كورونا.. و الأزمة الاخلاقية

Pixabay


مريم بن يادم

أزمة الكورونا لم تلد أزمات أخرى، هي فقط قامت بإيقافنا عراة حفاة أمام المرآة. وهذه الفترة السؤال المطروح في بالي هو: هل ستدفعنا هذه الأزمة إلى مراجعة منظومتنا الأخلاقية/ نظامنا الاقتصادي المبني على تصارع المصالح الفردية والأنانية؟
عشت في أمريكا، واشنطن .. وعشت في تركيا، سكاريا. بلدان عرفا بمدى التزام مواطنيهم بالقانون ومدى نظام شوارعهم، وسائل نقلهم وما إلى ذلك ... مع ذلك كنت دائما أرى الفرق.


"علوية القانون" جارية في البلدين لكن الفرق الذي كنت ألاحظه دائما هو فرق على مستوى العقيدة الأخلاقية. وأنا دائما أبسّط هذه الفكرة بالمثال التالي:

في تركيا كما في أمريكا، تخصص الدولة مقاعد خاصّة للمتقدمين في السن، الحوامل وذوي الإحتياجات الخاصة في وسائل النقل العمومية. إذا امتلأت هذه المقاعد في باص في واشنطن، لن يقف احد ليعطي مكانه لراكب كبير في السن امتطى الحافلة للتو ولم يجد مقعدا من المقاعد المخصصة لذوي سنه شاغر –لست بصدد التعميم، لكن هذا ما يغلب على سلوك الناس هناك-.

في حين أن الأتراك يقفون ليتركوا كراسيهم لمن هم أكبر منهم، حتى وإن كان الراكب ليس متقدم في العمر لدرجة لا تسمح له بالوقوف في ميترو أو باص. التركي يقف للمرأة التي تحمل رضيعها. التركي يقدّم الحلوى للطقل الذي يراه في الباص. التركي يلاعب الطفل الذي يراه في الباص وعندما يهم بالترجل يدعو لأمه بأن يحفظه لها الله –مرّة أخرى أنا لست أعمم وأكيد أن هناك من الأتراك من لا يفعل كل ما قلته ... لكن عن تجربة شخصية، هذا الغالب في طبع من رأيتهم وصادفتهم-.

اليوم على يسارنا امريكا: تدعو لحرمان المتقدمين في السن من العلاج والعناية الخاصة في حال اصابتهم بالكورونا ... لأن الدولة مش "دار مسنين" ولأن هؤلاء عبئ على الاقتصاد الوطني ... الشركات الرأسمالية والدخل الخام والبورصات ووال ستريت والدولارات أهم من المتقدمين في السن الذين هم: امهاتنا وابائنا وجداتنا واجدادنا وجيراننا وأفراد عائلتنا ... يعني من يدعون إلى تركهم يموتون على أبواب المستشفيات، هل يدعون إلى ذلك وهم في كامل قواتهم العقلية و"الأخلاقية"؟


على يميننا تركيا: تسخّر أجهزتها الامنية لخدمة المسنين. اليوم المسن التركي الذي ليس لديه ابن أو بنت يساعدونه على قضاء حاجاته والتسوق، الشرطي يفعل له ذلك. الشرطي التركي يوصل الأكل والحاجات الأساسية لبيوت هؤلاء لكي لا يضطر هؤلاء لمغادرة أماكن سكنهم والوقوف في طوابير الحوانيت والمخابز.

رجب الطيب أردوغان في اخر خطاب له قال :" في ثقافتنا التركية، نضع المسنين على رؤوسنا لأنهم سبب السعادة في الحياة الدنيا وفي الاخرة." وهي بالفعل ثقافة تركية واعتقاد يلتصق به الاتراك التصاقا مقدسا. دعتني احد الصديقات إلى منزلهم يوما وكنّا حوالي 6 بنات لكنني كنت الأجنبية الوحيدة. دخلنا البيت وهمّت الفتيات بتقبيل يد جدة صديقتنا التي استضافتنا، استغربت وتسائلت "ألا تكفي مصافحتها؟"، قالت لي إحداهن "لا، الجدّة طاعنة في السن ومن علامات إظهار الاحترام والحب تقبيل يدها."

لا تقبّلوا أيديهن –ما تنسوا، التقبيل لا- لكن لا تدعوهم يغادرون بيوتهم. يعني لو انت بتعرف مرا كبيرة/ راجل كبير ساكن وحده وما عندوش شكون يقضيلو، بادر انك تقضيلو انت. كان نجيو نحسبوها، القصّة موش بش تاخذ منك أكثر من نصف ساعة أما تنجم تحميلو صحتو وحياتو.
حتى ثقافتنا مزيانة برشا، عندنا مثل –ذكروني فيه خاطر نسيتو- أما هو بما معناه انو الكبار هوما بركتنا. وربي يفضلهم ويطوّل في أعمارهم ويعطيهم الصحّة.

Commentaires


2 de 2 commentaires pour l'article 200904

BenMoussa  ()  |Samedi 04 Avril 2020 à 07h 02m |           
أزمة الكورونا ... قامت بإيقافنا عراة حفاة أمام المرآة
لا احد في الدنيا يقف عاري حافي امام المرآة لا قبل الكورونا ولا خلالها ولا بعدها
فاما اخلاقه تمنعه او تكبره وتعاليه يمنعانه
لكن ازمة الكورونا اظهرت الكثيرين على حقيقتهم اظهرتهم للناس ولمن لم يكن يعرفهم ولم تظهرهم لانفسهم

Machmoumelfol  (Tunisia)  |Vendredi 03 Avril 2020 à 21h 00m |           

بعد هذه الصور للاكتظاظ أمام مكاتب البريد... يجب انتظار الهولوكست التونسي بعد اسبوع... آلاف الموتى... يجب فتح تحقيق... والاستعداد للاسوأ