محمد كشت
باحث
تمر اليوم 7 ماي ثلاث و أربعون سنة على تأسيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وهي مناسبة مهمة وجب التوقف عندها لتقييم مسيرة طويلة من النضال الحقوقي لهذه المنظمة الايقونة .
لقد شكل تاسيس رابطة تونس سنة 1977 من طرف الدكتور سعد الدين الزمرلي و بقية رفاقه اختراقا تاريخيا لجدار الدكتاتورية السميك على امتداد خارطة الدول العربية و الافريقية بلا استثناء .
و يؤشر ذلك الحدث الى وعي النخب التونسية المتقدم بالقيم الحقوقية العالمية ويؤكد مكانتها الطلائعية على المستويين العربي و الافريقي ولا أدل على ذلك مثلا أن كل من مصر و الجزائر لم تلتحقا بركب العمل الحقوقي سوى سنة 1985.
ولئن كان تأسيس الرابطة علامة تميز على جبين نخب تونس فإنها كانت كذلك تؤشر الى تراجع دولة ما بعد الاستقلال في تونس و اعتمادها سياسة جديدة بأقدار من الليونة فسحت بمقتضاها المجال لهامش من التحرك الحقوقي مثلما كان شأن النشاط السياسي و النقابي و الصحافي ايضا ( جريدة الراي و المغرب و حقائق مثلا).
ولقد تعاملت الرابطة مع آلاف الحالات المختلفة لكن آداءها برز خاصة أثناء التعاطي البطولي مع الملفات الكبرى من ذلك خاصة محاكمات الرأي التي طالت النشطاء من أغلب المشارب السياسية ولعل أهم تلك المحطات كانت المحاكمات الشهيرة للتيار الاسلامي في الثمانينات و التسعينات من القرن الماضي. ولم تكن طريق مناضلي الرابطة سالكة بل لقد نالهم من بطش السلطة نصيب ، ولعل تفاصيل معركة "المقرات" في عهد الرئيس السابق خير دليل على حجم معاناة النشطاء الحقوقيين من جهة و حجم إصرارهم و صمودهم من جهة أخرى.
و لئن كانت جل الملفات التي تعاطت معها الرابطة ذات طابع سياسي في مجملها فان السياسة بما هي نشاط حزبي لم تغادر اروقة الرابطة منذ النشأة الاولى. فمن المعلوم ان الرواد الأوائل كانو هم ذاتهم من بادر الى تأسيس حركة الديمقراطيين الاشتراكيين بعد ان كانوا قد انشقوا عن الحزب الاشتراكي الدستوري آنذاك و نذكر منهم حسيب بن عمار و محمد مواعدة واحمد المستيري و الباجي قائد السبسي...
ولم تغب أغلب الاحزاب السياسية عن الهيئة المديرة للرابطة على امتداد سنوات نشاطها اذ توافق الجميع على ان تكون الحساسيات السياسية الكبرى ممثلة بما في ذلك الحزب الحاكم ..
غير ان هذا المنوال لم يكن متبعا طوال مسيرة الرابطة بنفس الدرجة ، اذ أن محاولات الاختراق و الهيمنة و التوظيف الحزبي لم تكن غائبة في جل مؤتمرات الرابطة. ولعل ما وقع خلال المؤتمر السابع الاخير و ما بعده يؤشر لأزمة حادة هي في الحقيقة لا تتعلق بالشأن الحقوقي وحده ..
فلقد دفع الناشطون السياسيون في ظل المحاصرة و الملاحقة الى ممارسة العمل السياسي المحظور في مناطق دعيت حينها بالمحررة مثل الجامعة و اتحاد الشغل و رابطة حقوق الانسان..
ولئن كان ذلك يعد مشروعا بل مطلوبا في ظل دكتاتورية دولة الحزب الواحد ما بعد الإستقلال بعهديها فإن الأمر اليوم بات يطرح أكثر من سؤال و على أكثر من صعيد .
فالسياسة اليوم أصبحت على قارعة الطريق و عدد الاحزاب تجاوز المئتين واصبح تكوين الاحزاب يتم بسلاسة لا نظير لها فما المقصد و الحال تلك من تواصل تواجد الاحزاب السياسية في الرابطة او في غيرها من المنظمات و الجمعيات و النقابات و حتى النوادي الرياضية؟؟.
ألن يكون العمل الحقوقي او النقابي او الثقافي او غيره من النشاط اول المتضررين من التسرب الحزبي اليه و ذلك يعود الى الميل الطبيعي للمتحزب لمصالح حزبه علاوة على تغير مواقف الاحزاب و تقلبها بتغير موقعها من السلطة( حكم / معارضة) و نتيجة التحول الدائم للتحالفات و الجبهات.
لطالما طالبنا من حزب حركة النهضة ولازلنا ان يحسم نهائيا بالفصل بين ما هو دعوي و ما هو سياسي .. و يبدو أنه سيأتي اليوم الذي سيسحب فيه هذا المطلب على جميع الاحزاب و في ما يتعلق بكل الانشطة المدنية فلقد اثبتت الوقائع ان الجمع بين التحزب والعمل الجمعياتي او النقابي او الحقوقي او حتى الرياضي من شأنه أن يربك النشاطين في الآن نفسه.
باحث
تمر اليوم 7 ماي ثلاث و أربعون سنة على تأسيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وهي مناسبة مهمة وجب التوقف عندها لتقييم مسيرة طويلة من النضال الحقوقي لهذه المنظمة الايقونة .
لقد شكل تاسيس رابطة تونس سنة 1977 من طرف الدكتور سعد الدين الزمرلي و بقية رفاقه اختراقا تاريخيا لجدار الدكتاتورية السميك على امتداد خارطة الدول العربية و الافريقية بلا استثناء .
و يؤشر ذلك الحدث الى وعي النخب التونسية المتقدم بالقيم الحقوقية العالمية ويؤكد مكانتها الطلائعية على المستويين العربي و الافريقي ولا أدل على ذلك مثلا أن كل من مصر و الجزائر لم تلتحقا بركب العمل الحقوقي سوى سنة 1985.
ولئن كان تأسيس الرابطة علامة تميز على جبين نخب تونس فإنها كانت كذلك تؤشر الى تراجع دولة ما بعد الاستقلال في تونس و اعتمادها سياسة جديدة بأقدار من الليونة فسحت بمقتضاها المجال لهامش من التحرك الحقوقي مثلما كان شأن النشاط السياسي و النقابي و الصحافي ايضا ( جريدة الراي و المغرب و حقائق مثلا).
ولقد تعاملت الرابطة مع آلاف الحالات المختلفة لكن آداءها برز خاصة أثناء التعاطي البطولي مع الملفات الكبرى من ذلك خاصة محاكمات الرأي التي طالت النشطاء من أغلب المشارب السياسية ولعل أهم تلك المحطات كانت المحاكمات الشهيرة للتيار الاسلامي في الثمانينات و التسعينات من القرن الماضي. ولم تكن طريق مناضلي الرابطة سالكة بل لقد نالهم من بطش السلطة نصيب ، ولعل تفاصيل معركة "المقرات" في عهد الرئيس السابق خير دليل على حجم معاناة النشطاء الحقوقيين من جهة و حجم إصرارهم و صمودهم من جهة أخرى.
و لئن كانت جل الملفات التي تعاطت معها الرابطة ذات طابع سياسي في مجملها فان السياسة بما هي نشاط حزبي لم تغادر اروقة الرابطة منذ النشأة الاولى. فمن المعلوم ان الرواد الأوائل كانو هم ذاتهم من بادر الى تأسيس حركة الديمقراطيين الاشتراكيين بعد ان كانوا قد انشقوا عن الحزب الاشتراكي الدستوري آنذاك و نذكر منهم حسيب بن عمار و محمد مواعدة واحمد المستيري و الباجي قائد السبسي...
ولم تغب أغلب الاحزاب السياسية عن الهيئة المديرة للرابطة على امتداد سنوات نشاطها اذ توافق الجميع على ان تكون الحساسيات السياسية الكبرى ممثلة بما في ذلك الحزب الحاكم ..
غير ان هذا المنوال لم يكن متبعا طوال مسيرة الرابطة بنفس الدرجة ، اذ أن محاولات الاختراق و الهيمنة و التوظيف الحزبي لم تكن غائبة في جل مؤتمرات الرابطة. ولعل ما وقع خلال المؤتمر السابع الاخير و ما بعده يؤشر لأزمة حادة هي في الحقيقة لا تتعلق بالشأن الحقوقي وحده ..
فلقد دفع الناشطون السياسيون في ظل المحاصرة و الملاحقة الى ممارسة العمل السياسي المحظور في مناطق دعيت حينها بالمحررة مثل الجامعة و اتحاد الشغل و رابطة حقوق الانسان..
ولئن كان ذلك يعد مشروعا بل مطلوبا في ظل دكتاتورية دولة الحزب الواحد ما بعد الإستقلال بعهديها فإن الأمر اليوم بات يطرح أكثر من سؤال و على أكثر من صعيد .
فالسياسة اليوم أصبحت على قارعة الطريق و عدد الاحزاب تجاوز المئتين واصبح تكوين الاحزاب يتم بسلاسة لا نظير لها فما المقصد و الحال تلك من تواصل تواجد الاحزاب السياسية في الرابطة او في غيرها من المنظمات و الجمعيات و النقابات و حتى النوادي الرياضية؟؟.
ألن يكون العمل الحقوقي او النقابي او الثقافي او غيره من النشاط اول المتضررين من التسرب الحزبي اليه و ذلك يعود الى الميل الطبيعي للمتحزب لمصالح حزبه علاوة على تغير مواقف الاحزاب و تقلبها بتغير موقعها من السلطة( حكم / معارضة) و نتيجة التحول الدائم للتحالفات و الجبهات.
لطالما طالبنا من حزب حركة النهضة ولازلنا ان يحسم نهائيا بالفصل بين ما هو دعوي و ما هو سياسي .. و يبدو أنه سيأتي اليوم الذي سيسحب فيه هذا المطلب على جميع الاحزاب و في ما يتعلق بكل الانشطة المدنية فلقد اثبتت الوقائع ان الجمع بين التحزب والعمل الجمعياتي او النقابي او الحقوقي او حتى الرياضي من شأنه أن يربك النشاطين في الآن نفسه.





Chiyoukh Trab - قلبي ليك ميال
Commentaires
0 de 0 commentaires pour l'article 202851