدي لغزوت العالم".

اخترنا نحن او اجبرنا على اختيار معزوفة "يا سيد ليساد يا حبيبي بورقيبة الغالي.. يا مخلّص البلاد محال ننسى فضلك من بالي " تردّدها الإذاعة والتلفزة وتنقلها الصّحف والمجلّات والكتب بينما اختار جيراننا " يا فرنسا قد مضى وقت العتاب. وطويناه كما يطوى الكتاب. يا فرنسا إن ذا يوم الحساب. فاستعدي وخذي منا الجواب".. رمّزنا ببورقيبة فكان "قلب الذئب"! رمّزوا بالعربي بن مهيدي فكانت "معركة الجزائر" واحد من أروع الأفلام المخضّبة بمعاني التكافل والتضحية والأخوّة والإيثار والنّظافة.. كان يمكننا أن نرمز بأبي الجهاد في تونس وأوّل من جيّش النّاس ضدّ فرنسا سيدي علي بن خليفة، كان يمكن أن نختار العنيد على الدوام سيدي علي بن غذاهم، كانت أمامنا خيارات كثيرة على رأسها الباسل المغّوار محمّد بن صالح الزغباني الخريجي شهر محمّد الدغبادي... لكنهم رفضوا واصرا على اختزالنا في الزعيم، اصروا على برقبة حقبة تاريخية كاملة، حتى اذا تزاوجت الحقبة مع الحاضر لم يطل مخاضها حتى انتجت لنا "قلب ذيب" بطعم الصبايحية والڨومية والقوادة.

Commentaires


0 de 0 commentaires pour l'article 203013