شيطنة البرلمان و ترذيل العمل النيابي حصان طروادة لتمرير قانون التفويض الشامل للحكومة



طارق عمراني

للأسف ما يزال قطاع من النخبة ضحية تجاذبات سياسوية وعمليات توجيه مريبة وتوظيف من جهات مخفيّة لضرب المسار السياسي في البلاد استمرارًا لمعارك لوبيات التموقع والمصالح وتغذيةً لما بات يُعرف بحرب الصلاحيات والتنازع حول تأويل فصول الدستور.
توقيت الهجمة على البرلمان هذه المرّة ليس بريئا و يمكن حتى أن نبحر في نظرية المؤامرة فما الداعي الذي دفع بالنائب مبروك كورشيد في هذا الوقت بالذات إلى التقدم بمبادرة تشريعية مشبوهة و جمع امضاءات بعض زملائه بطريقة مخاتلة بشهادة أكثر من نائب و قد سبق للنائب مبروك كورشيد الحديث لوسائل الإعلام عن مشروع القانون منذ بداية شهر مارس ولم يُثر حينها جدلا بمثل الذي حدث الآن، ومن المؤكّد أنّ السياقات باتت تتحكّم في رغبات كثيرين للتوظيف السياسوي في محاولة لربح نقاط على الخصوم والتموقع في المشهد الوطني، وهذا ما يطرح عددا من الأسئلة العميقة:


فلماذا يعاد طرح الموضوع الآن بالذات؟
وما علاقة اعادة الطرح هذا بالوضع العام في البلاد؟
ولماذا ارتبط انتقاد مشروع القانون بحملة ضدّ مجلس نواب الشعب؟

وما علاقة اعادة طرح الموضوع بملف التفويض للحكومة لإصدار مراسيم خاصّة إذا ما علمنا أنّ مشروع القانون في عهدة لجنة التشريع العام التي ترأسها النائب سامية عبو القياديّة في حزب التيار الديمقراطي الذي يدافع نوابّه ووزراءه على التفويض الشامل للحكومة؟
هناك الكثير من المؤشرات التي تُثبتُ أنّ جهات بعينها تحرّكت في سياق حملة ممنهجة ليس فقط لانتقاد المبادرة التشريعيّة المقدّمة من بعض النواب بل تتعدّى ذلك لترذيل العمل البرلماني والضغط على إرادة النواب في ظرف وطني دقيق يتميّز بتحدّي أزمة كورونا وما رافقها من صراع صلاحيات وجدل حول الفصول الدستوريّة التي تحتاجها المرحلة لتفادي التداعيات السلبية المنتظرة لتلك الأزمة.
لم يسع النواب الذي قدموا المبادرة التشريعية لاستثمار أزمة كورونا لتمرير القانون، فذلك ليس سهلًا كما يعتقد البعض وليس آليًا فهناك مراحل عديدة لتطارح مشروع القانون في اللجنة المختصة، قبل عرضه على مكتب المجلس مرّة أخرى فالجلسة العامة، وما يقتضيه ذلك من جلسات مطولة للنقاش والاستماع لمختلف الأطراف المتدخلة في الموضوع المستهدف بالتشريع الجديد وإقرار ما يلزم من تعديل وتصويب.

السياق الوطني، سياسيًا وبرلمانيًا، محكوم هذه الأيّام بملف تشريعي من الحجم الكبير، يتجاوز بكثير ما اصطلح على تسميته بمشروع كورشيد، وهو المتعلق بمشروع القانون الذي تقدّمت به الحكومة للتفويض لها في سنّ المراسيم.
المشروع الحكومي، بصيغته المقترحة، لقي اعتراضا واسعا من مختلف الكتل النيابيّة وكذلك من أوساط واسعة من السياسيين ورجال القانون والاقتصاد على اعتباره مشروعا يستهدف أغراضًا غير تلك التي نصّ عليها الفصل 70 من الدستور ويمتدّ إلى مجالات لا علاقة لها مطلقا بأزمة الكورونا.

هذا إضافة الى تحذير منظمة الأعراف من استغلال الظرف الحالي للمس بحقوق الملكية الفرديّة والإضرار برجال الأعمال والتضييق عليهم بتعلّة مجابهة الأزمة، والتنبيه شديد اللهجة الصادر عن المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل من استغلال فترة الأزمة الوبائية للالتفاف على مكاسب الشعب ومؤسساته العمومية بالتلويح بنغمة “الإصلاحات الموجعة” أو باستثمار أي تفويض دستوري، يُفترض إِنْ وُجد، ألاّ يتجاوز مجابهة وباء الكورونا، للتوسّع في الصلاحيات على حساب الحرّيات والحقوق الاقتصادية والاجتماعية للتونسيات والتونسيين.

في مثل ذلك السياق، والذي ازداد صلابة بنجاح مجلس نواب الشعب في عقد جلسة عامة تاريخية صادق فيها على إجراءات استثنائية لمواصلة عمله التشريعي والرقابي وتواصل عمل مكتب المجلس وخلية الأزمة واللجان البرلمانية عبر التطبيقات الإلكترونية الحديثة والتوفّق في عقد جلسة حوار مع الحكومة عن بعد، كلّ هذا أربك الجهات المتنفذة الباحثة عن تفويض شامل الحكومة لمدة شهرين، لذا تحوّلت الأنظار فجأة من سياق ضاغط على الحكومة لتعديل تصوّرها لمشروع التفويض والقبول بمقترحات الكتل النيابية والخبراء في القانون الدستوري، إلى ضغط على البرلمان وترذيل للسلطة التشريعيّة.

الخطير والمُريب في المشروع الحكومي المعروض على مجلس نواب الشعب أنّه يبحث عن تفويض لمعالجة قضايا سابقة لأزمة كورونا والمضي في إقرار إصلاحات كبرى تحتاجُ تداولا وطنيا واسعا لا مجرّد رؤية طرف وحيد وعبّر مراسيم حكومية ظرفيّة ومستعجلة.
إلى الدرجة التي ذهب فيها بعض القانونيين إلى القول بأنّ مجالات التفويض التي تطلبها الحكومة تجعل من الممكن أن نرى وضعًا وطنيًا جديدًا في غضون شهرين بحكم أنّ الحكومة ستكون مطلقة اليدين عبر المراسيم للتغيير والتعديل في كلّ الاتجاهات وكلّ المجالات الاقتصادية والاجتماعية والحقوقيّة وأنظمة القضاء والعدالة والأمن والإدارة.

لا يخفى على أحد حجم الرهانات المطروحة اليوم على النظام السياسي والتجربة الديمقراطية في بلادنا، وقد أشار كثيرون إلى مخاوف من تمرير قانون التفويض كما ترغبُ فيه الحكومة لما يفتحهُ من أبواب للانزلاق عن المقصد والغرض الدستوري منه ألا وهو معالجة أزمة بذاتها في أمد زمني محدّد.
عادة ما يتم تمرير الملفات التشريعية الكبرى تحت القصف الشديد للوبيات المال والأعمال، وهذا ما يكاد يكون واضحا حاليّا بالحملة الممنهجة على مجلس نواب الشعب والتي تعتمدُ التوظيف وبثّ الإشاعات والأكاذيب وترذيل العمل البرلماني.

ففي ملف مشروع كورشيد لا أحد يمنع 10 نواب من اقتراح أي مبادرة تشريعية ولا سلطان للمجلس ولرئيسه ومكتبه على ضمير النواب ومبادراتهم، كما أنّ المجلس يحرصُ على أن يكون شفافا وكل وثائقه ومحاضره وتقاريره منشورة بحكم النظام الداخلي، ومشروع القانون المشار إليه ليس مخفيّا بل منشور على الموقع الرسمي لمجلس نواب الشعب مع الإشارة إلى إحالته على لجنة التشريع العام، ولم يطلب مكتب مجلس نواب الشعب استعجال النظر فيه بل طلب الاستعجال محمول على أصحاب المبادرة.

كما أنّ ما يحاسب عليه المجلس هو ما يصدره من قرارات جماعية أو بلاغات رسميّة وليس ما يرد عليه من مبادرات من بعض النواب او السلطة التنفيذيّة.
إنّ تحويل كل السلطة والصلاحيات بيد السلطة التنفيذية وتهميش مجلس نواب الشعب، على نقاط ضعفه، سيكون ضربًا للمسار السياسي والديمقراطي.

لا يُنكر أحدا ما يتسبّب فيه البعض من مكونات مجلس نواب الشعب من انتقاد للمجلس نتيجة سلوكات غير سليمة، ولكن نقاط الضعف والسلبيات تتواجد في مختلف مؤسّسات الحكم سواء في القصبة أو قرطاج كما تُلاحق جزءا من النخبة السياسية والفكرية والحقوقيّة، وذلك أمر طبيعي في تجربة ديمقراطية ما تزال وليدة وناشئة تحتاج إلى المزيد من الوقت حتّى تستقرّ إلى وضع سليم وعلى أرضية صلبة.

الاستهداف ممنهج هذه الأيّام لمجلس نواب الشعب والحملة لم تقف عند مشروع كورشيد بل تعدّته الى اتهامات باطلة لأحد النواب بالاحتكار وهو أمر ظهر جليًا أنّ غايته تأليب الرأي العام على مجلس النواب وإظهاره بمظهر ضعف وذلك بغاية التمهيد لتمرير مشروع قانون التفويض.
الخطة واضحة، والكتل النيابية وجلّ الأطراف الوطنية الفاعلة تعي حجم الرهان الخطير الذي يطرحه توجّه الحكومة، أو جزء منها، لفرض التفويض الشامل بالقوّة وتحت سياط حملات التشويه والترذيل ومغالطة الرأي العام.

Commentaires


1 de 1 commentaires pour l'article 200687

Sarramba  (France)  |Lundi 30 Mars 2020 à 19h 50m |           
الحكومة و رئيسها أكدوا اسقاطُها آليا بعد انتهاء أزمة الوباء