حياة بن يادم
بعد انتظار، و في وقت نسبيا متأخرا، ليلة الثلاثاء 17مارس 2020، اكتمل المشهد بخروج رئيس الجمهورية ملقيا بيانه على التونسيين.
حيث خرج سابقا رئيس مجلس النواب محاطا برؤساء الكتل بالبرلمان، معلنا عن حزمة اقتراحات على رئيس الحكومة، الذي حسب النائب الثاني لرئيس المجلس، أن هذا الأخير رفض الحضور يوم الثلاثاء في اجتماع مكتب المجلس و رؤساء الكتل "بطريقة فيها كثير من التعالي و الاحتقار للمجلس و نواب الشعب".
كما خرج ليلة الاثنين الماضي رئيس الحكومة، معلنا عن حزمة من القرارات لمواجهة تفشي فيروس كورونا، بعد أن قابل رئيس الجمهورية. حيث توج اللقاء ببيان رئاسي مؤكدا في ختامه على "ضرورة تكامل عمل مؤسسات الدولة لخدمة المواطنين و احترام كل سلطة لاختصاصاتها دون تداخل أو تضارب أو مضاربات سياسية".
و هي رسالة تعكس حالة من التجاذبات و معارك التموقع السياسي، في حين تسير البلاد على حافية "هاوية كورونا". الذي اعتبرته منظمة الصحة العالمية "وباء كورونا أسوأ أزمة صحية تواجه العالم".
في اطلالته البارحة توجه رئيس الجمهورية إلى أحرار و حرائر تونس بخطاب مكتوب بلغة عربية جافة، أهم ما جاء فيه:
* اتخاذ اجراء إضافي لما تم اتخاذه سابقا من طرف السلطة التنفيذية، و ذلك بعد "مشاورات مع كل من اقتضى الامر التشاور معه مع المسؤولين و مع المختصين". و هي حسب اعتقادي صورة إيجابية بعث بها رئيس الدولة إلى الشعب، بأن لغة الحوار لم تتعطل بين المؤسسات، على الرغم من وجود اختلافات في تقدير الموقف. لكن كان بالإمكان، تسمية "من اقتضى الامر مشاورتهم" بصفاتهم. و أقصد هنا تسمية رئيس الحكومة و رئيس مجلس النواب و وزير الصحة الذين التقاهم قبل بث كلمته. و ليس بصيغة نكرة لما فيها من رسالة سلبية تعكس الجفاء الحاصل بين مؤسسات الدولة.
* الإجراء المتخذ يتمثل في حظر التجوال من الساعة السادسة مساءا إلى غاية السادسة صباحا، دون تفصيل الغاية من هذا الاجراء. حيث كان بالإمكان أن يفسر و يفصل للتونسيين غاية حظر التجوال و التي ليست قطعا منع الاختلاط. لأنه تبعا لإجراء غلق المقاهي بعد الرابعة مساءا، فالبلاد مقفرة بعد السادسة مساءا. إذا الغاية هي فرض الأمن و حماية الممتلكات العامة و الخاصة. لأنه بالتجربة و في ظروف مشابهة يستغل المنحرفون الفراغ للاعتداء على الممتلكات.
* ذكر في كلمته المكتوبة، في مناسبتين، "قواتنا المسلحة العسكرية و قوات الأمن الداخلي"، ناسبا لنفسه القوات العسكرية "قواتنا" في حين يذكر الامن الداخلي ب "قوات" في تلميح واضح لفصل السلط. و الحال لا الزمان و لا المكان يسمح بهذا الفصل و بحذف الالف عن "قوات" الامن الداخلي. فالزمن زمن كورونا التي لا تبقي و لا تذر و المكان "خلية تونس". و حتى تبقى هذه الخلية على قيد الحياة يفترض ان كل طرف يقوم بواجبه في إطار التناغم و الانسجام، و يفترض كذلك وجود رئيس جامع باسط رداءه على الجميع، يكون عنوانا للوحدة و التماسك في هذه الظروف الحرجة التي تمر بها البلاد.
* تطرق لمسألة التبرع قائلا "وليس كثيرا على من يستطيعون التبرع بنصف رواتبهم أو أكثر و سأكون أولهم". و هذا جميل، لكن الأجمل لو قام بتحويل جزء من ميزانية الرئاسة إلى وزارة الصحة، أو يقوم بتمويل المدرسة الوطنية للمهندسين بسوسة التي أطلقت بالتعاون مع كلية الطب بنفس المدينة تحدّيا يهدف إلى تصنيع أجهزة تنفس اصطناعي تونسي.
كما أن الشعب ذاق الامرّين في الازمات التي تعرض إليها سابقا. حيث في كل أزمة تمر بها البلاد، يقع التعويض لرجال الأعمال و إلغاء ديونهم، و يبقى الموظفين و الكادحين هم من يدفعون الثمن عبر الاقتطاع الآلي من جراياتهم المهترئة.
كان بالإمكان لرئيس الجمهورية أن يسمي الأشياء بمسمياتها و يتوجه إلى رجال الأعمال الذين تمتعوا بالمنح و الامتيازات و الدعم من مال المجموعة الوطنية و من الضرائب التي يدفعها التونسيين، لتسديد الدين و ردّ الجميل إلى الوطن في هذه الظروف الصعبة.
* توجه إلى التونسيين قائلا "أنتم بإمكانكم التصذّي للخطر الداهم فلتتفهموا مثل هذا الاجراء فلتكونوا في موعد مع التاريخ". كلام مقبول و محفز و جميل، لكن كان بالإمكان طمأنة التونسيين عند حدوث الأسوأ لا قدر الله، و خاصة ضعاف الحال و المسنين و ذوي الاحتياجات الخصوصية، على استمرارية و تأمين ضروريات الحياة من التزود من الدواء و الغذاء. باستخدام القوة العسكرية و الامنية للضرب على أيادي المحتكرين و المستثمرين في مصائب الشعب. و عن الحلول البديلة من احداث مستشفيات عسكرية ميدانية و تسخير المصحات و الفضاءات الخاصة لمواجهة الكارثة. مع العلم أنه حاليا عدة مواد مفقودة و تصلنا صورا تعيسة حول تعرض شاحنات محملة بالسميد للسطو.
في ظل الوضع الصعب و الدقيق التي يعيشها الوطن، رسالتي إلى التونسيين الالتزام بالتوصيات التي تحدّ من انتشار هذا الوباء الخطير و ان يكونوا على درجة من الوعي و التضامن. أما رسالتي إلى السّاسة و أصحاب السلطة دون استثناء أن يضعوا رحال معارك "التموقع السياسي" و تأجيلها إلى حين تجاوز حرب كورونا الدائرة. و عندما تضع كورونا أوزارها و ينقشع غبارها، لكل حادث حديث "ساعتها برّوا كولوا بعضكم".
أخيرا و ليس آخرا، رسالتي الى الرؤساء الثلاث، كونوا على قلب رجل واحد أو.. خلّوا بيننا و بين كورونا.
اللهم ارحمنا برحمتك و ارفع عنا البلاء، اللهم احفظ وطننا من الأمراض و الوباء، واصرف عنا السوء و جميع الأسقام، و ازرع فيه راحة دائمة، و أملا بك لا يخيب، يا رب.
بعد انتظار، و في وقت نسبيا متأخرا، ليلة الثلاثاء 17مارس 2020، اكتمل المشهد بخروج رئيس الجمهورية ملقيا بيانه على التونسيين.
حيث خرج سابقا رئيس مجلس النواب محاطا برؤساء الكتل بالبرلمان، معلنا عن حزمة اقتراحات على رئيس الحكومة، الذي حسب النائب الثاني لرئيس المجلس، أن هذا الأخير رفض الحضور يوم الثلاثاء في اجتماع مكتب المجلس و رؤساء الكتل "بطريقة فيها كثير من التعالي و الاحتقار للمجلس و نواب الشعب".
كما خرج ليلة الاثنين الماضي رئيس الحكومة، معلنا عن حزمة من القرارات لمواجهة تفشي فيروس كورونا، بعد أن قابل رئيس الجمهورية. حيث توج اللقاء ببيان رئاسي مؤكدا في ختامه على "ضرورة تكامل عمل مؤسسات الدولة لخدمة المواطنين و احترام كل سلطة لاختصاصاتها دون تداخل أو تضارب أو مضاربات سياسية".
و هي رسالة تعكس حالة من التجاذبات و معارك التموقع السياسي، في حين تسير البلاد على حافية "هاوية كورونا". الذي اعتبرته منظمة الصحة العالمية "وباء كورونا أسوأ أزمة صحية تواجه العالم".
في اطلالته البارحة توجه رئيس الجمهورية إلى أحرار و حرائر تونس بخطاب مكتوب بلغة عربية جافة، أهم ما جاء فيه:
* اتخاذ اجراء إضافي لما تم اتخاذه سابقا من طرف السلطة التنفيذية، و ذلك بعد "مشاورات مع كل من اقتضى الامر التشاور معه مع المسؤولين و مع المختصين". و هي حسب اعتقادي صورة إيجابية بعث بها رئيس الدولة إلى الشعب، بأن لغة الحوار لم تتعطل بين المؤسسات، على الرغم من وجود اختلافات في تقدير الموقف. لكن كان بالإمكان، تسمية "من اقتضى الامر مشاورتهم" بصفاتهم. و أقصد هنا تسمية رئيس الحكومة و رئيس مجلس النواب و وزير الصحة الذين التقاهم قبل بث كلمته. و ليس بصيغة نكرة لما فيها من رسالة سلبية تعكس الجفاء الحاصل بين مؤسسات الدولة.
* الإجراء المتخذ يتمثل في حظر التجوال من الساعة السادسة مساءا إلى غاية السادسة صباحا، دون تفصيل الغاية من هذا الاجراء. حيث كان بالإمكان أن يفسر و يفصل للتونسيين غاية حظر التجوال و التي ليست قطعا منع الاختلاط. لأنه تبعا لإجراء غلق المقاهي بعد الرابعة مساءا، فالبلاد مقفرة بعد السادسة مساءا. إذا الغاية هي فرض الأمن و حماية الممتلكات العامة و الخاصة. لأنه بالتجربة و في ظروف مشابهة يستغل المنحرفون الفراغ للاعتداء على الممتلكات.
* ذكر في كلمته المكتوبة، في مناسبتين، "قواتنا المسلحة العسكرية و قوات الأمن الداخلي"، ناسبا لنفسه القوات العسكرية "قواتنا" في حين يذكر الامن الداخلي ب "قوات" في تلميح واضح لفصل السلط. و الحال لا الزمان و لا المكان يسمح بهذا الفصل و بحذف الالف عن "قوات" الامن الداخلي. فالزمن زمن كورونا التي لا تبقي و لا تذر و المكان "خلية تونس". و حتى تبقى هذه الخلية على قيد الحياة يفترض ان كل طرف يقوم بواجبه في إطار التناغم و الانسجام، و يفترض كذلك وجود رئيس جامع باسط رداءه على الجميع، يكون عنوانا للوحدة و التماسك في هذه الظروف الحرجة التي تمر بها البلاد.
* تطرق لمسألة التبرع قائلا "وليس كثيرا على من يستطيعون التبرع بنصف رواتبهم أو أكثر و سأكون أولهم". و هذا جميل، لكن الأجمل لو قام بتحويل جزء من ميزانية الرئاسة إلى وزارة الصحة، أو يقوم بتمويل المدرسة الوطنية للمهندسين بسوسة التي أطلقت بالتعاون مع كلية الطب بنفس المدينة تحدّيا يهدف إلى تصنيع أجهزة تنفس اصطناعي تونسي.
كما أن الشعب ذاق الامرّين في الازمات التي تعرض إليها سابقا. حيث في كل أزمة تمر بها البلاد، يقع التعويض لرجال الأعمال و إلغاء ديونهم، و يبقى الموظفين و الكادحين هم من يدفعون الثمن عبر الاقتطاع الآلي من جراياتهم المهترئة.
كان بالإمكان لرئيس الجمهورية أن يسمي الأشياء بمسمياتها و يتوجه إلى رجال الأعمال الذين تمتعوا بالمنح و الامتيازات و الدعم من مال المجموعة الوطنية و من الضرائب التي يدفعها التونسيين، لتسديد الدين و ردّ الجميل إلى الوطن في هذه الظروف الصعبة.
* توجه إلى التونسيين قائلا "أنتم بإمكانكم التصذّي للخطر الداهم فلتتفهموا مثل هذا الاجراء فلتكونوا في موعد مع التاريخ". كلام مقبول و محفز و جميل، لكن كان بالإمكان طمأنة التونسيين عند حدوث الأسوأ لا قدر الله، و خاصة ضعاف الحال و المسنين و ذوي الاحتياجات الخصوصية، على استمرارية و تأمين ضروريات الحياة من التزود من الدواء و الغذاء. باستخدام القوة العسكرية و الامنية للضرب على أيادي المحتكرين و المستثمرين في مصائب الشعب. و عن الحلول البديلة من احداث مستشفيات عسكرية ميدانية و تسخير المصحات و الفضاءات الخاصة لمواجهة الكارثة. مع العلم أنه حاليا عدة مواد مفقودة و تصلنا صورا تعيسة حول تعرض شاحنات محملة بالسميد للسطو.
في ظل الوضع الصعب و الدقيق التي يعيشها الوطن، رسالتي إلى التونسيين الالتزام بالتوصيات التي تحدّ من انتشار هذا الوباء الخطير و ان يكونوا على درجة من الوعي و التضامن. أما رسالتي إلى السّاسة و أصحاب السلطة دون استثناء أن يضعوا رحال معارك "التموقع السياسي" و تأجيلها إلى حين تجاوز حرب كورونا الدائرة. و عندما تضع كورونا أوزارها و ينقشع غبارها، لكل حادث حديث "ساعتها برّوا كولوا بعضكم".
أخيرا و ليس آخرا، رسالتي الى الرؤساء الثلاث، كونوا على قلب رجل واحد أو.. خلّوا بيننا و بين كورونا.
اللهم ارحمنا برحمتك و ارفع عنا البلاء، اللهم احفظ وطننا من الأمراض و الوباء، واصرف عنا السوء و جميع الأسقام، و ازرع فيه راحة دائمة، و أملا بك لا يخيب، يا رب.





Om Kalthoum - فكروني
Commentaires
0 de 0 commentaires pour l'article 200058