بقلم سفيان فرحات
من العبارات التي علقت بذهني خلال الحملة الانتخابية للرئيس التونسي الحالي، قيس سعيّد، قوله "مجتمع القانون لا دولة القانون"، ضمن دعوة لتجاوز مفاهيم عتيقة منها ذلك التعويل المطلق على الدولة من أجل فرض النظام وانسحاب الجميع من هذا الدور، وهو ما أدى غالباً إلى استفراد فئة بالسلطة ثم عجزها عن فرض نظام عادل ودائم، فما هو مسؤولية الكل لا يمكن أن ينجح في تحقيقه جزء.
أستحضر عبارة "مجتمع القانون لا دولة القانون" في هذه الأيام، حيث تدعو الدولة – وعلى رأسها اليوم قيس سعيّد – المواطنين إلى الالتزام بإجراءات الوقاية من وباء كورونا الذي اجتاح العالم، غير أن الاستجابة لا تبدو في مستوى التطلعات، حيث نجد الكثير من الاستهتار من فئات موسّعة، من الشباب إلى الشيوخ، ومن الطبقات الأدنى إلى أصحاب المشاريع والأعمال، وكأن لا أحد منهم يعتبر بما يحصل اليوم في إيطاليا. مع عدم استجابة المجتمع ككل (مجتمع القانون)، هل يبقى من خيار سوى تفعيل الورقة البديلة (دولة القانون)؟ هنا يظهر كثير من التردّد في خيارات المؤسسات الرسمية، من الرئاسة إلى الحكومة مروراً بالبرلمان. يبدو الخيار الأسلم واضحاً اليوم، وهو فرض بقاء الناس في بيوتهم حتى تمرّ عاصفة الكورونا بسلام، ولكن لا أحد يتجرّأ على اتخاذه لاعتبارات يتدخل فيها السياسي بالاقتصادي بالاجتماعي.
كأن الإقدار لم تمهل كثيرا الرئيس، ووضعت أطروحته في اختبارٍ حقيقي ومحكّ صادم، هي وضعية تخلقها المسافة بين الطموح والواقع، بين المثالي والمجسّد على الأرض، هل يمكن اليوم التعويل على مجتمع القانون؟ بالتأكيد لا. يكفي أن ننزل إلى الشارع في أي مدينة تونسية لنصف ساعة لا غير كي نعرف أن الظروف لم تتهيّأ بعد لـ"مجتمع القانون" كي يولد ويأخذ موقع دولة القانون.
هذا البَوْن بين تجسّد مجتمع القانون ومجرّد التطلع إليه ليس فارقاً ثانوياً.. إنه اليوم مسألة حياة أو موت لا يبدو أن خيارات السياسة في تونس تنتبه إليه. لا يزال خطاب وزير الصحة أقرب إلى رجاء للمواطنين وحملة توعوية مثل تلك الحملات الدورية للإقلاع عن التدخين أو لإقناع السائقين بتفادي السرعة المفرطة. لا يزال حضور وزارة الداخلية محتشماً والجيش الوطني يبدو وأنه سيُستنفر في مهمات إنسانية. كل ذلك خيارات منقوصة دون إرادة جادة وقاسية في فرض الخيار الأمثل اليوم. اليوم وليس غداً لأن كل يوم زائد سينعكس في الحصيلة النهائية لعدد الضحايا، فهل تحتمل تونس حصيلة كالتي تعرفها جيرانها الشمالية، وهل قرأ إستراتيجيونا وسياسيونا حقيقة هذه الجيرة في سياق اليوم؟
ها أنّ حدثاً طارئاً يُظهِر لنا كم أن القراءات رخوة والأيادي مرتعشة. بالعودة إلى قيس سعيّد ينبغي أن نعترف أنه كان من المستحيل أن يبدأ في تنفيذ ولو جزء يسير من طموحاته المعلنة خلال الحملة الانتخابية، فقد بادرته الحياة السياسية بمعامعها ودواماتها، ثم لحقتها جائحة عالمية، وهو القادم من حياة هادئة لأستاذ جامعي. اليوم، على قيس سعيّد أن ينزل من فلكه، نزولا يقتضي صلابة في فرض خيارات قاسية لكنها ضرورية لتقليص أضرار خطر داهم. ولعلّ هذا السياق، إذا أحسن استثماره على مستوى التواصل يكون المدخل المناسب كي نفهم فكرة "مجتمع القانون" فلا تبقى مجرّد حلم يتنقّل بين الرؤوس، قد تكون "دولة القانون" هي القابلة التي يخرج على يديها "مجتمع القانون".
يستغرب كثيرون كيف أن اليابان، إحدى جارات الصين وأكثر البلدان اشتباكا سياسياً واقتصادياً معها، لم تتأثّر بجائحة كورونا كما تأثّرت بها بلدان بعيدة عن الصين بأميال. لم يكن السر سوى أن اليابان بلد انتقل بالفعل إلى "مجتمع قانون"، فحين كان فيروس كورونا قد بدأ يحصد أوّل الأرواح في الصين بدأ اليابانيون يستمعون إلى أطبائهم وعلماء الأوبئة ليدخلوا تدريجياً وبشكل عفويّ وقبل القرارات الرسمية في نظام الحجر الصحّي. لم تتوقف الحياة الاقتصادية بالحدة التي تعرفها اليوم إيطاليا وفرنسا وإسبانيا، ولم تكن الدولة مجبرة على اتخاذ إجراءات قاسية في حقّ شعبها كما فعلت الصين أو كوريا. مجتمع القانون باتخاذه للقرار السليم في وقته يجعل من اليابان وهو المرشّح الأول لتوسّع لعدوى في المرتبة الثالثة عشر عالمياً بأقل من ألف حالة عدوى منها ما بين الثلاثين والأربعين وفاة.
هذا الإنجاز الياباني يمكن أن تحقّق تونس أكثر منه لو نجحت في صياغة معادلة "مجتمع القانون" و"دولة القانون". معادلة هي الآن بين يدي قيس سعيّد وغيره من أصحاب القرار، وبين أيديهم أيضاً أرواح كثير من التونسيين.
من العبارات التي علقت بذهني خلال الحملة الانتخابية للرئيس التونسي الحالي، قيس سعيّد، قوله "مجتمع القانون لا دولة القانون"، ضمن دعوة لتجاوز مفاهيم عتيقة منها ذلك التعويل المطلق على الدولة من أجل فرض النظام وانسحاب الجميع من هذا الدور، وهو ما أدى غالباً إلى استفراد فئة بالسلطة ثم عجزها عن فرض نظام عادل ودائم، فما هو مسؤولية الكل لا يمكن أن ينجح في تحقيقه جزء.
أستحضر عبارة "مجتمع القانون لا دولة القانون" في هذه الأيام، حيث تدعو الدولة – وعلى رأسها اليوم قيس سعيّد – المواطنين إلى الالتزام بإجراءات الوقاية من وباء كورونا الذي اجتاح العالم، غير أن الاستجابة لا تبدو في مستوى التطلعات، حيث نجد الكثير من الاستهتار من فئات موسّعة، من الشباب إلى الشيوخ، ومن الطبقات الأدنى إلى أصحاب المشاريع والأعمال، وكأن لا أحد منهم يعتبر بما يحصل اليوم في إيطاليا. مع عدم استجابة المجتمع ككل (مجتمع القانون)، هل يبقى من خيار سوى تفعيل الورقة البديلة (دولة القانون)؟ هنا يظهر كثير من التردّد في خيارات المؤسسات الرسمية، من الرئاسة إلى الحكومة مروراً بالبرلمان. يبدو الخيار الأسلم واضحاً اليوم، وهو فرض بقاء الناس في بيوتهم حتى تمرّ عاصفة الكورونا بسلام، ولكن لا أحد يتجرّأ على اتخاذه لاعتبارات يتدخل فيها السياسي بالاقتصادي بالاجتماعي.
كأن الإقدار لم تمهل كثيرا الرئيس، ووضعت أطروحته في اختبارٍ حقيقي ومحكّ صادم، هي وضعية تخلقها المسافة بين الطموح والواقع، بين المثالي والمجسّد على الأرض، هل يمكن اليوم التعويل على مجتمع القانون؟ بالتأكيد لا. يكفي أن ننزل إلى الشارع في أي مدينة تونسية لنصف ساعة لا غير كي نعرف أن الظروف لم تتهيّأ بعد لـ"مجتمع القانون" كي يولد ويأخذ موقع دولة القانون.
هذا البَوْن بين تجسّد مجتمع القانون ومجرّد التطلع إليه ليس فارقاً ثانوياً.. إنه اليوم مسألة حياة أو موت لا يبدو أن خيارات السياسة في تونس تنتبه إليه. لا يزال خطاب وزير الصحة أقرب إلى رجاء للمواطنين وحملة توعوية مثل تلك الحملات الدورية للإقلاع عن التدخين أو لإقناع السائقين بتفادي السرعة المفرطة. لا يزال حضور وزارة الداخلية محتشماً والجيش الوطني يبدو وأنه سيُستنفر في مهمات إنسانية. كل ذلك خيارات منقوصة دون إرادة جادة وقاسية في فرض الخيار الأمثل اليوم. اليوم وليس غداً لأن كل يوم زائد سينعكس في الحصيلة النهائية لعدد الضحايا، فهل تحتمل تونس حصيلة كالتي تعرفها جيرانها الشمالية، وهل قرأ إستراتيجيونا وسياسيونا حقيقة هذه الجيرة في سياق اليوم؟
ها أنّ حدثاً طارئاً يُظهِر لنا كم أن القراءات رخوة والأيادي مرتعشة. بالعودة إلى قيس سعيّد ينبغي أن نعترف أنه كان من المستحيل أن يبدأ في تنفيذ ولو جزء يسير من طموحاته المعلنة خلال الحملة الانتخابية، فقد بادرته الحياة السياسية بمعامعها ودواماتها، ثم لحقتها جائحة عالمية، وهو القادم من حياة هادئة لأستاذ جامعي. اليوم، على قيس سعيّد أن ينزل من فلكه، نزولا يقتضي صلابة في فرض خيارات قاسية لكنها ضرورية لتقليص أضرار خطر داهم. ولعلّ هذا السياق، إذا أحسن استثماره على مستوى التواصل يكون المدخل المناسب كي نفهم فكرة "مجتمع القانون" فلا تبقى مجرّد حلم يتنقّل بين الرؤوس، قد تكون "دولة القانون" هي القابلة التي يخرج على يديها "مجتمع القانون".
يستغرب كثيرون كيف أن اليابان، إحدى جارات الصين وأكثر البلدان اشتباكا سياسياً واقتصادياً معها، لم تتأثّر بجائحة كورونا كما تأثّرت بها بلدان بعيدة عن الصين بأميال. لم يكن السر سوى أن اليابان بلد انتقل بالفعل إلى "مجتمع قانون"، فحين كان فيروس كورونا قد بدأ يحصد أوّل الأرواح في الصين بدأ اليابانيون يستمعون إلى أطبائهم وعلماء الأوبئة ليدخلوا تدريجياً وبشكل عفويّ وقبل القرارات الرسمية في نظام الحجر الصحّي. لم تتوقف الحياة الاقتصادية بالحدة التي تعرفها اليوم إيطاليا وفرنسا وإسبانيا، ولم تكن الدولة مجبرة على اتخاذ إجراءات قاسية في حقّ شعبها كما فعلت الصين أو كوريا. مجتمع القانون باتخاذه للقرار السليم في وقته يجعل من اليابان وهو المرشّح الأول لتوسّع لعدوى في المرتبة الثالثة عشر عالمياً بأقل من ألف حالة عدوى منها ما بين الثلاثين والأربعين وفاة.
هذا الإنجاز الياباني يمكن أن تحقّق تونس أكثر منه لو نجحت في صياغة معادلة "مجتمع القانون" و"دولة القانون". معادلة هي الآن بين يدي قيس سعيّد وغيره من أصحاب القرار، وبين أيديهم أيضاً أرواح كثير من التونسيين.





Om Kalthoum - فكروني
Commentaires
0 de 0 commentaires pour l'article 200173